الطوطمية والوثنية المعاصرة - السياسة والتحليل النفسي (*)

رياض حمادي
2012 / 8 / 9

" معظم أولئك الذين هم في قرارة نفوسهم شخصيات تسلطية سيعبرون عن آراء ديموقراطية ما دامت الغالبية العظمى تفعل ذلك " - ايريك فروم

***

هل لدينا " طوطمية " في حضارتنا ؟
يسأل ايريك فروم , ثم يجيب :

" لدينا منها حظ كبير – وإن كان من يكابدون منها لا يعتبرون أنفسهم في حاجة إلى معونة الطب النفسي , والشخص الذي يكرس نفسه تكريسا تاما للدولة أو لحزبه السياسي , والذي يكون معياره الوحيد للقيمة والحقيقة هو مصلحة الدولة أو الحزب , والذي يجعل من العلم بوصفه رمزا لجماعته موضوعا مقدسا , مثل هذا الشخص يعتنق دينا قبليا , ويتعبد عبادة طوطمية , وإن اعتقد أنه يعتنق مذهبا عقليا لا غبار عليه ( وهذا ما يعتقده بالطبع كل المؤمنين بأي نوع من الدين البدائي ) . فإذا أردنا أن نفهم كيف تمتلك بعض النظم كالفاشية أو الستالينية ملايين من البشر , على استعداد للتضحية وعقلهم للمبدأ القائل : " وطني , مخطئا أو مصيبا " فلا مناص لنا من أن ننظر في نزعتهم الطوطمية , والصبغة الدينية التي يتسم بها توجيههم .

والعنصر الجوهري في الدين التسلطي وفي التجربة الدينية التسلطية هو الاستسلام لقوة تعلو على الإنسان . والفضيلة الأساسية في هذا النمط من الدين هي الطاعة , والخطيئة الكبرى هي العصيان , وكما يُتصور الإله على أنه شامل القدرة , محيط علما بكل شيء , فكذلك يتصور الإنسان على أنه عاجز , تافه الشأن . ولا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما يكتسب من فضل الإله ومعونته عن طريق الاستسلام التام . والإذعان لسلطة قوية هو أحد السبل التي يستطيع بها الإنسان أن يهرب من شعوره بالوحدة والمحدودية , وفي فعل الاستسلام يفقد استقلاله وتكامله بوصفه فردا , ولكنه يكتسب الشعور بأن قوة مهيبة تحميه , بحيث يصبح جزءا منها .

التجربة التي يصفها كالفن, اعني احتقار كل شيء في الإنسان , وخضوع العقل الذي ينوء بفقره , هذه التجربة هي جوهر الأديان التسلطية كلها , سواء صيغت بلغة علمانية أو لاهوتية . والإله في الدين التسلطي رمز للقوة والجبروت , وهو الأعلى لأن له القوة الأعلى , والإنسان إلى جواره لا حول له ولا قوة .

والدين التسلطي العلماني ( أو الدنيوي ) يتبع هذا المبدأ نفسه . فهنا يصبح الفوهرر أو " أبو الشعب " المحبوب , أو الدولة , أو الجنس / العرق Race أو الوطن الاشتراكي – موضوعا للعبادة , وتصبح حياة الفرد تافهة , وتتألف قيمة الإنسان من إنكاره لقيمته وقوته . وكثيرا ما يسلم الدين التسلطي بمثل أعلى يصل درجة عالية من التجريد والبعد بحيث لا يمت بصلة تقريبا بالحياة الواقعية للشعب الحقيقي . ولمثل هذه المثل العليا " كالحياة بعد الموت " أو " مستقبل الإنسانية " يمكن أن يضحى بحياة وسعادة الأشخاص الذين يعيشون هنا والآن , وهذه الغايات المزعومة تبرر كل الوسائل , وتصبح رموزا تتحكم باسمها " الصفوة " الدينية أو الدنيوية في حياة إخوانهم من البشر . "

أصنام معاصرة :
هل لا نزال معنيين بمشكلة الوثنية ؟

يقول فروم : " نحن لا نبدي مثل هذا الاهتمام إلا إذا وجدنا بعض " البدائيين " عاكفين على عبادة أصنام من الخشب والحجارة . فنحن نتصور أنفسنا أسمى كثيرا عن مثل هذه العبادة , وأننا حللنا مشكلة الوثنية لأننا لا نرى أنفسنا عابدين لأي رمز تقليدي من رموز الوثنية , وننسى أن جوهر الوثنية لا يكون في عبادة هذا الصنم أو ذاك ولكنه موقف إنساني معين . ويمكن أن يوصف هذا الموقف بأنه تأليه للأشياء , أو لمظاهر جزئية من العالم , وبأنه خضوع الإنسان لمثل هذه الأشياء . فليست التماثيل المصنوعة من الخشب والحجارة هي وحدها الأصنام . الكلمات يمكن أن تصبح أصناما , والآلات يمكن أن تصبح أصناما , والزعماء , والدولة , والسلطان , والجماعات السياسية , بل أن العلم ورأي الناس يمكن أن يصبحا أصناما , والإله نفسه أصبح وثنا بالنسبة للكثيرين .

ألم يحن الوقت للكف عن الجدل حول الإله , والاتحاد – بدلا من ذلك – في إماطة اللثام عن أشكال الوثنية المعاصرة . فاليوم لم يعد " بعل " و " عشتروت " هما اللذان يهددان أثمن ممتلكات الإنسان الروحية , وإنما تأليه الدولة والقوة في البلاد التسلطية , وتأليه الآلة والنجاح في حضارتنا . وسواء كنا متدينين أم لم نكن , وسواء اعتقدنا في ضرورة قيام دين جديد , أم في دين بغير دين , فإننا بقدر اهتمامنا بالجوهر لا بالأصداف الخارجية , وبالتجربة لا بالكلمة , وبالإنسان لا بالكنيسة , نستطيع أن نتحد في استنكار حازم للوثنية , وربما وجدنا في هذا الاستنكار من الإيمان المشترك ما يزيد على أية أقوال إيجابية عن الإله . ولكننا سنجد بالتأكيد مزيدا من التواضع والحب الأخوي . "

التبرير أو تزييف العقل :

" لقد برهن التحليل النفسي على الطبيعة المبهمة لعملياتنا الفكرية , والحق أن قوة التبرير , أو هذا التزييف للعقل , هو إحدى الظواهر الإنسانية المحيرة أشد الحيرة . ولو لم نكن معتادين عليها هذا الاعتياد , لبدا لنا مجهود الإنسان في التبرير مماثلا لمذهب شخص مصاب بجنون الاضطهاد paranoid فالشخص المصاب بهذا الجنون يمكن أن يكون غاية في الذكاء , ومن الممكن أن يستخدم عقله استخداما ممتازا في جميع مجالات الحياة اللهم إلا في الجزء المنعزل الذي يتعلق به جنون الاضطهاد . والشخص الذي يقوم بالتبرير يفعل هذا تماما . فنحن نتحدث إلى شخص ذكي من المؤمنين بستالين , وهذا الشخص يُظهر مقدرة عظيمة في كثير من مجالات الفكر , ولكنه , ما أن نناقش الستالينية معه حتى يواجهنا فجأة مذهب فكري مغلق , وظيفته الوحيدة هي إثبات أن ولاءه للستالينية متفق مع العقل ولا يناقضه . ولهذا فسوف يُنكر بعض الوقائع الواضحة , ويشوه بعضها الآخر , أو تراه حين يوافق على بعض الوقائع والأقوال , يشرح موقفه بأنه منطقي متسق , وسيعلن في الوقت نفسه أن العبادة الفاشية للزعيم هي إحدى السمات البغيضة جدا للنزعة التسلطية , وأن العبادة الستالينية للزعيم شيء مختلف تماما , وأنها التعبير الحقيقي عن حب الشعب لستالين – فإذا قلت له أن هذا ما يدعيه النازيون أيضا , ابتسم متسامحا لافتقارك إلى الإدراك , أو اتهمك بأنك صنيعة الرأسمالية . وسيجد ألف سبب وسبب ليثبت لماذا كانت القومية الروسية ليست قومية , ولماذا كانت النزعة التسلطية نزعة ديموقراطية , ولماذا كانت السخرة مدبرة لتربية العناصر المعادية للمجتمع وإصلاحها . والحجج المستخدمة للدفاع عن أفعال محاكم التفتيش وتفسيرها , أو المستخدمة في تفسير التحيزات العنصرية أو الجنسية – هذه الحجج أمثلة واضحة على هذه القدرة نفسها في التبرير .

وتبين الدرجة التي يبلغها الإنسان في استخدامه تفكيره لتبرير العواطف اللامعقولة , وأفعال طائفته – تبين عظم المسافة التي ما زال على الإنسان أن يقطعها لكي يصبح " إنسانا عاقلا Homo sapiens . ولكن ينبغي علينا أن نتجاوز مثل هذا الوعي , يجب علينا أن نحاول فهم أسباب هذه الظاهرة وإلا وقعنا في خطأ الاعتقاد بأن استعداد الإنسان للتبرير جزء من " الطبيعة الإنسانية " لا سبيل إلى تغييره . "

بين توجيه العقل وتوجيه القطيع :

" والإنسان في أصله حيوان يحيي في قطيع , وتتحدد أفعاله بدافع غريزي لإتباع الزعيم , وبأن تكون له صلة وثيقة بالحيوانات الأخرى من حوله . وبقدر ما نكون قطيعا , لا يهدد وجودنا خطر أعظم من فقدان هذه الصلة بالقطيع , فنصبح معزولين . والصواب والخطأ والحق والباطل أمور يحددها القطيع . ولكننا لسنا قطيعا فحسب . بل نحن إنسانيون أيضا . نملك الوعي بأنفسنا , ونملك العقل الذي هو بطبيعته ذاتها مستقل عن القطيع . ومن الممكن أن تتحدد أفعالنا بنتائج تفكيرنا بغض النظر عما إذا كانت الحقيقة يشارك فيها الآخرون أو لا يشاركون .
والصدع الحادث بين طبيعتنا القطيعية وطبيعتنا الإنسانية هو أساس نوعين من التوجيه : توجيه بواسطة قربنا من القطيع , وتوجيه بواسطة العقل . والتبرير مصالحة بين طبيعتنا القطيعية وقدرتنا البشرية على التفكير . وهذه القدرة الأخيرة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن كل ما نفعله يمكن أن يصمد لاختبار العقل . وهذا ما يحدونا إلى أن نضفي طابع المعقولية على آرائنا وقراراتنا اللامعقولة . ولكن من حيث انتمائنا إلى قطيع , ليس العقل هو مرشدنا الحقيقي , وإنما يقودنا مبدأ مختلف تمام الاختلاف , وهو ولاؤنا للقطيع .

وازدواجية الفكر , والثنائية القائمة بين العقل وبين الذهن الذي يهدف إلى التبرير , هذان هما التعبير عن الثنائية الأساسية في الإنسان , وعن الحاجة إلى تعايش القيد والحرية , وتفتح العقل وظهوره الكامل يعتمدان على بلوغ الحرية الكاملة والاستقلال . وحتى يتحقق هذا , يميل الإنسان إلى قبول الحقيقة التي تقررها الغالبية العظمى من الجماعة , وما يصدره من أحكام تحدده حاجته إلى الاتصال بالقطيع , وخوفه من الانعزال , وقليل من الأفراد هم الذين يستطيعون احتمال هذا الانعزال , وقول الحق على ما فيه من خطر فقدان الصلة بالقطيع . وهؤلاء هم الأبطال الحقيقيون للجنس البشري , ولولاهم لكنا الآن مازلنا نعيش في الكهوف ... ويلزم عن هذا أن الإنسان لن يبلغ القدرة التامة على الموضوعية والتعقل إلا إذا قام مجتمع للإنسان يعلو فوق كل الانقسامات الجزئية بين الجنس البشري , وإلا إذا أصبح الولاء للجنس البشري ومُثلُه العليا هو الولاء الأول في الوجود .

لا يستطيع المرء الحكم على جماعته حكما نقديا إلا إذا تجاوز مرحلة الوشائج المحرمة , وقبل هذا لا يستطيع المرء أن يحكم على الإطلاق . ومعظم الجماعات – سواء أكانت قبائل بدائية , أو أمما أو ديانات – لا تهتم إلا ببقائها , والتمسك بسلطان زعمائها , فهي تستغل الحس الأخلاقي المتأصل في نفوس أعضائها لتستفزهم ضد الأعداء الخارجيين الذين تحاربهم . بيد أنها تستخدم الوشائج المحرمة لتجعل الشخص مقيدا بالأغلال الأخلاقية إلى جماعته , لتخفق هذا الحس الأخلاقي والحكم , وذلك حتى لا ينتقد جماعته على ما ترتكبه من انتهاك للمبادئ الأخلاقية , بينما تدفعه إلى المعارضة العنيفة إذا اقترف غيرها هذا الانتهاك . "

بين دينين :

" ما قلته عن نزعة الإنسان المثالية يصدق أيضاً على حاجته الدينية . فلا وجود لإنسان بغير حاجة دينية , حاجة إلى أن يكون له إطار للتوجيه وموضوع للعبادة , بيد أن هذا القول لا يخبرنا بشيء عن سياق خاص تتجلى فيه هذه الحاجة الدينية , فقد يعبد الإنسان الحيوانات , أو الأشجار , أو الأصنام من الذهب أو الحجارة , أو إلها غير منظور , أ, إنسانا مقدسا , أو زعماء شيطانيين , أو ربما عبد أسلافه , أو أمته , أو طبقته أو حزبه , أو المال , أ, النجاح , وقد يؤدي به دينه إلى تطوير روح الدمار أو الحب , إلى التسلط أو الإخاء , أو ربما ضاعف من قوة عقله أو أصابه بالشلل , وقد يدرك أن مذهبه مذهب ديني , يختلف عن المذاهب الدنيوية , أو قد يظن أنه لا يملك دينا , وأن تكريس نفسه لأهداف دنيوية مزعومة كالقوة أو المال أو النجاح – ليس شيئا آخر سوى اهتمامه بالعملي والنافع , والمسألة ليست " دين أو لا دين " بل " أي نوع من الدين " , هل هو من النوع الذي يساعد على تطور الإنسان وعلى الكشف عن قواه الإنسانية الخاصة به كانسان , أم من النوع الذي يصيب هذه القوى بالشلل ؟ "

الحقيقة ستحررك :

" على الإنسان أن يكافح لمعرفة الحقيقة , ولا يمكن أن يصل إلى إنسانيته إلا بمقدار ما ينجح في هذه المهمة . ولابد أن يكون مستقلا وحرا , وغاية في ذاته , لا وسيلة لأغراض أي شخص آخر . وينبغي عليه أن يربط نفسه بإخوانه البشر مدفوعا بالحب , فإذا لم يشعر بالحب , كان قوقعة خاوية حتى لو امتلك القوة كلها , والثروة كلها , والذكاء كله . يجب على الإنسان أن يعرف الفرق بين الخير والشر , وعليه أن يتعلم كيف يستمع إلى صوت ضميره , وأن يكون قادرا على إتباعه . فمن المؤكد أن مساعدة الإنسان على تمييز الحق من الباطل في نفسه هو الهدف الأساسي للتحليل النفسي , وهو منهج علاجي يعد تطبيقا لهذه العبارة : " ستجعلك الحقيقة حرا " . وفي كل من التفكير الديني الإنساني , والتحليل النفسي , تؤخذ قدرة البحث عن الحقيقة على أنها مرتبطة ارتباطا لا انفصام له بالوصول إلى الحرية والاستقلال . "
_________________________________________________________
هامش :
(*) هذه اقتبسات من كتاب ايريك فروم " الدين والتحليل النفسي " وهو كتاب ممتع يسهب في تحليل العلاقة بين الدين والتحليل النفسي , أكتفي هنا باقتباس تلك المقاطع التي تشير إلى العلاقة بين التحليل النفسي والسياسة أو الدولة . وقد تركت النصوص تتحدث عن نفسها ولم أتدخل إلا في ترتيب هذه النصوص وإضافة العناوين . أخيراً هذه الاقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب .