صدى البرباغاندا المخزنية

الشهيد كسيلة
2012 / 6 / 12

كان حدث استقلال جنوب السودان قد خلف تداعيات هنا وهناك وطبيعي أن تحدث تلك التداعيات في الجوار السوداني وفي القرن الأفريقي ... لكن أن تمتد تلك التداعيات إلى شمال غرب أفريقيا وبالذات إلى الجزائر فإنّ الأمر يستحقّ منا وقفة لاستجلاء ما يدور هنا وهناك من مغالطات يريد لها أصحابها أن تمرّر على أنها حقائق.
شكلت مساحة الجزائر (التي أصبحت الأولى في المساحة عربيا وأفريقيّاً بعد استقلال جنوب السودان) هاجسا لبعض المؤدلجين من دول الجوار وأصبح البعض يجهر بهلوساته هنا وهناك في بعض منابر أرصفة السياسات البائسة، فبالأمس قرأنا في صحف المخزن الصفراء أن الجزائر "كيان" مستحدث وأنها دولة من صنع الاستعمار الفرنسي وعمرها لا يكاد يتعدى نصف القرن ... وأنها عبارة عن جغرافيا غير متجانسة وشعوب ليس بينها قواسم مشتركة ... مع أن الشعب في الجزائر لا يختلف عن شفيفة الشعب المغربي ..... إلى غير ذلك من الهلوسات والأراجيف التي تصل حدّ الخرف.
يفاخر القوم بسلالة حاكمة قروسطية وكأن استبداد القرون الوسطى وشعوذة الأنساب المنحولة فيها ما يفاخر به هؤلاء، وهم لم يتخلصوا من عبودية مخزن الاسترقاق والعبودية وتقبيل اليد في ذلك المنظر المهين لرجالات المملكة وقد اشتعلت رؤوسهم شيبا وانحنت ظهورهم من الشيخوخة وهم يتهافتون على تقبيل اليد الملكية وصاحبها يسحبها بعنجهية !
يا قوم قبل ان تفاخروا الجزائر بنظام عبودي تصفحوا التاريخ ليقول لكم أن من حكم المغرب قبل الاسلام هو يوبا الأول أصيل السلالة الملكية الماسيلية Dynastie Massyle الجزائرية ، وعبد المؤمن بن علي باني الدولة الموحدية أصيل قبيلة كومية الجزائرية فأين هذه العراقة التي تفاخرون بها الجزائر وهي التي خرج منها بناة الشمال الأفريقي قديما وحديثا.
كنا نظن أنّ الأمر لا يتجاوز بروباغاندا المخزن عند جيراننا في الغرب ، لكن يبدو أنّ البراباغاندا إياها وجدت بعض البائسين الذين تلقفوها لدى جيراننا في الشرق فهذا المسمى أبو "يعرب" المرزوقي المعروف بشوقينيته وبعثيته يرفع عقيرته في الندوة التي أقيمت بالجامعة التونسية وفي سجال بينه وبين الأستاذ المرموق عبد المجيد الشرفي – بالقول أنّ حدود تونس كانت تتجاوز قسنطينة غربا
يا لخيبة هؤلاء المؤدلجين سجناء عصور الاماء والجواري وقهر الشعوب ودعاة إعادة "بعث" الإمبراطورية الأموية العنصرية/ وهذا الـ "ابو يعرب" واحد منهم يصرح أمام طلبة الجامعة التونسية أن نصف الجزائر اقتطع من تونس فماذا يريد من طلبة تونس ... هل هي دعوة لاسترجاع "أقاليم" بذات أسلوب البروباغاندا المخزنية .
نقول لأبي يعرب هذا وغيره أنكم في تونس تبنيتم قرطاج كهوية ومرجعية لتاريخكم وقرطاج تأسست على تراب الملكية الماسيلية الجزائرية وكان تجار قرطاج من الجالية الفينيقية يدفعون أتاوة للملوك الماسيل مقابل نشاطهم التجاري، وحتى عندما كوّنت قرطاج إقليما لها خارج أسوار المدينة لم تكن تلك الحدود تتجاوز الخندق الملكي فيما يسمى اليوم بالساحل على أكثر تقدير وباقي تونس كان جزءا من المملكة الماسلية "الجزائرية".
أما أن تتخذوا من العهد الحفصي مرجعية فإنّ التاريخ لا يبدأ من العهد الحفصي والاستهزاء من الحدود السياسية بين دول المنطقة يذكّرنا بأفكار المقبور القدافي وبمسرحيات البعث الدمشقي (غربستان وشرقستان) التي تبشر بإعادة بعث الدولة "الأموية" من جديد تحت شعار الوحدة العربية، وإذا شئنا أن نتكلم في الأصول فإن الحفصيين مصامدة قدموا من السوس الأقصى ولا تنسوا أن مؤسس الحركة الوطنية التونسية الحديثة هو الثعالبي أصيل الجزائر.
تاريخنا في الجزائر والمغرب وتونس واحد ومشترك هذا لا نقاش فيه، لكن علينا أن نتحلى بأخلاق الاحترام المتبادل، إذا أردنا فعلا أن نبني فضاء إقليميا قويا، وكفى من التحريض وشحن الطلبة في الجامعات وهم رجال الغد بأغاليط وأفكار شوفينية ضيّقة والحاضر أولى من الماضي وإمبراطورية بني أمية ولت إلى غير رجعة، والجزائر هي الأخ الأكبر الذي يعرف واجباته تجاه إخوته، وحيث أنها كذلك فإنّ من مكارم الأخلاق ألاّ يقابلوا الأخ الأكبر بالعقوق والجحود.