الترجمة والعولمة في سياق التواصل الثقافي

عمر عتيق
2012 / 8 / 15

تقتضي علاقة الترجمة بالعولمة أن نعاين مفهوم العولمة بما يتفق مع ماهية الدراسة ، إذ إن الترجمة تنهض بأبجديات التواصل الثقافي الكوني وتحافظ على الخصوصية الثقافية بكل أطيافها الفلكلورية والوطنية والدينية ، بل إن الترجمة تشكل (( حافزا للإبداع الحضاري )) (1) أما العولمة فهي تحقق التواصل الثقافي الكوني ولكنها لا تضمن الحفاظ على الخصوصية الثقافية على اعتبار أنها تسعى إلى توحيد المفاهيم والقيم وإلغاء التمايز والتفرد والتعدد في السياق الثقافي العالمي ، وما يشجع على معاينة مفهوم العولمة أن الخطاب الثقافي قد توزع بين مؤيد يرى أن العولمة(( لا تهدد الهوية أو الهويات الثقافية بالفناء أو التذويب بل تعيد تشكيلها أو تطويرها للتكيف مع العصر)) (2) أو هي إكساب الشيء طابع العالمية, وما يشترك فيه كل الناس باعتباره مشكلا من أشكال توحد العالم المفضي إلى سعادة البشر (3) ومعارض يرى أن العولمة تفضي إلى (( الاستلاب الثقافي وتدمير الهوية الوطنية وأنبياء العولمة وفلاسفتها لا يكنّون سوى الاحتقار للثقافات الأخرى غير الغربية وهم يصفونها بأنها مناقضة للتقدم وللعلم)) (4)
وأمام ازدواجية الرؤية للعولمة فإن الدراسة تميل إلى العولمة ما دامت قناة تواصل توفر التقنيات الحديثة وتلغي المسافات والحدود الجغرافية وتختصر الزمن ، وفي الوقت ذاته تعزف الدراسة عن العولمة في حالة المساس بالخصوصية والتعددية الثقافية وتشويه العلاقة الحضارية بين الأنا والآخر ، ولا يخفى أن هذا المساس والتشويه يتنافى مع الغاية من الترجمة التي تفضي إلى إبراز التعددية اللغوية التي تنطوي على الخصوصية الثقافية ، وتحقيق الاحترام المتبادل بين الأنا والآخر، وذلك ((أن التقريب فيما بين اللغات الذي تتوخاه الترجمة هو، في الوقت ذاته إبعاد، وأن الترجمة، إذ توحد بين اللغات، تعمل بالفعل ذاته على خلق الاختلاف بينهما وإذكاء حدته، فليست الترجمة خلقا للقرابة فحسب، وإنما هي أيضا تكريس للغرابة. إنها ليست وصلا فحسب، وإنما هي انفصال وابتعاد، إنها تقريب الذات من الآخر، لكنها أيضا فصل بينهما، فالمسافة بين الذات والآخر لا يمكن أن تلغى نهائيا، إذ إنها لو ألغيت لما ظل هناك لا أنا ولا الآخر)) (5) وتشكل نتائج العولمة تحديا للعولمة التي تسعى إلى إذابة الخصوصية اللغوية والثقافية . وعليه فإن موقف الدراسة من العولمة ينسجم مع مقتضيات الترجمة من جهة ، ويندغم مع العلاقة التي ينبغي أن تؤسس عليها علاقة الترجمة بالعولمة .
وينبغي ألا يبهرنا بريق العولمة فنضحي برسالة الترجمة ، ولسنا بحاجة لمن ينصحنا بالمسارعة في ركوب قطار العولمة، قبل أن يتركنا في محطاتِ التخلف.. فنحنُ على استعداد لركوب هذا القطار، لكن كركابٍ بشر، يحملون هوياتهم، وجوازات سفرهم، وأشياءهم الخاصة، ويعرفون وجهةَ سفرهم.. لا أن يُحْمَلُوا إليه كالسوائم والأنعام (6)
الترجمة ميدان سباق بين مؤيدي ومعارضي العولمة
يجسد النص المترجم مناظرة فكرية بين المترجمين؛ فمؤيدو العولمة يحرصون على ترجمة النصوص التي تنسجم مع الفضاء الثقافي والاجتماعي لمنظومتهم الفكرية ، ومعارضو العولمة يحرصون على ترجمة النصوص الممانعة لفضاء العولمة ، وتتوزع إنجازات الفريق الأول ( المؤيدون ) على جهود فردية وأخرى منظمة ؛ وقد يكون سبب اختيار الترجمة نابعا من التكوين الأيدلوجي للمترجم الذي يرى أن آفاق العولمة هي العصا السحرية لإعادة صياغة البناء التحتي بهدف إعادة إنتاج البناء الفوقي للمجتمع العربي ! ومن العسير أن يسلم هذا النمط من الاختيار من إسقاطات فكرية معلنة ومضمرة ؛ لأن التكوين الأيدلوجي للمترجم يتحكم في النسيج اللغوي حينما ينتقل النص من لغة المصدر إلى لغة الهدف .
وقد يكون اختيار النص المترجم مرتبطا بأجندة سياسية فكرية لمؤسسة من مؤسسات العولمة نحو دور النشر والجمعيات والروابط والاتحادات والمنظمات غير الحكومية التي تسعى إلى تسويق الخطاب الثقافي للعولمة ، وتعمد هذه المنظومة إلى ترجمة أكثر النصوص تأثيرا وإثارة في سياق سياسي فكري مناسب ، وتحرص قبل الشروع بالترجمة على رصد المعطيات الفكرية لمجتمع ما ومتابعتها، والوقوف على الجوانب الفكرية القابلة للتغيير ليكون النص المترجم متناغما مع تلك المعطيات والمتغيرات. وينبه بعض الباحثين إلى خطورة دور المنظمات غير الحكومية التي توازي اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً أدوار الشركات عابرة القارات والجنسيات والقوميات، أي أنها عابرة لحدود الدولة أو الأمة، ويتضاعف تأثيرها أمام المؤسسات التقليدية للمجتمع المدني أو المؤسسات الحديثة المحكومة بوضعية الدولة والأمة نفسها في الممارسة السياسية والاجتماعية والإنسانية، ولا يخفى أن المنظمات غير الحكومية تتمتع باستقلالية ما مستورة أو علنية، وقد حذت حذوها، وسارت في ركابها منظمات أهلية ومدنية كثيرة جاوزت في انتمائها الالتزام بالدولة أو الأمة، وغالباً ما تعمل هذه المؤسسات غير الحكومية على معارضة سياسات الدولة أو الأمة بقصد التغيير أو الإصلاح أو التطوير فيما ينسجم مع عناصر الهوية القومية أو لا ينسجم في مجرد إثارته أو توقيت إثارته أو مواءمته لعمليات إنتاج المجتمع . (7)
وقد تلجأ إلى إثارة خطاب ثقافي ما ، وتسويقه عبر وسائل إعلامية ليكون تمهيدا لتلقي النص المترجم ، وبهذا تسير منهجية الترجمة لمؤسسات العولمة في مسارين متكاملين ؛ مسار يتعاطى مع واقع ثقافي قابل للاختراق والتأثير والتغيير في بنيته الدينية والاجتماعية والفكرية سواء في مركز البنية أو في هامشها، وفي هذا المسار يجد النص المترجم استجابة وقبولا في حالة تراخي أسس البناء الثقافي الذاتي . ومسار يحاول خلق واقع ثقافي مغاير للبناء الثقافي الذاتي عبر التشكيك في ثوابت البناء التحتي ، وتهميش مقومات البناء الفوقي بأشكاله الثقافية والفكرية.
وينبغي أن ننوه إلى أن العولمة تجد طريقها في مجتمعات مفرَّغة من الأصالة والجذور التاريخيّة؛ لأنَّ المخزون الثقافي لهذه المجموعات ضحلٌ، ولا يمكنه تسخير الفكر العالمي لمصلحته القومية، بالتفاعل الصحيح في مختبرات وطنية سليمة من الشوائب والتشويش.(8)
أما جهود الفريق الثاني ( المعارضون ) فهي متفقة مع جهود الفريق الأول في شكلها ، ومختلفة في أدائها ، أما الاتفاق فيتمثل بأنها جهود فردية ومنظمة ، فقد يكون سبب اختيار النص المترجم على المستوى الفردي نابعا من التكوين الأيدلوجي للمترجم الذي يسعى إلى صد رياح التغريب بوساطة استنهاض المخزون التراثي، وشحذ مقومات الأصالة للأنا ، فيعمد إلى ترجمة نصوص مختارة تجسد جانبا من البناء الثقافي تراثا وأصالة ، وذلك أسوة بأمهات الكتب العربية التي ترجمت إلى لغات عالمية وأضحت من معالم الثقافة الكونية ،وربما لا يجدي عبق التراث والأصالة في مواجهة بريق العولمة ، فيعمد إلى المزاوجة بين ثوابت الأصالة واستحقاقات المعاصرة من خلال إنشاء نص مترجم يعتمد على الاقتباس والإبداع ، فيقتبس إشراقات تراثية ، ويضيف إليها إبداعا يندغم مع روح المعاصرة .
وقد يكون اختيار النص المترجم من قبل المعارضين للعولمة مرتبطا برؤى فكرية تتبناها المؤسسات والجمعيات التي نذرت جهودها للتصدي لإفرازات العولمة لإفراغ محتوى دعواتها ، وأزعم أن جهودها مقصورة على مواجهة ما يطفو على سطح خطاب العولمة وما يبرز تداوله في وسائل الإعلام أو ما يتجلى من ممارسات وسلوكيات تتحدى منظومة القيم للمجتمع ، فجهودها دفاعية وليست وقائية بمعنى أنها لا توجه خطابا استباقيا لما يمكن أن يحدث ، فهي تتعامل مع الوقائع لا مع المتوقع ! وهذا هو الفرق في الأداء بين الجهود المنظمة لأنصار العولمة والجهود المنظمة لرافضي العولمة الذين يسخرون النص المترجم الهجومي الذي يثير سكينة منظومة القيم المتواضع عليها ويسعى إلى إحداث تشكيك وتغريب في الفضاء الثقافي للمجتمع ، وأما معارضوها فينتظرون وصول أمواج العولمة ليشرعوا بالتعامل مع تجلياتها .
وما دامت مخاطر العولمة لا تمس أفرادا ومؤسسات فحسب ، وإنما تقع مخاطرها على البناء الثقافي للمجتمع فإن مشروع الترجمة الممانع للعولمة ينبغي أن يتجاوز الجهود الفردية والمنظمة التي أشرنا إليها ليصبح مشروعا رسميا تتبناه الدول وفق خطط مدروسة تشمل الأفراد والمؤسسات ، وما يعزز هذا التوجه أن أبواق العولمة تصدح من قاعات رسمية تمثل سياسات عليا للدول التي تتموضع في خنادق العولمة .
تحديات الترجمة في سياق العولمة
تحديات المصطلح المترجم والحاجة إلى المترجم المتخصص
ينجم عن المنظومات الثقافية والعلمية سيل من المصطلحات في شتى مناحي الحياة ، ويشكل هذا السيل المتدفق تحديا لحركة الترجمة من حيث القدرة على مواكبة التسارع من خلال تغطية المصطلحات الوافدة عبر تيارات العولمة ثقافيا وعلميا ، والكفاءة في إيجاد المصطلح المكافئ أو المناظر للمصطلح الوافد . وهو ليس لفظا قادما من لغة مصدر إلى لغة هدف فحسب ، بل إن المصطلح يحمل في حناياه جينات ثقافية مستمدة من الوسط الثقافي الذي أنجبه من جهة ، ويحمل أبعادا فكرية مستمدة من المرجعية الفكرية التي سعت إلى صنعه وفق أهداف عليا مضمرة .
وما دام المصطلح المترجم ليس بريئا من مرجعيات فكرية وارتباطات ثقافية فإن أبرز التحديات التي تواجه المترجم في سياق العولمة هي التخصص الذي يضمن كشف القناع الثقافي للمصطلح المترجم ، ولا يمكن أن يتحقق هذا الضمان من خلال قدرة المترجم على خلق علاقة لغوية تناظرية بين المصطلح الوافد وما يناظره في لغة الهدف ، لأن التناظر اللغوي يقتصر على البنية اللغوية السطحية ولا يصل إلى البنية اللغوية العميقة التي تحوي الأبعاد الفكرية والثقافية للمصطلح المترجم .
ولا يسعفنا حيز الدراسة لرصد المستوى الكمي للمصطلحات المترجمة التي يحمل بعضها جينات ثقافية غريبة عن الجسم الثقافي الوطني والقومي ، وينطوي بعضها الآخر على تحديات ثقافية في غاية الخطورة ؛ لأن هذا الرصد يحتاج إلى لقاء خاص يبحث تأثير المصطلح المترجم على المنظومة الثقافية ، لهذا نقتصر على التمثيل بهدف إضاءة فكرة الحاجة إلى إيجاد المترجم المتخصص الذي يتجاوز دوره نقل المصطلح من لغة الهدف إلى لغة المصدر .
من أكثر المصطلحات المترجمة التي تجمع بين البعدين السياسي والديني ، مصطلح الإرهاب الذي يصك أسماعنا عبر وسائل الإعلام ، وقد أضحى المصطلح مألوفا في الخطاب المسموع والمقروء ،وكثير من مستخدمي هذا المصطلح يفوتهم أن مصطلح ( الإرهاب ) مشبع بالأبعاد الفكرية والثقافية التي تسعى العولمة إلى تسويقها وترسيخها ، ويتناسى مستخدمو مصطلح الإرهاب أن الجذر اللغوي ( رهب ) لم يرد في معاجم اللغة العربية وفق المعنى الذي يسوقه منظرو العولمة ، و قد ورد في القرآن الكريم في اثني عشر موضعا (9) ولا تتوافق دلالته في أي موضع منها مع الدلالة التي يسوقها الإعلام الغربي عامة والأمريكي خاصة . إن ورود المادة اللغوية لمصطلح الإرهاب في القرآن الكريم – كما أشرنا – وخلو بطون المعاجم من دلالته الشائعة يحتمان علينا رفض استخدام المصطلح في حقله الدلالي الذي يصر عليه مروجو العولمة ؛ لأنه ينطوي على مخاطر من شأنها أن تشوه الخطاب الثقافي العقائدي كما أن ((القول بأن التعبير المقابل لتعبير (تروريزم TERRORISM)الذي تنادي شعوب الغرب وغيرها بمحاربته ومطاردته في عقر ديار من يتعاطونه، هو مصطلح(الإرهاب...!) إنما يعني إعطاء الضوء الأخضر للانقضاض على من تحوي ثقافتهم الموروثة هذا التعبير في عقر ديارهم بغية استئصاله من مصادر لغتهم وثقافتهم وحملهم على التوقف عن استعماله باعتباره جرمًا دوليًّا اصطلحت الدول كبيرها وصغيرها على محاربته واجتثاثه من أساليب تعبيرها ومصادر تراثها الديني والثقافي. (10)
إن تعارض دلالة مصطلح الإرهاب التي يشيعها مروجو العولمة مع الدلالة اللغوية والعقائدية للمصطلح ذاته تقتضي أن يكون المترجم متخصصا في المعاجم وعلم التفسير ؛ لأن غياب التخصص يسمح بتسرب المصطلحات التي تتعارض مع البنية اللغوية والعقائدية ، وإذا كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الإضاءة فإننا نجزم بالقول : إن المهارة اللغوية وحدها لا تؤهل المترجم في سياق التحديات الثقافية للعولمة .
وعطفا على ما تقدم ، كيف يمكن أن نتساهل مع غياب فكرة التخصص في الترجمة أمام مصطلح الشرق الأوسط أو الشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الجديد ؟ ذلك الشرق الذي تسعى سياسة العولمة إلى إيجاده بهدف خلق وسط جغرافي ومناخ ثقافي يجعل من ( إسرائيل ) كيانا شرعيا متجانسا مع محيطه الجغرافي . كيف يمكن للمترجم أن يتعاطى مع هذا المصطلح بكل تشكيلاته اللغوية إذا لم يعاين أبعاده السياسية ؟ والخطورة في هذا المصطلح المترجم في أن ((الوجود الحقيقي لهويات متعددة تفسح المجال لهوية نشاز أن تقع على قدم المساواة مع الهوية العربية- أو مع الهويات القطرية أو الإقليمية.... يتفق منطق كهذا مع من أراده أن يبرز في مشروع الشرق الأوسط الجديد حين دعا إلى ثورة في المفاهيم لتحقيق مشروعه. وما الثورة بالمفاهيم إلا الإتيان على مفاهيم الأمة العربية والوحدة العربية والثقافة العربية وتأكيد النشاز التاريخي "لإسرائيل)) (11)



التغير التدريجي للمصطلح المترجم
ومن التحديات التي ينبغي أن تعالجها الترجمة في ظل العولمة التغير التدريجي للمصطلح ، وهو تغير مقصود يخدم أهدافا ثقافية وسياسية مضمرة ، إذ يبدأ المصطلح بلفظ محدد يستمر زمنا محددا ، ثم يتحول إلى لفظ آخر بعد أن يكون اللفظ الأول قد استقر في الخطاب الإعلامي ، ولا يخفى أن المصطلح لا يحيا خارج المناخ السياسي ، إذ إن المصطلح يجسد المعطيات السياسية والثقافية ، وحينما يطرأ تغير في دلالته فإن التغير يكشف عن هبوط في مستوى الاستحقاقات السياسية . ولنضرب مثلا بمصطلح ( القضية الفلسطينية ) الذي أصابه تغير جذري عبر مراحل زمنية مختلفة ، ، فقد تحول مصطلح ( القضية الفلسطينية ) إلى مصطلح (المشكلة الفلسطينية ) وبين القضية والمشكلة فرق دلالي شاسع ، إذ تتحول قضية الأرض المسلوبة والشعب النازح إلى مشكلة قابلة للحل بين ( طرفين ) بعد أن كان مصطلح القضية يؤكد على حق الطرف الوحيد في فلسطين ، وتحول مصطلح ( المشكلة الفلسطينية ) إلى مصطلح ( المسألة الفلسطينية ) وبين المشكلة والمسألة مزيد من التنازل في الاستحقاقات السياسية ، إذ أضحت القضية الفلسطينية مسألة تبحث عن إجابة على طاولة المفاوضات ، وهي مسألة لا حل لها إلا بوساطة الحوار بين ( الطرفين ) – كما يفيد المصطلح - ، وتحول مصطلح المسألة إلى مصطلح (الصراع العربي الإسرائيلي ) الذي اختزل القضية الفلسطينية بالصراع على الحدود وأراض عربية محتلة عام 1967 ، ثم تحول مصطلح الصراع إلى نزاع ، ولا يخفى الفرق الدلالي بين الصراع والنزاع الذي يكتسب بعدا قضائيا يمكن تسويته بالحوار والمفاوضات . وبهذا تحاول ترجمة المصطلحات تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها الوطني والإنساني والقومي . وتقتضي مواجهة الإفرازات السلبية للترجمة العمل على إيجاد مؤسسات رسمية تعتني بـ (( نقد الترجمة )) (12)
ولا يقتصر التوجيه السياسي للترجمة على معطيات القضية الفلسطينية إذ يذكر المؤرخ الفرنسي اندريه جوليان A.Julien أن المترجمين الفرنسيين في الجزائر، كانوا يحملون رتبا عسكرية، وكانوا يعملون بالتعاون مع إدارة التوجيه المعنوي التابعة للجيش الفرنسي، بهدف فرض نصوص بعينها تسوّغ للفكرة الاستعمارية. (13)
نتائج الصراع بين العولمة والخصوصية الثقافية ( الجيوب الثقافية )
يفضي الصراع بين العولمة والخصوصية الثقافية إلى نتائج متباينة ترضي مسوقي العولمة حينا ، والمدافعين عن الخصوصية الثقافية حينا آخر . ويتجسد التباين في نتائج الصراع بين العولمة والخصوصية الثقافية في ثلاثة أمور ؛ الأول : نجاح العولمة في إذابة الخصوصية الثقافية وفي هذا تحقيق لهدفها الأقصى وهو خلق منظومة قيم إنسانية مشتركة ونمط تفكير بنيوي مستمد من سياسات عليا للدول المسيطرة والمروجة للعولمة . والثاني : نجاح الخصوصية الثقافية في صد تيار التغريب العولمي ، وفي هذا يتحقق الهدف الأسمى للثقافات الوطنية . والثالث : نجاح العولمة في خلق خلايا فكرية وجيوب اجتماعية ثقافية في مجتمع ما . وأزعم أن الخشية من نجاح العولمة في هذا المضمار لا تقل عن الخشية من ذوبان الخصوصية الثقافية .
إن نجاح العولمة في تسويق النصوص المترجمة المنتخبة قد يفضي إلى عزل اللغات عن مركز المعادلة الدولية ، وإلى إذابة الثقافات الوطنية لصالح ثقافة العولمة وهو نجاح يؤدي بالضرورة إلى تغريب المجتمع المستهدف عن مخزونه التراثي وجذور تاريخه ومعالم هويته ، وقد يحدث هذا لأي مجتمع تجتاحه أعاصير سياسية ونكبات اجتماعية ، وقد تستمر حالة التغريب فترة زمنية قد تطول أو تقصر ، ولا ريب أن هذا النجاح الباهر لا تحققه جهود فردية مهما كانت مثابرة المترجمين على إنجاز النصوص كما ونوعا ، ولا تحققه كذلك جهود مؤسسات تعكف على ترجمة الفكر العولمي ، إذ إن إذابة الثقافة الوطنية يقتضي توافر جهات سياسية ذات سلطة قرار نافذ في بسط أنماط اجتماعية بالقوة ، والهيمنة على الفكر التربوي .
ولكن حالة التغريب لا تدوم للأبد ، إذ ينشأ جيل مشبع بالضجر والاحتقان من حالة التغريب يتلوه جيل يثور على الحالة ويثأر لتراثه وتاريخه وهويته ولو كلفه هذا التحول تغييرا سياسيا أو مواجهة مع أطراف خارجية .
خلايا فكرية وجيوب ثقافية
أما نجاح العولمة - عبر الترجمة المنتخبة - في خلق خلايا فكرية وجيوب اجتماعية ثقافية فيفضي إلى خلق ثقافة التشكيك في ثوابت الخطاب الوطني والقومي والديني ، وإلى شعور بالنفور من الانتماء للذات وازدواجية في الهوية التي تعني (( الإحساس الداخلي المطمئن للإنسان على أنّه هو نفسه في الزمان والمكان وعلى أنّه منسجم مع نفسه باستمرار مهما تعددت واختلفت المكانات الاجتماعية وعلى أنّه معترف به بما هو عليه من طرف الآخرين الذين يمثلون المحيط المادي والاجتماعي والثقافي المحلي والإقليمي والدولي )) (14) وتفضي الجيوب الثقافية الناجمة عن نجاح الترجمة المنتخبة إلى ثنائية لغوية ؛ لغة جاذبة إلى الأصالة والعراقة ، ولغة جاذبة نحو الآخر حيث بريق المعاصرة .
وليت الأمر ينتهي عند هذه النتائج على مستوى أفراد أو شرائح اجتماعية ، بل إن الأمر يتجاوز هذه المثالب إلى خلق أشكال من الصراع الداخلي تفضي إلى اضطرابات وفتن ... بين أنصار اللغة الوطنية - القومية ولغة العولمة على مستوى الاستخدام الفردي أو العلمي أو الرسمي ، وبين أنصار الفلكلور الشعبي ومؤيدي العولمة الذين يرغبون بإظهار طقوس اجتماعية غريبة وجديدة عن النسق الفلكلوري الموروث في مناسبات اجتماعية معينة ، وبين المحافظين على منظومة القيم الاجتماعية والفكرية من جهة ودعاة العولمة الذي يجدون في تسويق القيم الجديدة فرصة للتغيير وصولا إلى حياة أفضل . وبين الخطاب الديني وعلمانية العولمة .... الخ
ويقفز إلى الذهن سؤال جدير بالتأمل ، كيف تستطيع النصوص المترجمة سواء كانت أدبية أو فكرية إحداث خلايا غريبة وجيوب في الوسط الاجتماعي والثقافي ؟ هل يحمل النص المترجم بذاته شحنات تأثير وإثارة قادرة على حرف البوصلة الثقافية الوطنية؟ لا أظن أن تلقي النص المترجم قادر على إحداث أشكال الصراع التي أشرنا إليها ، ولكن إذا تسربت مضامين النص المترجم إلى جسد الكتابة الوطنية إلى حد التماهي مع الخطاب الثقافي الوطني بحيث يصعب اكتشافها من المتلقي العادي ، فإن فاعلية التأثير والإثارة للنص الجديد المكون من مضامين النص المترجم والنص المستحدث ، تجد سبيلا يسيرا لخلق الخلايا والجيوب التي أشرنا لها .
ومن المفيد أن نشير إلى بعض الخلايا والجيوب التي تنجم عن النصوص المترجمة ، فقد تصور بعض النصوص الأدبية المترجمة ظواهر اجتماعية غريبة عن الثقافة الوطنية - القومية نحو معايير أو ضوابط نظام الأسرة ، فمن المعلوم أن الأب يمثل السلطة العليا في نظام الأسرة العربية ، وأن العلاقة بين الزوج والزوجة هي علاقة شراكة وتقاسم مسؤوليات ، وقد تنجح الترجمة في تسويق أعمال أدبية تخالف أبجديات النظام الأسري ، نحو : تهميش سلطة الأب على الأبناء ومنح الفتيات الحرية المطلقة في اختيار علاقات اجتماعية خارج منظومة القيم المتواضع عليها ، وبعيدة عن نظام الرقابة الأبوية ، وحرية المرأة - الزوجة وفق مفاهيم العولمة ، وكذلك تسويق حزمة من الأفكار والممارسات التي تندرج في باب الليبرالية فكرا وممارسة ، نحو : الزواج الأثني ، وأنماط من الثقافة الجنسية ، والحرية الدينية ، وإمامة المرأة .... الخ .
ولو تأملنا الرجال والنساء والأولاد الذين يرتدون قمصاناً من كاليفورنيا وقبعات تكساسية وكسكيت لاعبي البيسبول وقمصان تحمل علامة إحدى الجامعات الأمريكية أو برمودا من فلوريدا سنحصل على صورة دقيقة عن خضوع الكرة الأرضية لقواعد اللباس الأمريكية. (15)
إلى من يوجه النص المترجم في سياق العولمة ؟
في سياق هذا الدور الريادي للترجمة يطل علينا سؤال يشكل تحديا لكل القائمين على مشرع التواصل الثقافي الإنساني ... من هو المتلقي الذي ينبغي أن يوجه إليه النص المترجم الذي يحوي مطالب التواصل الثقافي الإنساني ؟ هل هو جمهور المثقفين والمبدعين والعاملين في الحقل الثقافي والمهتمين بالمشروع الثقافي الكوني ؟ أزعم أن هذه الفئات لا تحتاج إلى نص مترجم يرصد لها ضرورات التواصل الثقافي ويكشف لها عن أهمية الخصوصية والتعدد والتنوع ؛ لأن المخزون الثقافي والوعي البنيوي لتك الفئات يستغني عن التوجيه والإرشاد الذي يختزله النص المترجم . لذا ينبغي أن يوجه النص المترجم إلى الفئات العمرية الدنيا بهدف ضمان بنية تحتية ثقافية للمشروع الثقافي الكوني ، ويقتضي هذا الاقتراح إيجاد هيكلية يتوافر فيها التخطيط والتنظيم لضمان نجاح المشروع الكوني ، ومن المستبعد أن تؤدي الاجتهادات الفردية والعفوية النتائج المتوخاة، لذا ينبغي أن يكون التخطيط والتنظيم ضمن استراتيجية شاملة تتبناها الدول وتشرف على تنفيذها ولا تؤتي هذه الاستراتيجية أكلها إلا إذا اعتمدت على مؤسسات التربية والتعليم .(( ومن المفروض أن يشارك في وضع هذه الخطة جميع الجهات المعنية بما فيها اتحاد الكتاب العرب ومجمع اللغة العربية والهيئات والأجهزة المختصة في وزارات الثقافة والتعليم العالي والإعلام والمركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر واتحاد الناشرين السوريين, مع الاستئناس بآراء المختصين في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمنظمة العربية للترجمة (تأسست أواخر عام 1999 ـ بيروت) واتحاد المترجمين العرب (تأسس أوائل عام 2002 ـ بيروت), وكذلك دور النشر الخاصة في القطر التي يجب إفساح المجال لها ضمن هذه الخطة للقيام بمبادراتها الخاصة)) (16)
إن تبني مؤسسات التربية والتعليم للمشروع الثقافي الكوني يقتضي أن يتحول النص المترجم - الذي يحوي قطوفا من الثقافات الإنسانية - إلى مقرر دراسي يتعلمه التلاميذ بمستويات ثقافية متفاوتة وفق المستوى العمري أو الصفي ، وذلك لتأسيس ثقافة إنسانية إلى جانب الثقافتين الوطنية والقومية ، إذ إن البناء الوطني والقومي الذي تضطلع به مؤسسة التربية والتعليم لم يعد كافيا للتصدي لإفرازات العولمة الثقافية والاجتماعية والفكرية ، ومن اليسير إعداد مناهج دراسية تعتمد على بناء ثقافي إنساني تراكمي . (( إن التعليم يمكنه أن يلعب دوراً كبيراً في تصحيح الخلل الذي يعانيه نسق القيم الراهن، ولاسيما القيم الإنسانية، ويستطيع أن يعمل على إرساء قيم تنموية ـ واتجاهات مجتمعية، تساعد المنطقة على مواجهة التحدي الذي أفرزته سيادة قيم العمل والإنتاج وتراجع قيم التسامح والسلام وحقوق الإنسان(( (17)
ويتأثر طلاب المدارس بأنماط ثقافية لشعوب منظومة الدول الكبرى نحو أمريكا وبريطانيا وفرنسا بوساطة وسائل الإعلام والأعمال الدرامية وغيرهما ولكن (( ماذا يعرف أبناء المدارس في بلدان أميركا اللاتينية وشبه الجزيرة الأيبيرية عن أمتنا العربية وبلداننا وثقافتنا والإسلام الذي نعتنقه وقيمنا المشتركة في الاعتقاد؟! ماذا يعرفون عن القضايا الرئيسة التي تشغلنا وتدمينا وعن المصالح التي يمكن أن نتبادلها في مجالات اقتصادية شتى. وماذا نعرف نحن عن الثقافة والقضايا والمشكلات التي لتلك الشعوب!؟ إن المدخل التربوي القائم على ترسيخ الحقائق العلمية والمعرفية الموضوعية كفيل بإزالة الكثير من رواسب الماضي وتصحيح أو توضيح ما يبني عليه المتعصبون من جهل وصور مشوهة يشغلون بها فضاء الذاكرة ويجعلون الوجدان مثقلاً بعوامل الاضطراب )) (18)


مشروع الترجمة الكوني لمواجهة العولمة
لا جدال في أن الترجمة ليست مهارة لغوية ، وأن أهميتها لا تقتصر على تبادل ثقافي خارج الإطار القومي ، وعليه فليس غريبا أن يعمد لينين إلى تكليف الأديب مكسيم جورجي بالإشراف على الترجمة معلنا أن أهمية الترجمة تعادل أهمية الكهرباء في روسيا (19)، وليس غريبا أن يلقب المترجم الصيني (كنفشيوس) بنبي الصين أو معلم الجنس البشري (20)
و يقتضي الأفق الكوني لمشروع العولمة الذي يسعى إلى إذابة الخصوصية الثقافية في محلول العولمة ، تشكيل شبكة كونية قادرة على صد التيار الثقافي الجارف للعولمة ، ويمكن تشكيل هذه الشبكة من آليتين ، الأولى : إقامة علاقات دولية بين الرافضين( مثقفين ومترجمين ) للعولمة ، والثانية : نقل الثقافات التي تهددها العولمة من الهامش إلى المركز عبر الترجمة . ويمكن أن تتحقق علاقات الآلية الأولى بوساطة عقد مؤتمرات أو ندوات دولية تتوزع إلى مجموعات لغوية ، إذ يمكن أن يضم الملتقى الواحد لغتين أو ثلاث لغات ، يتلوه ملتقى آخر ، ويتحدث المشاركون في كل ملتقى بلغاتهم الوطنية بهدف تعزيز اللغات التي تسعى العولمة إلى تهميشها أو تحييدها من الخطاب اللغوي الكوني ، وينبغي أن تحرص مداخلات المشاركين على تسويق الثقافات الوطنية بمختلف أطيافها الأدبية والفلكلورية وغيرهما ، ويمكن أن تتم ترجمة المداخلات بوساطة الترجمة الفورية أو الترجمة القبلية من خلال مطبوعات تعد سلفا لهذه الغاية .
وعطفا على ما تقدم فإن المشاركين في هذه الملتقيات المقترحة ينقسمون إلى فئتين متكاملتين ؛ فئة المتحدثين المختصين بأشكال الثقافة الوطنية ، وفئة المترجمين المحترفين . كما يمكن أن تتحقق العلاقات بين المترجمين الرافضين للعولمة عبر إنشاء مواقع ومنتديات إلكترونية تُعنى باللغات والثقافات الوطنية ، على أن تُزود تلك المواقع والمنتديات بتقنية ترجمة فورية لكل اللغات المشاركة ، ومن المفيد في هذا التصور التقني الكوني أن تصمم المنتديات وفق منظومات لغوية متكاملة نحو : منتدى العربية والصينية ، منتدى العربية والفيتنامية ، منتدى العربية والهندية ، منتدى الصينية والفيتنامية .... وهكذا ، والهدف من هذا التقسيم خلق خلايا تواصل بين اللغات والثقافات المشاركة.
ولا يخفى أن توافر الشروط الموضوعية لنجاح هذه الآلية يفضي إلى تحقيق الآلية الثانية التي تسعى إلى نقل الثقافات المستهدفة من هوامش النفي والتغريب إلى مراكز الصدارة .

موقفنا من القيم الوافدة من الترجمة
تتسم منظومة القيم الاجتماعية بالثبات والتقديس ، ويخضع سلوك الأفراد المرتبط بتلك القيم إلى عمليات مراقبة ومتابعة وتقييم من قبل عامة الناس والمؤسسات الرسمية والأهلية وكذلك من النظام الأسري ، فإذا خالف سلوك ما منظومة القيم ، أو ابتعدت مقولة فكرية عن الثوابت أو ظهر خطاب يغرد خارج السرب الثقافي فإن تلك المخالفة ستفضي إلى النقد والرفض والتشهير ، وذلك أن كل جديد أو غريب أو دخيل يحاول أن يغير أو يؤثر في الموروث الثقافي أو المعتقد الديني أو الثوابت الاجتماعية ، يستنهض مقومات الهوية الثقافية وينظر إليه بالشك والريبة والترقب .
وينبغي ألا تنفر المنظومة الثقافية من كل قادم جديد قبل معاينته والوقوف على ماهيته ، إذ إن الرفض المسبق يكشف عن رغبة بالانكماش أو الانغلاق الذي يفضي إلى الضمور الثقافي والتقهقر الحضاري ، كما أن الترحيب بكل ما هو قادم من فكر وممارسة يعد أكثر خطرا من الانغلاق ؛ لأنه قد يفضي إلى الاغتراب والذوبان في الآخر .
إن موقف المنظومة الثقافية من النصوص المترجمة يقتضي وجود آلية مقارنة دائمة بين منظومة القيم القائمة فعلا و منظومة القيم التي ينبغي أن تكون من جهة ، وبين منظومة القيم القائمة فعلا والقيم الوافدة التي لا ينبغي أن تكون من جهة أخرى . وإذا أحسنا تشكيل آلية المقارنة فإنه من اليسر علينا تقييم مجمل الأعمال المترجمة من أشكال أدبية وفكرية وفلسفية ، وينبغي التنويه في هذا السياق إلى أن الأعمال المترجمة الوافدة تتخذ شكلين ؛ الأول : شكل سافر يتحدى أبجديات المنظومة الثقافية ، ولا يحتاج هذا الشكل إلى آلية مقارنة . والثاني : شكل مقنّع لا تطفو على سطح نصوصه تحديات للموروث الثقافي ، ولكنه يحمل في حناياه جينات قد تتخلق في الرحم الثقافي فتشكل أجساما غريبة .
ولسنا بحاجةٍ لمن يذكّرنا بضرورة الانفتاح على الحضارات المغايرة، لا سيما التي تدّعي لنفسها صفةَ (العالمية)، بحكم قوتِها وسيطرتها وتسلّطها، فهذا أكثرُ بداهةً... فالمشكلةُ لا تصاغُ بعباراتٍ مثل: هل نتفاعلُ أم لا؟ المشكلة الحقيقيةُ تكمنُ في شروط هذا التفاعل، ومنطلقاته، وبمدى تحكمنا بهذه الشروط، ومدى اتفاقنا حولَ تلكَ المنطلقات.‏ (21)

ترجمة الأعمال الدرامية والأفلام السينمائية في سياق العولمة
لا تقتصر علاقة الترجمة بالعولمة على مساحة المطبوعات الورقية التي تعد حيزا كلاسيكيا للترجمة . وما دام الخطاب الثقافي للعولمة ينساب في الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية فإن نشاط الترجمة ينبغي أن يواكب هذه الوسائل . ولعل الخطاب الفني المترجم ( الدرامي والسينمائي ) عبر القنوات الفضائية أكثر تأثيرا وإثارة من الخطاب المطبوع ، ويعود هذا التفاوت إلى أسباب فنية تتمثل بجاذبية القنوات الفضائية بما تملكه من تقنيات فنية ومؤثرات درامية يفتقر إليها الخطاب المطبوع ، وإلى مؤثرات اجتماعية تفضي إلى اكتساب أنماط من السلوك الاجتماعي يتناغم حينا ويتعارض أحيانا أخرى مع منظومة القيم الاجتماعية ، وأمام هذا الواقع ينبغي أن تعاين الترجمة الخطاب الفني المترجم الذي يعد وسيلة ناجعة لتسويق الخطاب الثقافي للعولمة .
ويصنف الخطاب الفني المترجم إلى ثلاثة أشكال : الأعمال الدرامية المدبلجة والأفلام السينمائية المترجمة ، ومسلسلات الأطفال المترجمة والمدبلجة . ويمكن بيان علاقة الترجمة بالعولمة وبخاصة فيما يتصل بالمؤثرات الاجتماعية والفكرية -من خلال الأشكال الثلاثة - على النحو الآتي :


الأول : الأعمال الدرامية المدبلجة ( الترجمة المسموعة )
لا يخفى أن الترجمة المسموعة ( المدبلجة ) باللغة الفصيحة أو اللهجة المحكية ولا سيما اللهجتين السورية واللبنانية – كما هو واقع حال مشاهدة الأعمال الدرامية المترجمة - ، استطاعت أن تأسر أفئدة قطاع كبير من المشاهدين في غير مكان في الأقطار العربية . وقد حمل الخطاب الفني المترجم جينات ثقافية تنسجم مع الأهداف المضمرة لمشروع العولمة ، وبخاصة إعادة صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة بعيدا عن مقتضيات الموروث الاجتماعي والضوابط الدينية وأبجديات المجتمع المحافظ ، ولعل المسلسلات التركية المدبلجة وبخاصة المسلسلات الموسومة بـ نور، دموع الورد، سنوات الضياع، الحلم الضائع، وتمضي الأيام... الخ هي أكثر الأعمال الدرامية تأثيرا في إعادة صياغة ثقافة عاطفية تحتاجها شرائح واسعة في المجتمع العربي .
ولا يقتصر تأثير الخطاب الفني المترجم على الفضاء الاجتماعي والعاطفي ، بل يمتد إلى إنتاج ثقافة استهلاك جديدة ، إذ يندفع المشاهدون إلى تقليد الممثلين في أزيائهم ، وما يتصل بمظهرهم الخارجي ، فتطفو على سطح الحياة اليومية شرائح اجتماعية مستنسخة - في أزيائها ومظهرها - من أبطال وشخصيات المسلسلات المترجمة ، وقد تؤدي ثقافة الاستهلاك الجديدة إلى التأثير في ثقافة العمران والتأثيث في تصميم البيوت وبخاصة ( الديكورات ) الخلابة للبيوت التي تجري فيها أحداث الدراما المترجمة ،((فثقافة الإعلان التي تروج لثقافة الاستهلاك قد صدرت بشكل أو بآخر من حالة الانبهار الشديد بالمجتمعات المنتجة وثقافتها. وغدت السلعة ترمز للمنتج نفسه إذ صار الناس يقبلون عليها لأنها تعني أموراً ليست مما يتعلق بغرض استعمالها بشكل مباشر، وتولد نتيجة لذلك شكل من أشكال التبرم بالذات وتغذية نزعة التماهي مع المتسلط وتقمص سلوكه والاستغراق في عالمه من خلال المزيج من الصور والعبارات التي تتوجه إلى إيقاظ شهوات المستهلك وتحريك رغباته في الامتلاك. وهي بذلك لا تعدم وسيلة نشر إعلاناتها حيث الانترنيت والشبكات العنكبوتية وغيرها )) (22)
وينبغي أن ننوه إلى وجود توافق بين منظومة القيم الاجتماعية وكثير من المرايا الثقافية التي تتجلى في الأعمال الدرامية المترجمة نحو الخطاب الاجتماعي الذي تضمنه المسلسل المكسيكي ( كاميلا ) التي تواجه نقدا اجتماعيا لاذعا في سياق خروجها عن منظومة الأعراف والتقاليد ، وكذلك يقارن المسلسل بين منظومتين ثنائيتين لأسرتين من المجتمع المكسيكي ، وتفضي تلك المقارنة إلى انتصار منظومة القيم التي تنسجم مع الموروث الاجتماعي العربي . وكذلك الدراما الهندية الموسومة بـ (جودا أكبر) التي تعالج العلاقة الحضارية بين المسلمين والهندوس ، وتُبرز قيم التسامح والاحترام المتبادل بين الأديان ، بل تؤسس تلك الدراما الهندية لثقافة حوار الأديان ، وتحفز لإنتاج دراما عربية مدبلجة إلى لغات مختلفة تنهض بمقتضيات المشروع الثقافي القومي .
الثاني : الأفلام السينمائية المترجمة ( الترجمة المقروءة )
يسهم الخطاب السينمائي المترجم في تسويق ثقافة العولمة ، إذ يقول المخرج السينمائي البريطاني المعروف بيتر غريناوي Peter Grcenaway في مقابلة أجريت معه إن سينما هوليود ذات الثقافة الأحادية قد فرضت عولمة متجانسة حالت دون سماع معظم الأصوات الأخرى. فهي تعبر عن الضمير الإنساني بأسلوب أحادي البعد نافية التعددية. كذلك أشار المخرج السينمائي اليوناني إلى الرقابة المالية الأمريكية والمنهج المنفرد المضطرب الذي تفرضه الولايات المتحدة على السينما. كما أبدى قلقه بشأن الجيل التلفزيوني الذي يتلقى معرفية عن السينما والفنون بوجه عام عبر التلفاز وجمالياته.‏
وقد نهضت سينما هوليود بدور ريادي في تشكيل المعالم الثقافية الحالية. و يقوم المنتجون بدراسة قبول جمهور بلدان أوربا الشرقية وأفريقيا أو آسيا للأفلام الأمريكية ودرجة تفضيلهم لها. وتقوم وسائل الإعلام ( الفضائيات ومواقع الإنترنت والمجلات المتخصصة ) برفد الخطاب الثقافي الذي تتضمنه العولمة وذلك بوساطة ترويج لباس الفنانيين وعاداتهم وطفولتهم والطعام الذي يحبون، أو كلَّ شيء يمكن أن يعزز نمط الحياة. (23)
واستئناسا بما تقدم فقد بدأت دول كبرى تتململ من استبداد الإعلام الأميركي وطغيانه، الذي يسيطر على مالا يقل عن (65%) من البرامج التي يستقبلها مواطنو تلك الدول....حيث تصدر الولايات المتحدة أ كثر من (120.000) ساعة من البرامج التلفزيونية سنوياً إلى أوربا وحدها، وتنمو تجارة هذه البرامج بمعدل (15%) سنوياً... مما اضطر الحكومة الفرنسية إلى إصدار تشريع يقضي بألاَّ تزيد نسبة البرامج الأجنبية في محطات الكوابل عن (30%).‏ (24) وفي السياق ذاته رفضت هيئة الإذاعة البريطانية قد رفضت إذاعة برنامج (شارع السمسم) الذي أنتجه الأمريكيون لأنه برأيها سيحمل إلى أطفال بريطانيا قيماً غريبة عنهم... (25)
ويقول (فولكنر) وزير خارجية كندا السابق في سياق تبرمه من الطغيان الإعلامي الأميركي: إذا كان الاحتكار أمراً سيئاً في صناعة استهلاكية، فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة، حيث لا يقتصر الأمر في الحالة الثانية على تثبيت الأسعار، وإنما تثبيت الأفكار أيضاً، مما دفع بعض الباحثين إلى القول: إن الأطفال في كندا، من كثرة ما يتعرضون له من برامج أميركية، أضحوا لا يدركون أنهم كنديون..... (26)‏
الثالث : رسوم الأطفال ( الترجمة المسموعة والمقروءة )
تعد رسوم الأطفال بما تحويه من عناصر التشويق والإثارة والمغامرة والجاذبية سلاحا ذا حدين في سياق علاقة الترجمة بالعولمة ، فإذا انطلق القائمون عليها من مقتضيات التواصل الثقافي بين الشعوب وبخاصة الشعوب التي تشغل حيز الهامش في المعادلة الدولية .. فإن رسوم الأطفال بما تحويه من مضامين ثقافية ستكون فرصة ذهبية لزرع جينات ثقافية في التكوين الفكري البنيوي للأطفال .... وبهذا تكون الترجمة في هذا السياق تحديا ناجعا لمشروع إذابة الثقافات لصالح الثقافة الكونية التي تتحكم بها الدول الكبرى ، أما إذا كان القائمون على برامج الأطفال من مروجي الفكر العولمي فإن التقنيات الفنية لرسوم الأطفال ستنجح في تأسيس ثقافة نابعة من أهداف العولمة .

دور الترجمة في الرد على المصطلحات الدينية
يسعى الخطاب الفكري والاجتماعي للعولمة إلى تفريغ المخزون العقائدي وتغريب خطاب الأنا الديني ، ويحشد لهذا الهدف عددا من الأدوات والآليات التي تتجلى في وسائل إعلامية وأقلام مأجورة وبرامج موجهة . ويدرك رواد العولمة فعالية الحصانة الدينية التي تمنع تسرب أي فكر لا ينسجم مع النسيج العقائدي للأنا ، لذا فهم حريصون على تعطيل المضاد العقائدي لتفعيل أمصال العولمة في الجسد الفكري والثقافي . إذ إن التفريغ والتغريب يمر بمسارين متقاطعين ؛ مسار داخلي يتجسد في الأقلام المأجورة والبرامج الموجهة التي تمهد لنجاح المسار الخارجي الذي يتجسد في المصطلحات الإعلامية المترجمة كالإرهاب والتطرف والأصولية والإسلام السياسي ... الخ لتشويه الخطاب الديني وتشويهه .
ويتكفل القائمون على الخطاب الديني من مؤسسات وأفراد بالرد على أصحاب المسار الأول بالآلية ذاتها ؛ إذ من اليسير شحذ الأقلام المضادة وتوجيه البرامج المقاومة للمسار الداخلي ، أما المسار الخارجي فيقتضي توجيه بوصلة الترجمة لإسقاط ورقة التوت عن المصطلحات التي يروجها خطاب العولمة .
إن حماية خطاب الأنا الديني من التفريغ والتغريب تقتضي أن نتجاوز الفضاء اللغوي والجغرافي الذاتي إلى فضاء الآخر الذي أنتج تلك المصطلحات وذلك بترجمة المطبوعات الورقية والإلكترونية والندوات وبرامج القنوات الفضائية التي تتكفل بالرد على مصطلحات التشويه والتغريب ، وكلما تعددت لغات الترجمة ازداد انحسار تلك المصطلحات ، وضعف تأثيرها ، وفترت حرارتها الإعلامية ، ولا يخفى أن نجاح خطاب الترجمة المضاد لتلك المصطلحات في الحيز الثقافي والاجتماعي للآخر يسهم في إسقاط المصطلح في عقر داره ، إذ إن الآخر لا يعمد إلى تصدير مصطلحاته إلا بعد تسويقها في محيطه الثقافي والاجتماعي ، فمصطلح الإرهاب الديني أو التطرف الإسلامي لم يصل إلينا إلا بعد انتشاره في المحيط الثقافي للآخر .
إن التهم والافتراءات التي تسعى إلى تغريب أو تشويه الهوية الدينية لا يكفي رفضها والرد عليها بلغتنا وأدبياتنا فقط ، كما أن التصدي لتلك المصطلحات يمثل مسؤولية أخلاقية وثقافية إذ إن ((المثقفين الذين يحترمون الحقوق والحريات ويعطون للثقافة والحوار دوراً في حل الخلافات ويعرفون جيداً الفرق بين الإرهاب المدان والمقاومة المشروع، هم الأقدر على مواجهة هذه الموجة من الشر المنطلق من عقاله تحت شعار محاربة الشر، حيث يعلن مدبروها ومحركوها أصحاب المعايير المزدوجة تصنيفات سقيمة مثل: من لم يكن معنا فهو ضدنا. ومن لا يقدم مصالحنا على مصالحه يكرهنا ويعتدي على مصالحنا؟!‏(( (27 )











هوامش البحث

1) العيسوي ، بشير : الترجمة إلى العربية – قضايا وآراء - . دار الفكر العربي ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1996 ، ص 72
2) الجيلالي ،حلام : أثر العولمة في اللسان الرسمي (العربية نموذجا) مجلة اللغة العربية. المجلس الأعلى للغة العربية، ع 5 ، الجرائر 2001، ص 128.
3) بلعيد، صالح : محاضرات في قضايا اللغة العربية. مطبوعات جامعة قسنطينة، ص 334
4) إمام ،زكريا بشير : في مواجهة العولمة. عمان ،الأردن، 2000، ج،1 ص 4
5) بن عبد العالي ،عبد السلام : الترجمة أداة للتحديث مجلة فكر ونقد، عدد 79/80 – أبريل ،2006، المغرب، ص: 34
6) انظر : الحلاّق، مُحَمّد راتب: العَولمةُ.... وَ سُؤَالُ الهُويَّة. مجلة الفكر السياسي العددان الرابع والخامس السنة الثانية شتاء 1998 ص 324
7) انظر : أبوهيف ،عبدالله : الحرية والمجتمع المدني والعولـمة. مجلة الفكر السياسي لعدد 16 ربيع -صيف 2002 ، ص 29
8) انظر : ناصر، مها خير بك: اللغة العربية والعولمة في ضوء النحو العربي والمنطق الرياضي .مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب- دمشق العدد 102 نيسان 2006 ربيع ثاني 1427 ص 99
9) انظر : البقرة40، المائدة82 ، الأعراف116، الأعراف154 ، الأنفال60، التوبة31 ، التوبة34 ، النحل51 ، الأنبياء90، القصص32، الحديد27، الحشر13
10) المدني ،علي رجب: سلامة الترجمة ودقة استيعابها شرطان فيما يرجى من تأثير وتأثر بين الشعوب ومختلف الثقافات . مجلة مجمع اللغة العربية ( القاهرة ) ع 96 ، ص 33 .
11) برقاوي ، أحمد : الأساس القومي للأمن الثقافي العربي . مجلة الفكر السياسي العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000، ص 84
12) عبود ، عبده : الأدب المقارن - مشكلات وآفاق . اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1999 ص 185
13) انظر : بن عيسى حنفي: واقع الترجمة في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، في (المجلة العربية للثقافة) ، سبتمبر 1982، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، ص٣٣-٣٤.
14) مسلم ،محمد: الهوية والعولمة. دار الغرب للنشر والتوزيع، ص 13
15) انظر: موردات، ميخل : ترجمة : حامد فرزات:أمريكا المســتبدة_ الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم (العولمة)، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، ص 187
16) جاموس ، عدنان : الترجمة وحوار الحضارات ألقيت في المركز الثقافي العربي "أبو رمانة" ( سوريا ) 13/4/2006 جريدة الأسبوع الأدبي ، العدد : 1006 بتاريخ 13 - 5 - 2006
17) الكواري، علي خليفة، نحو استراتيجية بديلة للتنمية الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1985، ص100
18) عرسان ، علي عقلة : مكانة الحوار الثقافي في بناء الحضارة ودوره في نحت صورة إنسانية دور الثقافة ومسؤولية المثقف . مجلة الفكر السياسي العدد 16 ربيع -صيف 2002 ، ص 7
19) انظر : عصفور ،جابر : حول المشروع القومي للترجمة، العربي، العدد ٤٩٤ ، يناير ٢٠٠٠ ، ص 70
20) انظر : سعفان ، حسن شحاته : كنفشيوس: الكتب الخمسة، موسوعة تراث الإنسانية، مجلد ٢، ص ٧٨
21) انظر : الحلاّق، مُحَمّد راتب : العَولمةُ.... وَ سُؤَالُ الهُويَّة. مجلة الفكر السياسي ( مرجع سابق ) ص 324
22) الضبيب ، احمد بن محمد : اللغة العربية وعصر العولمة .مجلة الجزيرة ،، العدد 10293 ، 7 رمضان 1421
23) انظر : بترونيا، شارة : العولمة ملاحظات حول التغيرات التي طرأت في ميادين الفنون والثقافة في نهاية القرن العشرين (أو عندما تنجح خطة ما أو تفشل في لحظة ما) .ت.د إبراهيم يحيى الشهابي مجلة الفكر السياسي العددان الرابع والخامس السنة الثانية شتاء 1998 ، ص 346
24) انظر : الحلاق، محمد راتب: العرب والانتماء رؤية عربية لثقافة العولمة مجلة الفكر السياسي لعدد 32 السنة الحادية عشرة 2008 ، ص 59
25) محمود ،حواس: الثقافة والأخلاق والتحدي التكنولوجي. ص 252
26) انظر : جمال، راسم محمد: الأنباء الخارجية في الصحف العربية. مجلة المستقبل العربي، العدد: 135، أيار/ مايو 1990
27) عرسان ، علي عقلة : مكانة الحوار الثقافي في بناء الحضارة ودوره في نحت صورة إنسانية دور الثقافة ومسؤولية المثقف ( مرجع سابق ) ، ص 7