قصة قصيرة : نجمة في القلب

بديع الآلوسي
2012 / 9 / 6

هذه ليست المرة الأولى التي يسمعونها تردد بثقة : ( أنا لا أبحث عن معنى الحياة ، لكني اعرف إنها صراع ..... )

*******************
في صالة الضيوف كانت ممددة ً ، تحف بها ثلة من النساء ، بعد ان أخذت حمامها الإجباري الأخير ، تطهرت من حيرة التناقض الذي أثقل مخيلتها وأنهكها .
قالت الأم : الآن ، تغفو ملأ جفونها .
جهزنها كما يتوجب ، لحظتها كانت الحناء والقطن والقماش الأبيض والعطر الفرنسي حاضرا ً .
حين حدقن بقنينة الأوكسجين ، بصندوق الأدوية ، هاجت ذاكرتهن ، أجبرن على ذرف دموع بحرقة ، فداحة الموقف جعلت الأم تلطم وجهها كأنها قد فقدت صوابها .
لم تعد تبالي السيدة المحتشمة باحتدام الموقف ، الذي يلهب مخيلة النساء ، اللواتي في تلك اللحظة صار صراخهن يغطي آيات الذكر الكريمات ، صرن يتوسلن ويتضرعن :
ـ آه حقا ً ، أنت ِ عفيفة .. ، اعذرينا إذا ما أسأنا لك يوما ً .
في هذه الصالة علمت صغارها ، كيف نحب الباري ، ولماذا أكرم الناس عند الله اتقاهم .
كان البيت ممتلئ حد الاختناق ، برجال ونساء بمختلف الأعمار ، مكدرين بحزن لا يوصف .
منذ أثنتى عشرة ساعة ‘ هجرت السيدة المحتشمة قارورة الأوكسجين ، وا ستسلمت إلى صوت الشبح الذي عالج الموقف مادا ً لها يده ، هامسا ً :
ـ أتبعيني ، إلا تريدين أن أساعدك كي تتحرري من .....
في هذه المناسبات الكالحة تجف الكلمات وتزداد الحيرة ، في المقبرة وقبل صلاة الغائب بقليل أندهش الجميع حين قال ذلك الرجل الغريب : كانت تقية ، عرفت حدود الله ,,, حقا ً، لم أكن أتصور هذا من رب عادل .

*****************
حين تم إحضار قنينة الأوكسجين قبل أسابيع ، بغتة ً ، خيم الصمت .
عندها تنفست السيدة المحتشمة الصعداء ، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة غامضة . انتقلت الحاوية من يد إلى أخرى ، همهم الجميع بأحاديث شتى ، اتفقوا في نهاية المطاف على ذلك الرأي الشاحب المسكون بالقلق ...
ـ أجل ، من الأفضل أن نلتزم بإعطاء الجرعات عند الضرورة فقط .
تبادل أطفالها الأربعة النظرات الوجلة ، ساورهم خيط رفيع من الأمل :
ـ ستتحسن الحالة ، أليس كذلك ؟ .
أستبدت بالسيدة المحتشمة رغبة في الحديث لكنها إكتفت بسؤال صغير : أتعتقدون إنها مجدية ؟
في هذه اللحظة ، انتاب أمها المتجهمة السريرة ألم عقد لسانها ، فكرت في خلدها : ـ أنت القادر .. أنت رب المُلك ، ماذا سيكون حكمك ، يا سيدي ويا مولاي ، الرأفة بعيالها ....
في ذلك المساء غلبتها أشجان الذكريات التي أفاضت عينيها بالدمع ، لم تستطع تنظيم حواسها على نحو واضح ، أفكار مزعجة تكاد تصرعها ، عادت ،عنوة ً الى تلك المناجاة الخائفة : ربي .. احتاج إلى مساعدتك .
أحست إنها في قعر عالم موصد الأبواب ،انه عالمها الذي آلت إليه ، جلست تنظر الى التلفاز بعينين فقدتا الدعة والطمأنينة ، اختلط في ذهنها صوت الماضي والحاضر والمستقبل أيضا ً ، تأملاتها دخلت مرحلة العطب والاحتباس .
في الأيام الأخيرة ... تعاظم الاضطراب ، أرادت ان لا تقف مكتوفة الأيدي
... لكن الشبح أفسد كل أحلامها الطيبة ، بود اخبرها : لقد جئت اليوم لأحدثك عن الجنة التي لم .... .
لم تعرف ، أتفرح ، ام تنوح على أطفالها . لا أحد يعرف ، لماذا تطيل النظر الى تلك الصورة ، من يدري ، ربما أحالتها إلى يوم زفافها ، حينئذ ، كانت غير مبالية او متخيلة ما يخفي لها الله من ليال ٍ شداد .
سمعت وقع خطا أمها ، انتبهت الى ذاتها . يا له من يوم .. كانتا تتقاطعان النظرات بمحبة ، لقد طردتا الهم ، تغيرت ملامحهن حين عرجن على محنة أيوب الذي لم يفقد الرضا .
لم تتبادل بعدها ، سوى كلمات قليلة مع أمها التي تقوم بواجب الزيارة ككل مساء .
كانتا ترصدان التحولات من زاويتين مختلفتين ، لم يتبادر إلى ذهن الأم ما سيجري ، وإن هذا اللقاء ألحميمي ، سيبقى تتذكره دون سواه طيلة حياتها . خُيل لها للحظات ، إن ملامح ابنتها تشرق وكأنها تخرج من الضباب ، وأن ثمة مسرات ستصلح الموقف من التدهور .
رفعت يدها إلى السماء وشكرت الرب بامتنان ، ثم نهضت ، وقبلت جبين أبنتها ،مرددة ً ثلاث مرات : محروسة بسورة سليمان .
وارتدت عباءتها وانصرفت ، محملة بآخر جملة .
ـ أذهبي وبشري أبي ، أني بحال أفضل .
حدث هذا دون أن تحدس الأم إن وجه الحياة سيكفهر ويدخل الجميع في ذلك النفق ، وتبدأ جولة أخرى بصرخات ، وتابوت ، وشبح يتنمر بالمؤامرات .

********************

الجميع منشغلون بتوطيد إقدامهم بأمل وثقة في أحشاء الحياة ، متجنبين ملامسة ذلك السؤال المحرج الجارح : ( مَن ، كيف ، سيتدبر الأطفال آثار المحنة بعجرفتها ) ؟.
ما كان يستأثر باهتمام الأم قبل أسابيع سوى طرد الوحشة عن عيون أبنتها ، التي تزداد ذبولا ً يوم بعد أخر .
قالت في خلدها : ماذا ينبغي أن افعل ؟ ما النصيحة التي تجعلها تتحمل الحياة بخيرها وشرها ؟ .
إستيقضت دموع العبرات لديها ، قامت واحتضنت السيدة المحتشمة ، عسى أن تخفف عنها ذلك الشر الخبيث الذي يقتل الرغبات .
قالت أخيرا ً: ماذا يدور في بالك ؟
هذا التساؤل البسيط ، المعقد ، المفاجئ ، أوحى لها بسطوة الخطر الذي يداهمها من كل صوب وحدب .
أغمضت عينيها بقوة ، كي لا ترى الشبح الذي يجذبها من شعرها حتى بلاط الحمام .
بألم وإحراج قالت : عفوا ، يا أمي ، أني بحاجة إلى الراحة .
نظرت إلى وجه أمها الذي حاصرته كآبة مصحوبة بلسعة خوف . كان الأمر صعبا ً على الأم وهي تلاحظ علامات نوبة الاختناق تلوح على وجه أبنتها ، والتي لفها دوار خفيف مصحوب بمرارة تجهل مصدرها ، دوار لا يغفر لكنه أمرٌ واقعي. رددت السيدة المحتشمة كلمة الأوكسجين ثلاث مرات ، قبل أن تبدو غائبة وهي تحدق بالصورة .....

**********************

قبل عام ، لم تتوقع السيدة المحتشمة أبداً ، إنها ستفقد شجاعتها ، بالرغم من مخاوفها ، لكنها كانت تحاول مسايرة مرضها الذي كان يعاملها بقسوة مفرطة .
كل شيء كأن يبدو اقل عطاء ً وبسلام هش ، كما أن ليس ثمة من أمل أو أدعية قديمه تطرد عنها الخوف ، أو تساعدها على تجاوز محنة الكآبة الغامضة التي تهددها ،
تجمعت غيوم الخواطر لتنكمش وتتمخض عن سؤال معاتب يكرر نفسه :
ـ ماذا فعلت من إثم كي أسُلم إلى براثن قدر مجهول ؟.
كانت تطرد هذا التساؤل ، فيتلاشى ومن ثم يلوح من جديد في روحها المتعبة . حاولت ، وحاولت ، عدم الاعتراض على حكم الله وقضائه .
في عزلتها ليلا ً .. كانت تفكر بزوجها ، لو كان حيا ً، لتدبر الأمر وخفف عن كاهلها هذه الحوارات العقيمة ، والتي تنغرس كالأشواك في قلبها .
وقبل أن تغمض عينيها رأته يبتسم لها ويسأل : إلى أين تريدين أن تنهزمي يا .....
بالنسبة لها ، الأشهر الثلاثة الأخيرة ،بالرغم أسئلتها لكنها تعلمت أن تنظرالى الحياة من زاوية أخرى ، كانوا يستفسرون منها عن سبب شرودها ، لم يعلموا أنها أدارت وجهها عن تفاصيل المسرات ، ولم تعد تصغي او تبدي أي نصح او لوم ، وان كل ظلال الدنيا لا تخصها لا من قريب او بعيد ، شعور بالحرج يكابدها مع تزايد الموقف سوءا ً،
أتمت مناجاة الرب ، ولم تطلب منه سوى أن لا يتركها لمخالب الشبح.
الجميع يتخيلون حجم الكارثة التي تتعاظم شيئا ً فشيئا ً، لكنهم لم يظنوا إن المفاجأة ستباغتهم على عجل ، وسترشقهم بوابل من الإرباك .

********************

في الأسابيع الثلاثة الأخيرة لم يتركوها أبدا ً لوحدها، وهي تحدق بالصورة التي تعلقت بها ، كانت عيناها تجحظ نائية ً إلى عوالم أخرى ، كانت تدرك في قرارة نفسها إن عليها أن تستعد للرحيل .
سَلَم ً الجميع بقضاء الله العصي عن التفسير ، اجل ، هم أيضا ً غرقوا في الوحول التي تكرر نفسها على شكل إفرازات مفجعة ، مقرفة .
انتهى الأمر أخيرا بالسيدة المحتشمة ، أن تقتنع بأن قارورة الأوكسجين ، تطرد النحس لبعض الوقت عن روحها ، رافق كل ذلك اختفاء مظاهر الغيض عن وجهها، وحلت بدل الدهشة اليقظة .
كادت لا تصدق إنها تزوجت وأنجبت وسترحل قبل الأربعين من عمرها .
في ذلك المساء الذي تخلفت فيه الأم عن زيارتها ، لا أحد يخمن ما يدور في خلدها بالضبط ، ربما إن الشبح قد غلبها ، كانت لحظاتواقع ٍ جلل لم يعرفوا كيف تَحَمَل َقلبها الوديع ذلك المنعطف العظيم .
ارتبكت على نحو مؤقت أمام عينيها خمره الأيمان بفراغ الظلمات ، لكن صوتا ً أتاها من بعيد ، ينفض عنها غبار الشقاء : الله يحبك يا مجنونه .

******************

استسلم الجميع إلى تلك المعانات التي تركت آثارها في المكان و المخيلة ، كانت ردود الفعل تسير بعسر ، الشعور بالعجز لم يرأف بهم ، تساءلوا متحسرين : ماذا دهانا ، يتوجب فعل إي شيء ...؟
قبل سنتين ، كان ثمة بصيص أمل منهك يساور السيدة المحتشمة ، لذلك كانت تحاول ان تتجنب تعكير مزاجها بذلك المشهد الذي يطاردها كاللعنة .( في ذلك الصيف ، أعترضهم رجال ملثمون وقطعوا عليهم طريق الرحلة ، وقبل أن يولوا هاربين ، تركوا زوجها مجندلا ً بدمه في ذلك الطريق الصحراوي ، حينها أحست إن هذا الأمر المروع ، كسر ظهرها ، لكنها لم تع ِ إن الشبح سيطاردها بعد عشر سنوات .
حين رأوا الحزن يزداد وطأة ً على أختهم ، عادوا بوجوههم الكالحة لتفحص ما تملكهم من دهشة ، تجاذبوا أطراف الحديث ، تفشت الحيرة في نفوسهم وتطلعوا الى السماء ، قال احدهم : إنها قامت بواجبها على أكمل وجه ... هل تعرف السماء ما عليها فعله .
في أزمنة الحصار الصعبة ، وبينما الحياة تسير برتابتها ، لم تتزعزع ، واجهت بمفردها سوط الأيام العجاف ، وكانت تردد :
ـ رحمة الرحيم واسعة . المهم الصحة والستر .
ابتسمت لها الأم مؤكدة ً :لا تخشي شيئا ً..الواحد الأحد لا يتخلى عن ..... .

******************

كانت تحاول السيدة المحتشمة أن تثبت للحياة إنها أم شجاعة ..لكن الفحص الطبي قض مضجعها وأحدث كوة ً في روحها وقلب المعادلة .
قال الطبيب : نعم بالتأكيد ،يجب إستأصال الورم ، على وجه السرعة .
بالرغم من تحاشيها الحديث عن آثار الماضي ، لكن الجميع احتفظوا بالصدمة ، التي استحوذت على تجاعيد حسها المرهف .
لم تعد تستوعب السيدة المحتشمة ، المسكونة بموهبة الإصغاء ، والوقار والرقة ، انهيال الأحداث عليها ، رغم تملكها بتلك الدهشة ، لكنها حين كانت تلتقي بأمها ، كانت تكظم وبقوة إحساسات التعسف التي تنتابها ، و شاطرت أمها الاعتقاد ، بصوت رزين : .
ـ إن ثمة بشرا ً يعانون ظلما ً أكثر حيفا ً .
ـ هذا صحيح ، نصلي جميعا ً ، كي تستعيدي عافيتك .
ـ المهم .. إني سعيدة برؤيتك .
قالت بنبرة آمرة : لا تشغلي بالك ، فإن الهم قَتال صاحبه .
ابتسمت كعادتها : سآتي يوم غد بعد صلاة المغرب. ،
لكن بعد ذلك ، صار الحال غير الحال ً ، وجفلت ، حين أمسك بيدها الشبح وضغطها ، انثالت دموعها، عندئذ ، أصابها وهن الدوار ، صار من المتعذر ان تفي بوعدها . إكتفت بأخذ قيلولة طويلة ، أحتضنها أطفالها الأربعة وأجهشوا متسائلين :
ـ لا تبكي يا ماما .. أليس الله رحيم كما يقول الجميع .
في اليوم التالي ، تشجعت وابتسمت حين التقت بأخيها الذي تنتظره ، عندها كانت فرحة وهي تتطلع بوجهه الذي تغير بعد فراق دام عشرين عاما ُ ، لتسأله بلهجة تلقائية :
ـ لماذا لم تأت ِ بطفلك لنراه ؟.
ـ في المرة القادمة .. أعدك بذلك .
ـ هل حقا ً س ........؟ .

********************

استمرهبوب عواصف الغبار ، كان الشبح بخفة يقترب منها ويبتعد، أهاج ذاكرتها ، جاهدت للتملص منه ، في النهاية ، وعندما انفلتت من شباكه توجهت الى أختها ، متيقنة من تلك الحقيقة البديهية ، قالت بهمس :
ـ إمنحيني بعض الوقت لأقول لك ماذا يعني الموت .
بعد الانتهاء من صلاتها ، هزت خلوتها قشعريرة باردة ، تمعنت في ما ينتابها ، شعرت إنها تجتر غرائز كئيبة تعزم على خنقها ،
داهمها الظمأ الشديد ،هي الآن بأمس الحاجة الى ذلك الهواء الخصب ، أشارت بيدها إلى قارورة الأوكسجين .
قالوا بوجل :هل أنت بخير .
بصوت واهن : نعم ، نعم ، يريد الله امتحاني .
كانت حاوية الأوكسجين ، في كل مرة تُصلح ولو على نحو مؤقت ارتباك الموقف ، هذا هو حال السيدة المحتشمة ، كانت حاضرة ً غائبة ، لا أحد يعرف ، هل هي تبالي بملاطفات الآخرين ،الذين لم يبخلوا بعواطفهم ، لإعادة الهدوء إلى روحها المنهكة .
في ذلك المساء ، الذي تخلفت فيه الأم عن زيارتها ، تحولت إلى طفلة بريئة ومطيعة متجلدة َ بالصبر ، تعرف الآن أكثر من ما مضى ، إنها بلا خيارات سوى تتبع خطوات الشبح، الذي سرها بالرحيل . لم تترك في أذهانهم سوى سؤالها الغامض: لماذا يارحيم ... ؟ .
لم يعد لها الآن وقتا ً كافيا ً او عزيمة للتمحيص بما يخفيه الغيب ، وكيف ستؤول الأمور ، عاودت النظر الى الصورة وقالت : هل من أمل ؟.
قالوا : ماذا ؟ .
انتظرت طويلا ً قبل أن ترد عليهم : أني أحبكم كثيرا ً .
بدا عليها الاعياء بعد الظهر ، وألقى بظلاله على مخيلتهم ، إنذهلوا ،تطلعت اليهم بنظرتها المرتبكة ، المرتجفة ، جملتها الأخيرة ، أستقبلها الجميع كنذير شؤم .
قالت بنبرة متضايقة :
ـ لا ترفعوا كمامة الأوكسجين .
مرت الدقائق بطيئة ًعلى نحو لا يصدق ، لم يعرفوا ما يفعلون ،استدعي الطبيب ، عسى ان يسهم بإعادة الأمور إلى عهدها السابق ، لكنه اكتفى بالقول وبحياد : عليكم.
ـ عليكم نقلها إلى العناية المركزة حالا

***********************


ما يجري للجميع كئيب ، مرير، لم يستطيعوا الفكاك منه او تجاوزه ،كانت السيدة المحتشمة منذهلة لكنها تخلت عن النظر إلى السماء ، أرادوا أن تبقى بينهم ، لكنها كانت تبتعد وتبتعد، هكذا فقد الحلم الضروري نكهته الطيبة ، وكبحت مشاعر الحاضرين عنوة ً ، ذلك لأن الشبح أجهضهم بالحيرة الفظة وبإصرار.
وسط هذا الفيض من الإرباك ، تدبروا الأمر على عجل .
جرجرت السيدة المحتشمة خطواتها المتعثرة ، كان وجهها شاحبا ً جميلا ً كما عرفوه .
وكان لجسدها حضور غريب هذه المرة داخل السيارة ، مضت دون أن تنظر الى حديقتها المهملة ، بلا أن تعانق أطفالها او تواسيهم بأي كلمة ، خُيل لها إن الشبح يستقل السيارة ، هذا الهاجس أدهشها بالجزع المخيف .
قالوا : نعم ، نعم ، حتما ً ستعود .
الجميع دخلت مشاعرهم من تعاسة الى أخرى تساءلوا :
ـ يا إلاهي ، من يُجرؤ أن يبلغ الأم .
عند المساء ،صدفة ً عرفت الأم بالنبأ ، تحنط وجهها ، وتجعد ، هكذا انفجرت تولول ، وتصرخ معلنة ًعن رابطتها المذهلة مع أبنتها .
مرددة ً : خذوني معكم ، إنها تنتظرني يا سفلة ...
نعم ، كانوا حمقى ، قتلهم الحياء ، لم يسمح ُ للأم ان تطلق صرخة الوداع المدوية والضرورية .
طال اجتماعهم حتى أواخر الليل ، قالوا : لا شيء ممكن ، كل شيء ممكن .
في منتصف الليل ، تركت السيدة المحتشمة أحلامها ،مشاعرها الممتلئة في صالة الأشفاء ، لم يعد لها حاجة لتدفقات الهواء الصناعي بعد أن دعاها الشبح لرقصة خاصة جدا ً.
تكتموا على الخبر ،، لم تعرف النساء شيئا ًحتى أنبلج صباح جديد .
عادوا بالجسد المسجى ووضعوه أمام الصورة ، كان البدن خفيفا ً بعد أن نفض عن كاهله غبار الكوابيس والمكائد ، وعنف الوحشة والاضراب .
سبع ليال ِ ، وروح السيدة المحتشمة لم تبرح البيت ،ظلت تطوف من غرفة الى أخرى ، روح مبتسمة تردد الفكرة بإيقاعات مختلفة : ( كابوس يشبه الحلم، حلم يشبه الكابوس ،كابوس وحلم يمتصان من البلاهة معنى متشابها ً...

*******************

في ذلك المساء ، رأى الجميع في كبد السماء نجمة ناصعة غريبة .قلت بعد ان استبدت بي الدهشة :
ـ ياللهول ..من ذا الذي يصدق ، إن هذه النجمة المتألقة ، ليست سوى أختنا التي دخلت ملكوت السماء ، رغم انها تسكن شغاف القلب !.

آب / 2011