اليمن بين التسول والاستثمار

رياض حمادي
2012 / 9 / 7

في أحد الأيام وبعد أداء صلاة الفجر في الجامع وكالعادة يبدأ المتسولون باستعراض مهاراتهم بدأ أحدهم بالتوسل والشكوى والدعاء فخاطبه إمام الجامع قائلاً : " عندي لك وظيفة بألف وخمسمائة ريال يوميا ما رأيك ؟! " فما كان من المتسول إلا أن صاح في الإمام : " خليني في حالي مالكش دخل ! " . تكرر هذا المشهد أمامي مرتين ومع متسول آخر يرفض العمل ويفضل التسول . هذا لا يعني أن كل المتسولين يرفضون العمل فهناك من دفعته الحاجة والظروف للتسول لكنها القاعدة التي تحكم عالم التسول .

ليس الكسل كما يعتقد البعض هو السبب الرئيسي للتسول فالتسول مهنة – إذا جاز لنا أن نسميه كذلك – شاقة ومتعبة مقارنة بوظائف ومهن شاقة أخرى . ربما لأن مردود التسول مجزي أو مُخارج أكثر من العمل أو لأن التسول مهنة حرة غير مقيدة لحرية المتسول هو ما يدفع المتسول لأن يفضلها على العمل المنتظم . ربما تكون هذه هي دوافع المتسولين لكن ما هي الأسباب والدوافع التي دعت الحكومات اليمنية المتعاقبة لتفضيل التسول على العمل ؟!

ليس الكسل أيضاً من بين الأسباب كما أن عنصر الحرية مفقود بل على العكس التسول أو " المساعدات " تبقي اليمن رهينة أو عبدة للدول المانحة عملاً بالمثل " من ينقد الزمار يفرض اللحن " . هناك سبب أكثر اقناعاً للتسول الذي تمارسه اليمن منذ عقود وهو الفساد . وهو نفس السبب الذي يجعل الدول المانحة أو المتصدقة تحجم عن دفع صدقاتها المشروطة كاملة لليمن .

هل يمكن لليمن أن تعيش دون تسول ؟!

فلننظر لدول أخرى لا تملك مقومات نفطية ولا موقع استراتيجي أو غيرها من المزايا لكنها مع ذلك لم تضع التسول ضمن قائمة خياراتها . كل ما تملكه تلك الدول هو الإرادة والقرار السياسي وفن وعلم إدارة الدول .
يمكن لليمن أن تتجاوز محنتها الاقتصادية بداية بالاستثمار لكن هناك عوائق تقف حجر عثرة دون تحقيقه وهي غياب الأمن والاستقرار السياسي وقبلها غياب النية الحقيقية في جلب وجذب الاستثمارات الخارجية والداخلية . هناك الكثير من رجال الأعمال اليمنيين يستثمرون معظم أموالهم في الخارج نظرا للأسباب السابقة ولو فكر هؤلاء فقط بالعودة برؤوس أموالهم أو حتى بجزء منها واستثمارها في بلدهم لتحسن الوضع كثيراً.

من الأسباب الأخرى لتطفيش الاستثمارات غياب البنية التحتية مثل شبكات الكهرباء والمجاري والمياه ووسائل المواصلات والنقل والطرقات والاتصالات مثل التلفون والانترنت وغيرها . يمكن لبعض المستثمرين أن يقوموا بالاستثمار في هذه المجالات الأخيرة لو توفر الأمن والاستقرار السياسي و النية الحقيقية لدى صانع القرار السياسي اليمني . الاستثمار في هذه القطاعات سيؤدي إلى انتعاش الاقتصاد وتحسن الأحوال المعيشية للمواطن اليمني . المشكلة الرئيسية في اليمن أنه لا يوجد صانع قرار بل هناك صناع قرار يتصارعون على السلطة ويتنافسون على الفساد فضلا عن كون هؤلاء يدارون بالريموت كونترول أو بالآيباد من قبل سفاراتهم في العاصمة صنعاء .
هناك رغبة في بقاء قطاع النقل والمواصلات والاتصالات وغيرها من القطاعات في يد زمرة أو فئات إقطاعية محددة وقرار الاستثمار في هذه المجالات سيغضب هذه الشخصيات لذلك " من أجل عين تهان ملايين العيون " . ولو أن الجكومة فتحت مجال الاستثمار في قطاع الاتصالات فقط لانتعش هذا السوق ولعاد بمردود وفائدة للدولة والمواطن معاً .

أما فيما يتعلق باستثمار الموقع الجيوسياسي والبشري لليمن فقد كتبنا مقالا سابقا " نحو إيران در " ملخصه مسك العصا من المنتصف واستغلال صراع القوى الكبرى إيجابيا لمصلحتها . أعتقد بأن هذا النوع من الاستثمار سيغني اليمن عن التسول ويجعلها دولة مهمة في المنطقة بدلا من أن تكون دولة مستجدية وتطلب ود الآخرين. غير أن الوضع الراهن لليمن والفترة الانتقالية التي تمر بها والشخصيات الكرتونية الموكل لها إدارة البلاد كلها أسباب تحول دون تفعيل هذا الاستثمار فهذا النوع من الاستثمار يحتاج إلى قرار وإرادة سياسية ودولة مركزية قوية تحكم سيطرتها على كل أراضيها .

هناك من يكتب ويتحدث عن ظاهرة تسول اليمنيين في الداخل والخارج بوصفها ظاهرة سلبية تسيء لسمعة اليمن حكومة وشعبا ويدعون إلى ضرورة التخلص من هذه الظاهرة متناسين أن ظاهرة التسول لم تعد مرتبطة ببعض الفئات من المواطنين بل أصبحت مهنة ووظيفة تقوم بها حكومات ودول منها اليمن وأن التخلص من ظاهرة تسول هؤلاء المواطنين تبدأ بالتخلص من ظاهرة تسول الدول هذه الظاهرة المسيئة التي لن يخفف من سوءها تغيير المصطلحات أو التسميات من تسول إلى مساعدات .