دلالات إضراب موظفي جامعات مصر

أشرف حسن منصور
2012 / 9 / 18


شهد عدد من الجامعات المصرية إضراباً شاملاً شل هذه الجامعات بالكامل منذ يوم السبت 15 سبتمبر 2012، والذي كان هو اليوم المقرر لبدء الدراسة في الجامعات. وتحت ضغط الدعوات إلى الإضراب والتي بدأت قبل هذا التاريخ بأكثر من أسبوع اضطرت الجامعات إلى تأجيل الدراسة لمدة أسبوع. ولا نعلم ما إذا كانت الدراسة سوف تنتظم في الموعد المقرر لها الآن وهو 22 سبتمبر أم ستؤجل. والحقيقة أن عدم اليقين هذا يعكس مدى الاضطراب وانعدام الرؤية وسوء التقدير لدى القيادات الجامعية، والذي أساسه عدم وعي هؤلاء بالأوضاع الحقيقية للجامعات التي يديرونها.
لكن لإضراب موظفي الجامعات دلالات أخرى كثيرة. لقد سبقه اعتصام طلاب الجامعات بعد شهر واحد من الثورة، مارس 2011، وكان يهدف عزل القيادات الجامعية القديمة التي كانت تنتمي لنظام مبارك، والتي كان الكثير منها وعلى رأسهم بعض قيادات جامعة الإسكندرية ممن يمهدون للتوريث ويخططون له بل ويهيئون المجتمع الجامعي لتقبله، وكأنهم قوادون يمارسون العهر السياسي بتكييف جامعاتهم لتقبل جمال مبارك. ونجح اعتصام الطلاب في تحقيق الكثير من الإنجازات ومنها أن أصبحت القيادات الجامعية بالانتخاب.
وفي نهاية الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي 2011 – 2012 تعالت مطالبات أعضاء هيئة التدريس بتحسين أوضاعهم المالية، ولم يستطيعوا الحصول على البدل الجامعي الجديد إلا بعد التهديد بحجب النتيجة، مما يدل على أن منطق القوة هو السائد حالياً، وأن الإضراب هو الوسيلة الوحيدة للحصول على الحقوق. ولذلك فأنا أؤيد إضراب موظفي الجامعات تماماً، فلن ينالوا مطالبهم إلا بهذه الطريقة.
وإذا نظرنا إلى الصورة كاملة يتضح لنا أن الجامعات المصرية قد شهدت إضرابات واعتصامات منذ الثورة وحتى الآن على كافة مستوياتها، الطلاب ثم أعضاء هيئة التدريس وأخيراً الموظفون والعمال. وكل إضراب في أي جهة لا يرجع إلى مجرد ضعف الدخول بل ينتج عن سوء توزيع الدخل داخل كل جهة أو مؤسسة. وسوء التوزيع هذا هو الذي يشعر به الموظفون الآن خاصة بعد أن زاد دخل عضو هيئة التدريس لأكثر من ثلاثة أضعاف وهم لم يزيدوا سوى 50% على الراتب الأساسي الذي هو ضعيف أصلاً. وسوء التوزيع هذا حقيقة قائمة يعرفها كل من يعمل بالجامعات، سواء كان موظفاً أو عضو هيئة تدريس. ويأتي سوء التوزيع هذا من سيطرة بعض الأساتذة وكبار الموظفين على الموارد المالية للكليات والتصرف فيها كيفما شاؤوا، وتوزيعها على أنفسهم ومحاسيبهم وجواسيسهم وعصاباتهم داخل كل كلية وداخل الإدارة الجامعية أيضاً. ولأن أمين كل كلية مشارك في المسؤولية في كل ذلك، فقد علت مطالب الموظفين بأن يكون منصب الأمين بالانتخاب.
هذا الإضراب الشامل الذي شل الجامعات المصرية إنما يدل على أن الثورة مستمرة، وعلى أن الحالة الثورية لاتزال موجودة في البلاد، وأن وصول الإخوان للسلطة لم يُهبِّط من الروح الثورية في البلاد. بل إنني أعتقد أن الشعب عندما يدرك أن نظام الإخوان هو نفسه نظام مبارك متخفياً وراء الدين ووراء قناع الورع والتقوى سوف يثورون عليه. إن أسوأ أنواع النصب هو النصب باسم الدين، وأسوأ أنواع الاستغلال هو استغلال العامة المتدينة الساذجة عن طريق الدين.
لم تتحقق مطالب الثورة بعد. لقد كان أحد أهم مطالبها هو العدالة الاجتماعية. فأين هي هذه العدالة الاجتماعية في الجامعات؟ لن يحقق الإخوان عدالة اجتماعية ولن يحققوا أي من الأهداف الأخرى للثورة لأنهم ببساطة ليسوا ثوريين. فكيف لجماعة غير ثورية أن تحقق مطالب ثورية؟ لقد قلنا كثيراً قبل وصول الإخوان للحكم أنهم ركبوا الثورة واستغلوها لصالحهم وأنهم لم يشاركوا فيها بل التحقوا بها، والآن تتضح تبعات هذه الحقيقة. فالبلاد مفلسة ويزدها الإخوان ديوناً، والجامعات ثائرة ولا يستطيع أحد تهدئتها حتى الآن.
إن الثورة ليست مجرد ملايين تنزل إلى الشوارع وتتجمع في الميادين وتطوف المدينة، بل هي فوق كل ذلك: الإضراب والعصيان المدني والاعتصام. وهذا هو ما يحدث الآن في الكثير من قطاعات الدولة وغيرها. ويجب أن نتذكر جيداً أن العامل الحاسم في نجاح الثورة المصرية هو إضراب العمال الشامل في كل مصانع مصر وفي الكثير من الشركات الحكومية والخاصة قبل تنحي مبارك بأيام، فهو الذي شل الدولة بالكامل ولم يجد المجلس العسكري فكاكاً سوى إجبار مبارك على التنحي. إن استمرار الإضرابات في عهد الإخوان يقف دليل قوي على أن هؤلاء لا يزالون يتبعون نفس السياسات الاقتصادية للنظام القديم، وأنهم يقفون داخل نفس الخندق الطبقي الذي كان يقف فيه النظام السابق، وأنهم يمثلون نفس المصالح الطبقية الاستغلالية ويمارسونها بنفس الآليات، والفرق هو الذقن والصلاة وكثرة استخدام الخطاب الديني في الحديث السياسي، أي التقوى المظهرية الزائفة واستغلال الخيال الشعبي الديني والعاطفة الشعبية الدينية في قبول نظام غير ثوري بالمرة.
د. أشرف حسن منصور