عملقة الأقزام - مسلسل التشهير والتكفير اليمني

رياض حمادي
2012 / 8 / 17

كبسولة : العلمانية تهمة نظيفة شريفة مشرفة لو علم المتهِم والمتهَم بماهية العلمانية وجوهرها .
***
يدور هذه الأيام – على قناة الواقع اليمني – مسلسل واقعي تراجيكوميدي هزيل ومتكلف,عنوانه القذف والتشهير والتكفير. والمسلسل نسخة تقليدية مقلدة عن مسلسل مصري واقعي قديم متجدد أبطاله طه حسين , محمد أحمد خلف الله , نجيب محفوظ , نصر حامد أبو زيد وغيرهم من جهة , وسيد قطب وإخوانه وجماعات التكفير والقذف والهجرة من جهة أخرى .
يلعب دور البطولة في النسخة اليمنية كل من بشرى المقطري وسامية الأغبري كطرف أول ورداد السلامي وإخوانه وجماعات القذف والتشهير والتكفير كطرف آخر .هؤلاء الأبطال شغلوا الدنيا اليمنية بأسمائهم لا بأعمالهم , فلا رابط يجمعهم بأبطال المسلسل المصري سوى رابط التشهير والتكفير .

رداد السلامي وإخوانه ,قصار القامة , يحاولون تقمص شخصية سيد قطب ويعتقدون بأن مجرد السب والشتم والتكفير , أو الدفاع عن الذات الإلهية الجريحة , سيجعلهم يقفون على قدم المساواة مع سيد قطب مثلا , وينسون أو يتناسون بأن قطب شغل الدنيا بأعماله الأدبية وبتفكيره في مطلع حياته قبل أن يشغلهم بتكفيره في أواخرها. وله في المحصلة النهائية " في ظلال القرآن " وغيرها من الكتب . هؤلاء الأبطال يفقهون جانب من حياة سيد قطب هو سيد قطب الشيخ أو الشيخ سيد قطب وغاب عنهم تجربة مهمة من حيات الشاب سيد قطب المفعمة بالروح المتمردة على التقاليد والخارجة على المألوف والتي وصلت إلى حد الدعوة إلى الإباحية . كما غابت عن أبطال مسلسل التكفير اليمني , الذين يدَّعون انتماءهم لمدرسة حسن البنا , رد فعل هذا الأخير, تجاه تلك الروح المتمردة للشاب سيد قطب حين منع تلامذته من الرد عليه على صفحات الصحف والمجلات وقتها وفضل الصمت لا لأنه كان ينظر في الغيب لمستقبل قطب الإخواني ولكن عملا بأسلوب الداعية الواعي الملتزم بأصول الدعوة القائمة على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن , وإيمانا منه بأن أي رد سيكون بمثابة صب مزيد من الزيت في النار التي يشعلها سيد قطب الشاب وبأن السكوت في أحيان كثيرة يكون أبلغ من الكلام .

بشرى المقطري وسامية الأغبري لا تحاولان تقمص دور طه حسين أو نصر أبو زيد , لكنهما – وخلافا لهذين الأخيرين - تبدوان سعيدتان بمسلسل القذف والتشهير والتكفير – مع أنهما تصرحان بالعكس – فهما ومجموعة الأصدقاء والصديقات نشطاء على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في نشر اللينكات والصور والتعليقات والمفردات التي تعيد تذكيرنا بنوع التكفير والسب والشتم والقذف البذيء الذي تتعرضان له من قبل هؤلاء " العاهات " على حد تعبيرهن .

سبب سعادة البطلتين بهذا المسلسل ربما يرجع إلى حب الظهور والرغبة في المزيد من الشهرة والتواجد, فهما لم تؤلفا " في الشعر الجاهلي " أو " نقد الخطاب الديني " وغيرها من الكتب العظيمة التي ألفها أبطال المسلسل المصري العمالقة . وطالما أنه ليس في تاريخهما مثل هذه الكتب لتشغل بالهن وبالهم فلا ضير من شغل ألسنة الناس وأسماعهم بمثل هذا المسلسل الرتيب والمتكلف وهو مسلسل يصب في الأخير في نهر أسماه نعوم تشومسكي باستراتيجيا الإلهاء , إلهاء الناس بقضايا هامشية تافهة كي لا يجدون الوقت الكافي للتفكير في قضاياهم المركزية الرئيسية المهمة . هذا لا يعني أن مشكلة التكفير ليست مهمة لكن ليست هذه طريقة مناسبة لعلاجها أو للحد منها فالتكفير يسود عند غياب التفكير وهذه قضية يطول تحليلها , وتفصيلها في كتاب " التفكير في عصر التكفير " لنصر حامد أبو زيد وغيرها من الكتب.

لعلني هنا أخرج قليلا عن مدرسة حسن البنا الدعوية سالفة الذكر - فلم انتمي لها يوماً – لأرد على أبطال مسلسل القذف والتكفير اليمني – قصار القامة – من الطرفين بالقول للطرف المكفِّر أن :

السب والقذف والتكفير رسالة للطرف الآخر بأن يلزم موقعه ويزداد " كفراً " وعتوا . وهي رسالة أو رغبة – ربما تكون دفينة أو لا شعورية – في بقاء الطرف الآخر أو التزامه بخطه أو بمساره الفكري . بمعنى آخر هي دعوة ممن يعتقد بأنه يمثل الطريق الصحيح للطرف الآخر بعدم العودة لهذا الطريق . وهي رسالة لا شعورية مفادها بأن الطريق الصحيح شرف لا تستحقونه ونحن الوحيدين من يمتلك شرف تمثيله والتحدث باسمه .

وأقول للطرف المقذوف والمكفَّر ( بفتح وتشديد الفاء ) بأن :
الرد على القذف والتكفير بإعادة إنتاج أو ترديد ألفاظ القاذفين المكفرين – الذين يتخذ بعضهم أسماء مستعارة – ونشرها على نطاق واسع , رسالة لهؤلاء النكرة تعطيهم أهمية ومكانة لا يستحقونها . وهو نوع من عملقة الأقزام من الطرفين ,تجعلنا نعتقد ونفكر بأنها لعبة يستسيغها الطرفين أو اتفاق غير معلن أو مخطط له من قبل طرفي القضية , إلا إذا كان المقصود الآخر مد أمد حلقات المسلسل لتناسب عدد أيام الشهر الفضيل . والخوف أن تمتد هذه الحلقات جزءً ثانياً أو ثالثا على غرار المسلسلات التركية والمكسيكية لتزداد رتابة على رتابتها .

وللطرفين أقول :
انشغلوا أو أشغلوا أوقاتكم بالإبداع أو على الأقل بالقراءة بدل أن تشغلوها – وتشغلوا أوقات الآخرين – بالأمور الفارغة . وبالفصيح :
بدري عليكم مسلسل القذف والتكفير فما زلتم في أوج شبابكم , فهذا المسلسل أنتجه قطاع الإنتاج المصري لأبطال بلغوا سن الرشد والنضج والأهم من ذلك أن في تاريخهم الفكري ما يدعوا الطرف الآخر لتكفيرهم .