القراءة الرمزية والعلمية للنصوص المقدسة

رياض حمادي
2012 / 6 / 13

" لقد ظلت محاولات مصالحة الدين مع العلم ماثلة في جدول الأعمال الدينية لعدة قرون – وعلى الأقل بالنسبة لأولئك الذين لم يصروا على حرفية الكتاب المقدس أو القرآن دون إفساح السبيل للمجاز والاستعارة." كارل ساجان – عالم تسكنه الشياطين
***

قد يكون التأويل والقراءة الرمزية وسيلة لترقيع النص المقدس وسدا لثغراته, لكنه في نفس الوقت لفتا لانتباه المؤمن الحرفي بأن هناك قراءة أخرى لنصه المقدس غير التي اعتاد أو عُوِّد عليها, وهذا سيُعَدُ محصلةً للفت انتباهه إلى ما بين القرائتين الحرفية والتأويلية الرمزية من تباين. ولعل القراءة الأخيرة تكون الوسيلة الأجدى للفت نظره إلى ثقوب نصه المقدس, تلك الثقوب التي لم يكن ليراها لو لم يطلع على القراءة الرمزية التأويلية . وبهذا لن يُسهم التأويل الرمزي في تطويل عمر النص المقدس بل على العكس سيُعد تعجيلا في تقصيره, أو على الأقل زحزحته من مرتبة المرجعية الأولى .

يبدوا أن هذه المسألة حاضرة في اللاوعي النخبوي والجمعي لجماعة المؤمنين لذلك يرفض الكثير منهم هذه القراءة الرمزية المجازية وحتى العلمية لكتابهم المقدس , كما في مثال الشيخ عبدالعزيز بن باز " الذي كان أصدر في عام 1982 كتابا يحمل هذا العنوان الدال " الأدلة النقلية والحسية على سكون الأرض " وفيه أفتى بضلال من يقول " بدوران الأرض حول الشمس " لأن هذا القول " مخالف للأدلة السمعية والحسية ويُفضي إلى تكذيب الرسل وعدم الثقة بأخبارهم " وفضلاً عن أنه " مخالف للنصوص والمنقول ... فإنه مخالف للمشاهد المحسوس ومكابرة للمعقول والواقع " , إذ " لو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والجبال والأشجار والأنهار والبحار لا قرار لها ... " " . (1)

ولكنها مسألة وقت حيث لا تسهم هذه القراءة وحدها في تعرية النصوص المقدسة وإنما يسبقها في الأهمية - وعلى نحو غير مباشر أو غير مقصود - العلم الذي أسهم في تفسير كثير من الظواهر التي وقف عندها الدين إما عاجزا أو مفسرا لها تفسيرا خاطئاً .

وعيا منهم بأهمية العلم ولكي يتداركوا الثغرة التي أحدثها العلم في جدار الدين فقد شرع جماعة من المؤمنين بخطوات "تجييرية" لجهود العلم والعلماء لصالح نصوصهم المقدسة, فخرجوا بما يسمى بالإعجاز العلمي للكتب المقدسة والسبق التاريخي للعلم . وهي خطوة تبدوا للوهلة الأولى في صالح الدين حيث تعمل على طمأنة جماعة المؤمنين – العقلانيين - إلى أن كتبهم المقدسة تتفق مع العلم وتحظى بتأييده وتجعله تابعا لها فهي على ذلك صحيحة ويقينية كونها أتت قبل العلم .
هم بذلك يفهمون النظرية العلمية على أنها "حقيقة". لكن المشتغلين في مجال العلوم – العلماء- لا ينظرون إلى النظريات على أنها "حقائق"، وإنما "هي تفسيرات منضبطة تبقى صالحة حتى يقترح العلماء نظريات أكثر دقة منها". وعليه فالعلم الذي أسهم في توطيد أقدام الدين, من خلال قراءته أو استخدامه على النحو الذي سبق, هو نفسه الذي سيعمل على هدم أركانه, أو على الأقل زحزحته عن الصدارة, ومن خلال نفس المدخل العلمي المعتمد من قبل جماعة الإعجاز العلمي .

ليست مهمة العلم إثبات وجود الله أو إثبات عدم وجوده, فالعلم يحاول أن يفسر الأمور لا أن يحكم عليها . فهدفه الفهم والمعرفة واكتشاف القوانين المسيرة للكون . لكن نتائج العلم أفضت إلى فضح الأديان التي كانت قد أدلت بدلوها في تفسير بعض الظواهر الطبيعية وتبين مدى أخطائها وبالتالي زيف نصوصها التي ادعت بأنها من لدن عليم خبير (2). لذلك سعت الأديان إلى اللهاث وراء العلوم والأكل من ثمراتها تداركا منها للموقف. ولكي يتجنب رجال الدين نتائج معركتهم الخاسرة مع العلم راحوا يدَّعون عدم التعارض بين الأديان وبين العلم وانبرى فريق منهم إلى محاولات التوفيق بين الدين والعلم من جهة وتأكيد أسبقية الأديان للعلوم من جهة أخرى (3). وهي كلها محاولات مفضوحة الهدف منها تجبير شروخ الأديان وترقيع بنيان الإيمان وتطمين المؤمن الحيران ومده بوسائل للإبقاء على رمق إيمانه الموشك على الانهيار.

ومع ذلك لا أريد تصوير الأمر وكأنها معركة حياة أو موت بين الدين والعلم فهناك مناطق مشتركة بينهما وأدوار يمكن أن يلعبها الطرفين معا وهما في هذا السياق كل في حاجة للآخر " فالكثير من الأديان المكرسة للتوقير والهيبة والأخلاقيات والطقوس والمجتمع والعائلة والإحسان والعدالة الاقتصادية والسياسية, لا تلقى بأي شكل تحديا من قبل الاكتشافات العلمية , بل ترفع من شأنها " كما يؤكد كارل ساجان. وهو نفس المعنى الذي يؤكده فؤاد زكريا, حيث يؤكد أن العلم " ليس قوة معادية لأي شيء ولا منافسة لأي شيء والعالم شخص لا يهدد أحدا ولا يسعى إلى السيطرة على أحد. وكل المعارك التي حورب فيها العلم والعلماء كانت معارك أساء فيها الآخرون فهم العلم , ولم يكن العلم ولا أصحابه هم المسئولون عنها. وأعظم خطأ يرتكبه المدافعون عن مبدأ معين أو عن ضرب من ضروب النشاط الروحي للإنسان , هو أن يعتقدوا أن العلم مصدر خطر عليهم , ويضعوا مبدأهم أو نشاطهم الروحي في خصومه مع العلم . " (4)

يمكن حصر المشكلات التي تواجه المنطقة العربية والإسلامية في قضية واحدة وهي أن العلم لا يعد المرجعية الرئيسية بالرغم من أن الفكر الديني ينهل من هذا المنبع فالدين يأخذ من العلم ما يناسبه على نحو انتقائي وليس مرجعي . ولهذا يسود في ثقافتنا التفكير الديني لا التفكير العلمي . الخلاف في المرجعيات إذن, فالعقل والبرهان والتجربة مرجعية العلم, بينما الله والفقهاء مرجعية الدين والمتدينين , ولذلك تكتسب أقوالهم مصداقية وتعد حقيقة أقوى من الحقائق العلمية. مع أنه لا وجود لحقائق ثابتة مطلقة في العلم, بل هي حقائق نسبية, بينما حقائق الدين - من وجهة نظر المؤمنين– حقائق سرمدية أبدية مطلقة. من هنا تأتي صعوبة التوفيق التام بين العلم والدين من جهة, وربما لهذا السبب تسلم المجتمعات المؤمنة زمام أمورها للدين, حيث يعتقدون أنه من الخطأ الاعتماد على حقائق العلم وهي على هذا النحو من عدم اليقين. لكن شتان بين عدم يقين مثبت بالتجربة وبين يقين لا يمكن إثباته أصلاً .

جوهر الصراع القائم بين العلم والدين – وهو صراع من طرف واحد - ليس في إثبات العلم لحقائق تتنافى مع التفسير الديني لها بل في عدم الاعتراف بالخطأ من قبل ممثلي الأديان أو في التأخر في إعلان هذا الاعتراف وهي مسألة تستمر مع كل اكتشاف جديد يحققه العلم . ولا يكفي أن تؤكد بعض الأديان أو أتباعها على أهمية العقل والعلم على نحو نظري بل يجب أن تحيل إليه كمرجعية أولى وعلى نحو عملي . فالقول بعناية الأديان بالعقل والعلم قول لا يكتمل مالم يكن المعنى جعلهما المرجعية الأولى. لقد تجاوزت أوروبا الصراع بين العلم والإيمان ذلك أنها استقرت على مرجعية أساسية هي العلم بينما لم تحسم هذه المرجعية لصالح العلم عندنا .

إن أي تنبؤ بزوال أو اندثار الأديان نتيجة لانتشار وتقدم العلم والتفكير العلمي لن يكون إلا تنجيما وشعوذة وذلك لسببين – من وجهة نظري – الأول هو وجود نخب علمية متدينة, في عصرنا العلمي , تولي التدين والإيمان جانبا مهما من حياتها . والثاني أن الإيمان مرتبط بأمزجة ووجدان الناس وهذه لا يمكن قراءتها قراءة علمية مستقبلية تفضي إلى نتيجة يقبلها العقل. أقصى ما يمكن أن يحدثه شيوع العلم والتفكير العلمي بين العوام هو زحزحة الدين جانبا من مرتبة المرجعية الأولى , وجعل العلم يحتل هذه المرتبة .
________________________________________________
هوامش :
(1) جورج طرابيشي – المعجزة أو سبات العقل في الإسلام .

(2) "غالبا ما يكون التراث الديني للأديان المختلفة ثريا ومتنوعا كثيرا حتى يمنح فرصة ضخمة للتجدد والمراجعة, مرة أخرى, خاصة حين يمكن تفسير كتبها المقدسة بشكل مجازي استعاري . وهكذا, توجد منطقة وسطى للاعتراف بأخطاء الماضي كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عام 1992 حين اعترفت آخر الأمر بأن جاليليو كان على حق في أن الأرض تدور حول الشمس " كارل ساجان – عالم تسكنه الشياطين.

(3) " اضطلع توما الإكويني في كتابه "موجز اللاهوت : بمهمة التوفيق في 631 مسألة بين المصادر المسيحية والمصادر الكلاسيكية ... وكان توما كثيرا ما يلجأ إلى التفكير السليم البسيط وإلى العلم فيستخدمه كوسيلة لإصلاح الخطأ , مع بعض اللي أو التحريف في كل من التفكير السليم والعلم وبذلك استطاع أن يوفق بين جميع الإشكاليات البالغ عددها 631 إشكالية ( مع أنه حين جد الجد كانت الإجابة المرغوبة مفترضة ببساطة, إذ كان الإيمان دائما يستأثر بالموافقة دون العقل ) وثمة محاولات شبيهة تتغلغل في الكتابات اليهودية التلمودية وما بعد التلمودية وكذلك في الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى . " المرجع السابق

(4) فؤاد زكريا – التفكير العلمي.