نظرية الثورة

رياض حمادي
2012 / 8 / 5

الثورات في البلدان الطائفية , المذهبية , العرقية , القبلية , العسكرية, لا تنجح كقاعدة وإن نجحت كاستثناء فإنها تفشل في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ذلك أن حلفاء الأمس واليوم يصبحون أعداء الغد ففي ذهن كل واحد منهم مشروع دولة يختلف عن الآخر.

الثورات تنجح في تحقيق أهدافها في البلدان ذات الأغلبية العلمانية حيث مشروع الدولة يستوعب الجميع .

نجاح الثورة السياسية في تحقيق أهدافها مرتبط بنجاح الثورة الفكرية . بكلمة أخرى , الوعي أو الثورة الفكرية والاجتماعية مقدمة ضرورية لنجاح الثورة السياسية .
شهد التاريخ العربي والإسلامي الكثير من الثورات أو الانقلابات – استبدال نظام , حاكم أو طاغية محل آخر – لكن لم يؤدي أياً منها إلى ثورة فكرية اجتماعية تجعل من الحرية المبدأ الأساسي .

تلك الثورات أو الانقلابات كانت تهدف إلى استبدال سيد أو طاغية بآخر , ولم تكن تهدف إلى استئصال الطغيان والعبودية .

هناك علاقة وطيدة بين نجاح الثورة والحرية , فالشعوب التي تعشق الحرية تعمل على أن يحكمها حر مثلها , والشعوب التي تعشق العبودية – أو تخاف من الحرية بتعبير ايريك فروم – تعمل على أن يحكمها سيد أو طاغية .

كما أن هناك علاقة أوطد بين الحرية والمسئولية , فالحرية تعني المسئولية , والشعوب العربية تميل إلى أن يكون سيدها هو المسئول الوحيد عن مصيرها ولذلك تفضل العبودية على تحمل المسئولية . وما ينطبق على العبودية بشقها السياسي ينطبق على العبودية بشقها الديني حيث يشكل رجل الدين – الشيخ , المفسر , الفقيه –يمثل المرجعية الأولى والأخيرة والبديل المريح لعملية التفكير وإجهاد العقل . وربما لهذا علاقة بتقدم الغرب, فالفصل الذي حدث بين الدين والدولة هناك هو في الواقع فصل بين المسئوليات, وتحمل رجل الشارع لمسئولية وجوده وتحمله لأعباء الحرية, تلك الأعباء التي يفر منها رجل الشارع العربي ويلقيها على كاهل السياسي ورجل الدين. وشعار الأغلبية في هذا الأمر ما زال قائماً وهو أن " الإصلاح مهمة الإمام حصراً أما الشعوب فدورها يقتصر على الدعاء لمن غلب تسليما بالحتمية التاريخية وبالجبرية الدينية " .

شعار " الدولة المدنية " هو السائد كهدف بعد " إسقاط النظام " في ثورات الربيع العربي الحديثة لكن هل سيحظى هذا الهدف بنصيب من التطبيق العملي على أرض الواقع ؟!
الوعي الجماعي بهدف أو أهداف الثورة مهم في نجاح هذا الشعار وتطبيقه عمليا . والحال أن جميع القوى , الطوائف , المذاهب الأحزاب , تكاد تكون مجمعة على هدف " إسقاط النظام " أما مشروع أو هدف " الدولة المدنية " فلدى كل جماعة مشروع دولة يختلف عن الأخرى والمشروع الأكثر حضوراً بين هذه المشاريع هو مشروع " الدولة الدينية " لا المدنية . وعلى أقل تقدير , قد تتفق هذه الأطراف على مسمى " الدولة المدنية " لكن لدى كل طرف تعريف أو مضمون مختلف إن لم أقل مناقض لطبيعة تلك الدولة .

يستهجن كثير من المفكرين , العرب على وجه التحديد , تلك النظريات أو الأفكار التي يتبناها بعض مفكري وفلاسفة الغرب عن الشرق - والشرق العربي على وجه الخصوص - فيما يتعلق بمسائل مثل الحرية والعبودية والتقدم والتخلف . فيذهب هؤلاء الفلاسفة إلى أن هذه المسائل مرتبطة بمعايير جينية ولغوية وجغرافية , وعليه تكون العبودية والتخلف من نصيب الشرق والحرية والتقدم من نصيب الغرب .

هذه الأفكار مستهجنة بالفعل بالنظر إلى طبيعة الإنسان الواحدة لكن يبدو أن التاريخ العربي والإسلامي يدعمان أقوال هؤلاء الفلاسفة أكثر مما يدعم أقوال المستهجنين لها أو المحتجين عليها !

يقول سارتر في حديثه عن الإنسان أنه " محكوم عليه بالحرية " لكن يبدو أن هذا حكم مع وقف التنفيذ عند الحديث عن الإنسان العربي.

الحرية - بتعبير كانط - حق وطبيعة بشرية وملك إنساني لا يجوز مقايضته أو بيعه بدعوى التعقل أو التدين. وهي كذلك بالفعل , لكن كيف استطاع الإنسان العربي بيع هذا الحق أو مقايضته أو التخلي عنه دون مقابل طواعية أو مكرهاً ؟!

يميل البعض إلى نزع اللون عن ثورات الربيع العربي ويضفي عليها صفة ولون الماء أو أنها ثورات بألوان قوس قزح منزوعة الأيديولوجيا . إذا كان هذا هو الحال , لماذا تنطلق هذه الثورات من الجوامع والمساجد وتتسمى بأسماء الجُمع ؟ ولماذا يحصد اللون الأخضر نصيب الأسد من محصول هذه الثورات ولماذا يطغى هدف الدولة الدينية على هدف الدولة المدنية ؟!!
_______________________________________
ملاحظة :
سينظر البعض إلى هذه السطور على أنها من قبيل جلد الذات وتصب في خانة التشاؤم وتسهم في زعزعة القدرات ووأد الأمل ونحن في أشد الحاجة إلى الإيمان بالقدرات العربية وردفها بكلمات التفاؤل ورفع الهمم لا تثبيطها . ولهؤلاء أقول ليست هذه السطور أكثر من أفكار تنظر في الواقع وتحلله كما كان أو يكون لا غير . وهي ليست حكما معرفيا يقيني, فالمعرفة التي تهدف إلى الفهم الإجمالي في سياق الثورات العربية الحالية غير متاحة أو غير ممكنة ولنترك للأيام والسنوات المقبلة أن تقول كلمتها وتقرر مصيرها.