دورة الحرب والسلام

رياض حمادي
2012 / 9 / 11

" يتناسب عدد الذئاب عكسيا مع عدد الأرانب , كلما كثرت الذئاب قلت الأرانب وبالعكس عندما يقل عدد الذئاب يزدادا عدد الأرانب والنتيجة تذبذبات " (*)

يسمي ليونارد راستريجين هذه العلاقة بين الذئاب والأرانب " ديناميات التأثير على التعداد ". " ففي البيولوجيا , التعدادا السكاني هو مجموعة محكمة الغلق من الكائنات التي تخص النوع ذاته . لهذا تستطيع التحدث عن تعداد الذئاب وتعداد الأرانب , ويتفاعل كلا الاثنين مع بعضهما لسبب بسيط هو أن الذئاب تأكل الأرانب بتلذذ عظيم . فلنتأمل موقع الغابة الآن : افترض إن عدد الأرانب والذئاب كان متوزنا . كل مرة يؤكل فيها أرنب يولد مكانه أرنب آخر , وفي كل مرة يموت ذئب يعوضه ذئب صغير . قد لا تكون الصورة بهذه البساطة , لكنها ممكنة . افترض أن عدد الأرانب ازدادا فجأة نتيجة انفجار في نظام التوالد فستجد الذئاب كثيرا لتأكله مما يحسن نسلها فيزداد عددها . بتكاثر الذئاب ستؤكل أعداد أكثر من الأرانب , وسيبدأ عددها في النقصان بالنسبة للذئاب وستواجه الذئاب آنئذ أوقاتا عصيبة ستموت من الجوع والمرض وسوء التغذية حتى ينخفض عددها بشكل واضح مما يتسبب في انفجار سكاني بين الأرانب . وهكذا دواليك . هذا التذبذب مرة أخرى هو نتاج عاملين : عامل يتعلق بشهية الذئاب وإخصاب الأرانب مما يجعل نظام الذئاب/أرانب في حالة من التوازن . العامل الآخر هو التأخير (الفجوة) lag بين حجم السكان وشروط المعيشة . فعندما يكون هناك تغيير في الشروط فإن التعداد لا يتغير مباشرة لكن بعد بعض الوقت فقط , ويعتمد الطول الدقيق للتأخير على معدل المواليد الذي يحافظ عليه السكان . ويشكل هذا الأخير العامل الدينامي . " (*)

يمكن أن نستنبط من ديناميات التأثير هذه دورة أو قانون لحالة الحرب والسلام , حيث تتناسب حالة الحرب والسلام مع عدد السكان زيادة أو نقصاً فكلما زاد عدد السكان زادت احتمالات وقوع الحرب وكلما قل عدد السكان قلت احتمالات وقوع الحرب وزادت احتمالات السلام . وقوع الحروب في حالة الزيادة السكانية يحكمه قلة الموارد التي يتشارك بها السكان فكلما زادت الموارد زاد عدد السكان وهذه الزيادة بدورها في عدد السكان ستؤدي إلى نضوب الموارد من خلال استهلاك العدد الكبير للسكان لها وبالتالي كلما نقصت الموارد زادت احتمالات الصراع عليها وبالتالي قيام الحروب . وهكذا دواليك في دورة لا تنتهي من الحرب والسلام .

هذا يعني أن هذه الدورة حتمية ولا يمكن إيقافها إلا عبر افتراض توفر الموارد الغذائية بشكل كبير ومتساوٍ مع عدد السكان أي عدم وجود أي اختلال في ميزان السكان/الموارد لصالح أي طرف منهم وهذا مجرد افتراض لم تمنحه الطبيعة استقرار طويل المدى أو دائم , لكنه مع ذلك افتراض ممكن إذا استطعنا الحفاظ على تعادل نسبي بين عدد سكان العالم - عن طريق وسائل تنظيم الأسرة - واقتسام أو توزيع الموارد بينهم بالتساوي .

لكن الحروب التي يشعلها الإنسان لها دوافع أخرى عير الصراع على موارد الغذاء . فهناك الكراهية والغضب والحقد والتنافس والطموح والكبرياء والغرور والشوفينية والقومية . يضاف إليها الحروب التي يشعلها أتباع الأديان المختلفة وهو صراع من نوع آخر حيث يدعي كل طرف منهم امتلاك الحقيقة اليقينية دون الآخر .
من هنا يمكننا أن نحصر العوامل التي تؤدي لنشوب الحروب في ثلاثة عوامل رئيسية وهي :

الصراع على الموارد .
عوامل نفسية مثل الكراهية والحقد والغرور .
عوامل دينية

بينما يمكن استنباط العوامل التي تؤدي للسلام في ثلاثة عوامل عكسية هي :
توفر الموارد بشكل متسق ومتساوٍ مع معدل عدد السكان وعلى نحو مستمر .
شيوع الحب والخير والتواضع كقيم مسيطرة تحكم الإنسان أفرادا ودولاً ومجتمعات .
توحيد الأديان في دين واحد يتضمن مبادئ بسيطة لا تنطوي على إمكانية الصراع حولها أو زوال الأديان نهائيا .

وبما أنه من غير الممكن بل والمستحيل التحكم في كل العوامل الثلاثة سالفة الذكر جاز لنا القول باستمرار الحروب وارتباطها الدائم بمصير البشر .ولما كانت العوامل التي تعطي للسلام فرصة أقل من العوامل التي تدفع في اتجاه الحروب جاز لنا القول أن التاريخ محكوم بقانون الحرب لا بقانون السلام ويصبح القول معه صحيحا في أن الحروب وليس السلام هي من يصنع التاريخ ويشكله .

بالعودة إلى دورة الذئاب والأرانب من المثير أن نجد أن الصراع الحاصل يتم بين نوعين مختلفين من الكائنات ويكون الجوع دافعه الرئيسي والوحيد ولا يمكن حله, بينما الصراع أو الحروب في حالة الإنسان تحدث بين نوع بشري واحد, لا يشكل فيه دافع الجوع سوى عامل واحد من بين مجموعة أخرى من العوامل . كما يمكن للإنسان تجاوز هذا العامل أو التخفيف من حدته بتوزيع الموارد على نحو لا يؤدي إلى نشوب الحروب , وبالحد من عدد السكان بإتباع وسائل تنظيم الأسرة . ومع أن هذا الحل مثالي إلا أنه قابل للتطبيق نظريا .

في الظاهر تدوم حالة السلام أكثر من حالة الحرب لكن إذا كان الصراع اسم آخر للحروب تكون بذلك حالة الحرب أطول أمدا من حالة السلام فعلى سبيل المثال لا تعد الفترة الفاصلة بين الحرب العالمية الأولى والثانية فترة سلام بل فترة حرب ذلك أن هذه الفترة كانت عبارة عن تحضير للحرب واستعداد لها . وهكذا لو تأملنا كل فترة توصف بأنها فترة سلام ونقبنا عن خباياها لوجدناها في الحقيقة تخطيط لحرب قادمة سواء أكانت حرب كونية أو حروب صغيرة تدور هنا وهناك.
من المثالية الاعتقاد بزوال الحروب واستقرار السلام وطرح حلول واقتراحات تصب في هذا الاتجاه في حين تستمر مصانع السلاح بضخ المزيد إلى السوق العالمية وابتكار أدوات قتل جديدة كل يوم . ولا يمكن للتمنيات أو للطموح الإنساني تجاوز عقبات الواقع بحيث تؤدي إلى تحقيق السلام . وسيظل السلام طموح وأمل الإنسان العاقل والخير لكن الطموح وحده وكذلك الآمال غير كافية لتحقيق هكذا أمنية مثالية .
___________________________________________________
(*) ليونارد راستريجين – مملكة الفوضى – محاولة في فهم آليات عمل المصادفة والسبرنيتية