ثورات أم تصفية حسابات ؟!

رياض حمادي
2012 / 7 / 11

" تصير الثورة محافظة على طريقتها الخاصة، فلا تقاتل من أجل الماضي، بل تقاتل دفاعا عن
الحاضر. ولا شيء يساعدها على ذلك أفضل من اتباع الطرق والأساليب التي مارسها النظام
السابق عليها للمحافظة على ديمومته ". إميل سيوران

" ما من حالة ثورية حقا إلا حالة ما قبل الثورة، عندما ينخرط الناس في العبادة المزدوجة
للمستقبل وللهدم " . إميل سيوران

" هؤلاء الذين يعتقدون أن الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية هي فقط من اختراع مجرمين , فإنهم يغفلون حقيقة أساسية : الأنظمة المجرمة لم ينشئها أُناس مجرمون وإنما أُناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدوا الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الجنة . فأخذوا يدافعون ببسالة عن هذا الطريق , ومن أجل هذا قاموا بإعدام الكثيرين . فيما بعد , أصبح جلياً وواضحاً أكثر من النهار , أن الجنة ليست موجودة وأن المتحمسين كانوا إذاً مجرد سفاحين . " ميلان كونديرا

" انقلاب الأفكار لا يليه مباشرة انقلاب المؤسسات , فالأفكار الجديدة تسكن ولوقت طويل بيت الأفكار السابقة المقوض, لا بل تُعنى به إذ ليس لها مكان تنام فيه. " نيتشه
****

لماذا .... ؟!

أطلقوا عليه " الربيع العربي " ولكنه ربيع مختلف فقد أخذ ورود وزهرات وخلف دماء ومشوهين وعذاب بدلا من أن يمنحنا وروده وأزهاره ومياهه العذبة. وهو ربيع مختلف أنهى خريف بعض البطريركات ولم يكمل مهمته وهو أمر يدعوا للاستغراب .
وجه الغرابة يكمن في أن البلدان العربية كلها خاضعة لقانون وشرط الضغط الذي يولد الانفجار , لكن لماذا انفجرت بلدان ولم تنفجر أخرى ؟!

أليست البلدان الأميرية والمشيخية والملكية والعسكرية والجملوكية عفنة بما فيه الكفاية وتفوح منها رائحة الفساد منذ سنوات وعقود فلماذا لم يمنحها العربي زيارته ؟!
أوليس النظام الغبي في السودان مسئول عن تقسيم البلد إلى دولتين شمال وجنوب ومسئول عن قضية دارفور هذا الإقليم المرشح للانفصال هو الآخر , ومسئول عن الأزمات والمشاكل الاقتصادية والفساد ؟! فلماذا لم يهتف الأزوال هناك " الشعب يريد إسقاط النظام " ؟!!

أوليس الرئيس في الجزائر مجرد ديكور أو بروتوكول سياسي تديره خيوط الاستخبارات والعسكر هؤلاء الذين انتهكوا الدستور ومنحوه فترة رئاسية ثالثة غير شرعية , النهابون لخيرات وثروات الجزائر منذ عقود لدرجة أن يتمنى أحد المعارضين نضوب ثروات الجزائر المعدنية والنفطية لربما حينها ينعم الجزائر بالرخاء , أليس كل هذا الفساد شرط لتفعيل قانون الضغط الذي يولد الانفجار ؟! لماذا لم ينفجر الجزائريون إذن ؟!!

لماذا وقفت السعودية بقضها وقضيضها مع الثورة ضد النظام الليبي أو بكلمة أخرى ضد القذافي وهي تفعل ذات الأمر مع الثورة في سوريا أو مع الأسد بينما وقفت ضد الثورة في البحرين واليمن ومصر ؟!!!
ولماذا وقفت قطر ضد ثورة البحرين وأيدت الثورات في اليمن وليبيا وتونس وتحمست أكثر للثورة في مصر ؟!!!

ولماذا تحمست أمريكا لسقوط النظام المصري وهي تعلم أن القادم إخوان ؟!! ووقفت بقوة السلاح ضد نظام القذافي ؟!! ووقفت شبه صامتة مما يجري في اليمن وأوكلت أمر اليمن والبحرين لربيبتها السعودية ؟!!

ولماذا لا يريد المشروع الصهيوأمريكي ووكيله القطري السعودي سقوط النظام في سوريا ويريدون بدلاً من ذلك إدخال البلد في فوضى وحرب أهلية لأطول فترة ممكنة ؟!!

ليس صحيحا القول بأن أمريكا هي صانعة الثورات ذلك أن المنطقة برمتها مؤهلة ومستعدة وجاهزة لأن تنفجر في أي لحظة فكل الأنظمة العربية نتنة وفاسدة وطاغية بما فيه الكفاية لصنع عشرات الثورات لكن الصحيح أن أمريكا تتبنى من الثورات ما يتناسب مع مصالحها وأجندتها وخططها الإستراتيجية .

أمريكا لم توعز للبوعزيزي أن يحرق نفسه وكان يمكن لهذا الحادث أن يمر مرور الكرام كغيره من مئات العرب الذين أحرقوا ويحرقون أنفسهم , وأمريكا لم توعز لمدينته أن تتظاهر وتثور وكان أيضا لهذه المظاهرات أن تمر مرور الكرام كغيرها من العشرات والمئات من المظاهرات , ثم أنها لم توعز لبقية المدن أن تتظاهر وتثور وكان يمكن أيضا احتواء الوضع في تونس لو لم يتناسب هذا الوضع الثوري مع أجندة أمريكا لرسم خارطة أخرى للمنطقة ذات طبيعة دينية ورائحة عقائدية .

أن يبدأ " الربيع العربي" في تونس التي قطعت شوطا مهما مع العلمانية معناه الثورة على العلمانية التي تحمل بذور تقدم والبدء بمشروع آخر يُنتظر منه أن يعود بتونس القهقري . أولم تسقط القوى العلمانية هناك وصعدت القوى الإسلامية ؟!

رحيل عصر وبدء عصر آخر :

انتهى ذلك العصر الذي كانت تخاف فيه القوى المسيطرة في أمريكا من ثورات دينية إسلامية وكان بديلها دعم الأنظمة القمعية , وانتصر في العقد الأخير تيار الانتصار للشعوب حتى لو كانت النتيجة صعود التيارات الإسلامية , لعلمها بأن الإسلاميين ليسوا مخيفين لهذه الدرجة وقد تم تدجينهم بما فيه الكفاية كي يتعاملوا مع النظام الدولي / الأمريكي ثم أن الإسلاميين – وهذا المهم لديها – لا يحملون مشروعا تقدميا واضحا أو رؤية مستقبلية وسيكونون أداة تأخر للمنطقة لا أداة تقدم وعلى أقل تقدير سيسهم هذا التغيير في خلق نوع من الصراع الداخلي بين القوى الدينية والقوى العلمانية والليبرالية وهو صراع يصب في الأخير في مصلحة الأجندة الأمريكية .

تساءلت سابقا لماذا لم تقف أمريكا ضد الثور الإسلامية الشيعية في إيران في بداية بزوغها ولم تحرك ساكنا إلا بعد وقوف هذه الثورة ضد مصالحها وإعلانها العداء لكل ما هو أمريكي وصهيوني , حينها عملت أمريكا على الحد من تصدير هذه الثورة للبلدان العربية الإسلامية الأخرى . وما زال السؤال قائما , لماذا لم تقف أمريكا ضد الثورة الإسلامية الشيعية الإيرانية منذ بدايتها ؟! صحيح أنها لم تكن ثورة إسلامية محضة فقد شاركت فيها كل القوى الوطنية الإيرانية لكن القوة الدينية كانت هي السائدة . والجواب لأن أمريكا كانت ترى أن القادمون الجدد يحملون فكراً رجعيا كفيل بتأخر إيران لا في تقدمها , ثم أن هؤلاء – وهذا الأهم بالنسبة لأمريكا – يحملون عقيدة شيعية متزمتة وستكون مناسبة لإحياء الصراع القديم الجديد بين الشيعية والسنة وإدخال المنطقة في دوامة صراع عقائدية تؤخر المنطقة وتشغلها عن قضايا التنمية وعما تفعله إسرائيل في فلسطين والمنطقة العربية .

السيناريو على وشك الاكتمال , مع أن السيناريوهات السياسية لا تكتمل فهي متغيرة ومتقلبة ومتجددة وتخضع للتغيرات الجيوسياسية , لكن هناك سيناريوهات مرنة تستوعب التغيرات وحجر السياسة الأمريكي عادة ما يصيب عدة أهداف في آن واحد .

الربيع العربي يثمر أحزابا إسلامية , سنية بالطبع وستكون المعادل الموضوعي للشيعية في إيران وأمريكا تريد من هؤلاء أن يعلنوا الحرب على الشيعة في إيران بعد أن عجزت هي وإسرائيل والغرب عموما عن إعلانها هذا من جهة ومن جهة أخرى وحتى لو لم يعلن هؤلاء الحرب سيؤيدونها فعلا أو صمتاً لو أعلنها غيرهم لأنها حرب ضد عدوهم التاريخي العقائدي اللدود وحتى بدون إعلان الحرب المادية وعلى أقل تقدير فإن صعود السنة في البلدان العربية ستكون فاتحة حرب كلامية وعقائدية متجددة وبالتالي صراع آخر مستمر مثمر بدوره للأجندة الصهيوأمريكية في المنطقة .

لعل السنة يخيبون أمل أمريكا ويكونون مشروع تقدم لا تأخر كما فعل الشيعة في إيران . هكذا سيقول قائل , لكن طبيعة المذاهب السنية تختلف عن طبيعة المذهب الشيعي الإمامي السائد في إيران. ثم أن الحصار وحالة العداء المعلنة ضد إيران هي التي ألهمت مشروع التقدم الإيراني , والسنة منقسمون إلى مذاهب متصارعة – إخوان سلفيين صوفيين وغيرهم - وهذا ليس حاصلا في إيران . ثم أن هذا ليس موضوعنا ويحتاج إلى كثير من التفاصيل .

لأن ....
فلنجب على بعض الأسئلة المطروحة في بداية المقال دون الدخول في كثير من التفاصيل :

وقفت السعودية ضد الثورة في البحرين لأنها ثورة كفيلة بأن تأتي بنظام شيعي . ووقفت ضد الثورة في اليمن لأنها ثورة ستأتي بنظام ديموقراطي ودولة مدنية ستعمل على تقدم البلد وهي قد نذرت نفسها لمنع هذا البلد من التنفس والنهوض . ووقفت ضد الثورة في مصر لنفس السبب الأخير ولسبب آخر هو أن العلاقات بين مبارك والمملكة كانت جيدة ولم يكن هناك أحقاد وضغائن متبادلة .ووقفت مع الثورة أو الفوضى في سوريا بسبب أن رأس النظام شيعي علوي ومتحالف مع عدوتها العقائدية إيران وهي تسعى تماهيا مع المخطط الصهيوأمريكي لإنهاء هذا التحالف . ووقفت بقوة مع الثورة ضد نظام القذافي بسبب من الضغائن والأحقاد المتراكمة بين العائلتين , والعائلة الملكية لم تنسى الألفاظ البذيئة والنقد الجارح الذي وجهه لهم القذافي في مناسبات مختلفة والربيع العربي يمنحهم فرصة للانتقام .

وأوكلت أمريكا أمر ثورة البحرين واليمن للسعودية بسبب أن هاتين الثورتين أو هذين البلدين لا يشكلان أهمية كبرى للمشروع الصهيوأمريكي والنتيجة أن اليمن اليوم خاضعة لاحتلال من نوع آخر : حماية ووصاية أمريكية , والسفير الأمريكي يحكمها بالآي باد من سفارة بلاده في العاصمة صنعاء .
وتحمست قطر للثورات العربية المشتعلة – باستثناء البحرينية - بسبب أن هذه الثورات لا تتعارض مع مصلحتها وتحمست أكثر للثورة المصرية بسبب سوء العلاقات بل قل الأحقاد بين مبارك والأمير , كما أن قطر أصبحت الوكيلة المشاركة – مع السعودية – للمشاريع الصهيوأمريكية في المنطقة , وهذا يقودنا لتحمس أمريكا لبعض الثورات العربية التي تخدم هذا المشروع وقد فصلنا جزءً منه أعلاه .

هذا المشروع الذي تديره أمريكا ووكيلها السعودي القطري في المنطقة لا يريد إسقاط النظام في سوريا في الحال ويسعى لإحلال الفوضى لأطول فترة ممكنة وذلك لاستنزاف البلد وحليفه الإيراني تمهيدا للخطوة القادمة , الاستفراد بإيران وربما إعلان الحرب عليها .

هي حرب أحقاد وعقائد ومصالح وتصفية حسابات قديمة , وأمريكا أيضا لم تنسى احتجاز مواطنيها في سفارتهم في إيران إبان الثورة الإيرانية ولم تطوي قصة فشلها في تصفية الثورة الشيعية أو إضعافها إبان الحرب العراقية الإيرانية فالسياسة الأمريكية وقتها اقتضت " نصف هزيمة لإيران ونصف انتصار للعراق " كما اقتضت استنزاف البلدين لأطول فترة ممكنة . ثم أن إيران تحرز تقدما في مجال الصناعات والعلوم مما يجعلها تشكل دولة إقليمية قوية وهذا لا يصب في مصلحة إسرائيل وقد آن أوان إرجاعها عشرات السنوات إلى الوراء مثلما فعلوا مع العراق .

خرجت إيران والعراق بعد ثمان سنوات من الحرب وما زالتا تشكلان خطراً على هذا المشروع فكانت الحرب على العراق سهلة أعادتها عشرات السنوات إلى الوراء , لكن الحرب على إيران ليست بهذه السهولة ويراد إدخال العنصر العقائدي فيها لضمان نجاحها وهذا يتطلب دولاً وأنظمة إسلامية سنية وقد آن الأوان لربيع عربي مقتضب في بعض الدول العربية التي تشكل قيمة سياسية مثل مصر مثلا . والحال – بدون ربيع عربي - أن ليبيا القذافي لم تكن لتقف مع حرب كهذه وتونس تشغلها علمانيتها عن تأييدها , والحلف السوري الإيراني في أوج قوته .

إيران رحبت بالربيع العربي واعتبرته نهضة إسلامية رغم علمها بأن القادم إسلام سني وهي بذلك تضرب مثلا إضافيا في تحليها بروح السياسة وتخليها عن روح العقائد فهل ستتحلى الأنظمة السنية القادمة بنفس السياسة؟ ومع ما قدمت له أعلاه من اختلاف طبيعة المذهبين السني والشيعي تبقى المخاوف مشروعة من أن يتحول الربيع العربي إلى شتاء قارس , ويبقى السؤال مطروحاً , هل يمكن أن تخيب القوى الإسلامية السُنية الصاعدة والمسيطرة أمل المشروع الصهيوأمريكي وتبدأ مشروع تصالح وتفاهم مع المذهب الشيعي في إيران وتقدم مصالحها على خلافاتها المذهبية والعقائدية ؟!