ومضات نقدية في إبداع غسان كنفاني

عمر عتيق
2012 / 7 / 9


أُدركُ أن ما سأقوله يعد حروفا مبعثرة أمام أسفار إبداع غسان كنفاني الذي جسد شمولية الفن في إبداعاته وحقق تضافر الفنون في الرواية والمسرحية والنقد و المقال الصحافي والرسم والفلسفة والفكر . فقد أبدع في صهر الفكر والفلسفة في المتن الروائي مما جعل رواياته كنوزا فكرية ثقافية . من أبرز الأيقونات الفكرية التي تتجلى في رواياته هي الوطن والثورة والعودة والحرية والشهادة ( الموت ) . ومن حسن العزاء لنا أن نستذكر بعض الإشراقات الفكرية التي وردت في حنايا رواياته ، تلك الإشراقات التي أضحت مبادئ وشعارات تختزل الثوابت الوطنية في الخطاب الثقافي الفلسطيني ، ففي فلسفة الحياة والموت يقول غسان : (لا تمت قبل أن تكون. ندا) و(إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين ) و(إن الموت السلبي للمقهورين و المظلومين مجرد انتحار و هروب وخيبة و فشل...) هكذا تتجلى فلسفة الحياة والموت في أدب كنفاني ؛ إذ تؤسس هذه الأقوال ثقافة للحياة ...ثقافة تقتضي أن يكون للإنسان رسالة يحقق بها ذاته ، وأن يكون له قضية يحيا من أجلها ويموت من أجلها ما دام الموت أمرا حتميا .. وبهذا المعنى يصبح الموت من أجل رسالة وقضية.. حياة للآخرين . وفي هذا السياق يقول غسان : (إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية )
. والموت في أدب غسان ليس فناء ، بل هو بداية حياة ، الموت في فكره غياب وحضور ؛ غياب فرد وحضور جماعة .. انكسار مؤقت وانتصار دائم ...لذلك حظي الشهيد في رواياته بفضاء مقدس ، وبدت الكتابة الإبداعية أمام عظمة الشهيد خجولة وصغيرة القدر والشأن ، وفي هذا يقول غسان : ( إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ) .
ولا تنفصل ثقافة الموت عن فلسفة الثورة ما دام الإنسان خُلق ليثور على القهر والظلم ، ويتجلى هذا التعالق الوجودي بين ثقافة الموت وفلسفة الثورة بقول غسان : ((الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت..الثورة وحدها هي التي توجه الموت..و تستخدمه )).
ويرصد غسان كنفاني ثنائية الثابت والمتحول في الخريطة السياسية والخطاب الفكري للمقاومة ، الثابت الذي يتجسد بالوطن بتجلياته التي يشكلها النزوح والاحتلال واللجوء والمنفى والمقاومة والعودة ، والمتغير الذي يتجسد بالرؤى السياسية للتيارات والأحزاب الفكرية ، وقد يمتد المتغير إلى مواقف بعض القادة الذين أخرجوا قطار المقاومة عن مساره الوطني ، وقد عبر كنفاني عن ثنائية الثابت والمتغير بقوله : ( إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية ) .
وقد تهافتت أقلام النقاد والمفكرين لوصف الأبعاد الإنسانية والفضاءات الوطنية في إبداعات كنفاني ، ولعل ما يجسد القامة الشامخة لكنفاني ما سطره محمود درويش في قوله : ((كان الفلسطيني الوحيد الذي أعطى الجواب القاطع الساطع، وكانت الشهادة شهادة، وكأنه أحد النادرين الذين أعطوا الحبر زخم الدم، وفي وسعنا أن نقول أن غسان قد نقل الحبر إلى مرتبة الشرف وأعطاه قيمة الدم، كان غسان كنفاني يعرف لماذا يكتب ولمن يكتب ولكنه كان يعرف أيضا أن قيمة هاتين المسألتين مشروطة لإنتاج الفن بإتقان تطبيق المسألة الأخرى كيف يكتب)) .

ولا تتسع هذه المداخلة للحديث عن الفضاء النقدي لإبداعات غسان كنفاني ، فقد كُتب الكثير عن رواياته ، وما زالت بنيتها السردية وتقنياتها الفنية تثير شهوة النقاد ...وتشكل غير رواية تحديا منهجيا نقديا انطلاقا من أنها نصوص خالدة لا يُطفئ الزمنُ توهجها . وسأشير في هذه المداخلة إلى بعض الإضاءات النقدية لتكون وميضا خاطفا على بعض رواياته ، وبخاصة الثالوث الروائي المتكامل الذي يتمثل بروايات رجال في الشمس و ما تبقى لكم و أم سعد ؛ فالروايات الثلاث تشكل نسيجا فكريا تطوريا في الفكر البنيوي للمقاومة الفلسطينية ، وترصد تحول القضية الفلسطينية من مرحلة االنزوح واللجوء والمنفى في رواية رجال في الشمس( 1963 ) التي تصور محاولة الفلسطيني نفض غبار القهر والذل والجوع في مخيمات الشتات ، فيمضي نحو جنائن النعيم والخيرات ( الكويت ) ، لكنه لم يفلح في الوصول إليها فيموت مخنوقا في الخزان في وسط صحراء تفيض بخيرات النفط ، فرجال في الشمس تجسد محاولة التغيير الفاشلة التي أدت إلى الموت . أما رواية ما تبقى لكم(1966 ) التي سطرت حكاية النزوح واللجوء فتجسد مرحلة الاستعداد للمواجهة التي تتمثل بتصدي حامد في وسط صحراء النقب لجندي الاحتلال وتصدي شقيقته ( مريم ) لزكريا رمز الخيانة والرذيلة ، واللافت أن الصحراء تشكل ثنائية دلالية تحولية ففي رجال في الشمس كانت معادلا سلبيا لمحاولة الثورة على المنفى والجوع ، أما في ما تبقى لكم فالصحراء معادل ايجابي ؛ لأن حامد تغلب على خوفه وتردده فقهر الصحراء وتغلب على الجندي . أما رواية أم سعد( 1969 ) فهي الرصاصة التي أضاءت فضاء العودة في أدب المقاومة لدى غسان كنفاني ؛ فغصن الدالية اليابس الذي زرعته أم سعد أثمر عنبا ... فالهزيمة لا بد أن تتحول إلى نصر .. والانكسار إلى انتصار . وهي الرواية التي مهدت لرواية ( عائد إلى حيفا 1970 ) .