حل لمشكلة التناقض في النصوص الإسلامية

رياض حمادي
2012 / 6 / 8

التناقض حل وليس مشكلة :

هناك من قضى عمره في الدفاع عن التناقض في القرآن محاولا إثبات عدم وجوده بطرق تأويلية ملتوية حجتهم في ذلك الآية " { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82

التناقض في القرآن – في كثير من القضايا - من الكثرة والوضوح بحيث لا يتيح المجال للدفاع عنه. وعندما يكون التناقض على هذا النحو ينبغي التفكير بطرق مختلفة لا في الدفاع عن عدم وجوده . وجهة نظري - التي لم يسبق لي أن اطلعت على مثيل لها - ترى أن التناقض حل وليس مشكلة . فالنص القرآني أتى لحل تناقضات الواقع – أو الواقع المتناقض - في سياقات تاريخية مختلفة ومتغيرة وحل هذه التناقضات لا يمكن أن يكون بدون نص متناقض ذلك أن إرضاء جميع الأطراف يتطلب المرونة والتعارض والتناقض. هذا التناقض يقدم حلولا ترضي الأطراف المتناقضة. أما الآية التي يستشهدون بها على تأكيد القرآن لعدم تعارضه فهي تشير إلى عدم وجود الاختلاف لا إلى عدم وجود التناقض. والاختلاف لا يعني التناقض. كما أن وجود آية في نص تنفي وجود اختلاف أو تناقض في هذا النص ليست دليلا على نفي وجود الاختلاف أو التناقض .

التناقض القرآني المشار إليه في سياق موضوع نظرية التطور مثلاً يعطي الطرفين المتناقضين أدلة تدعم توجهاتهم فمن كان يؤمن بتطور المخلوقات من خلية أولية سيجد نصوصا تدعم توجهه – مثلما فعل صاحب كتاب " أبي آدم " - الدكتور عبد الصبور شاهين الذي قال بالتطور الموجه . ومن كان لا يؤمن بمثل هذا التطور ويؤمن بالخلق الكامل / الجاهز / المستقل من قبل الله سيجد أيضا نصوصاً تدعم اعتقاده . هذا التناقض يكون حلا لسببين :

الأول أنه يحيلنا إلى البحث عن طرف ثالث محايد هو العلم لحسم هذا التناقض وكأن تناقض القرآن الهدف منه إحالتنا إلى العلم . أو التعامل مع الحالة في سياق التاريخ المعاش لا في سياق الميتاتاريخ ( الحالة التاريخية في سياقها القرآني )

والسبب الثاني أن التناقض هنا أو في غيره من القضايا الأخرى , يؤصل لمنهج ولا يؤسس لحالات محددة يُحتذى بها. وكأن النص "المقدس" يعطينا الإذن للتناقض معه في سبيل الخروج بحل لأي معضلة تواجهنا . ليس الهدف من التناقض تثبيت الحالات المتناقضة لتكون مقدسة أو صالحة لكل زمان ومكان بل الهدف منه تأسيس أو تأصيل منهج للخروج بحلول ولو عن طريق التناقض المستمر.

والخلاصة إما أن هناك تطور للخلق وبالتالي تكون مرجعيتنا علمية للحكم على هذا التطور أو أنه لا وجود لهذا التطور وهنا ستكون مرجعيتنا دينية بحتة وعليكم اختيار مرجعيتكم . في القرآن هناك نصوص تتطابق مع العلم ونصوص تعارضه , سواء في نفس القضية أو في قضايا مختلفة , وللخروج من معضلة التعارض أو التناقض في القضايا الدنيوية علينا بتحديد المرجعية, مرجعية العلم أم مرجعية النص المقدس .

نسخ القرآن للقرآن - أو تناقضه – ونسخ السنة للقرآن – أو تناقضها معه – هو تأسيس لمنهج النسخ أو التناقض المستمر . وبهذا لا تكون الشريعة الإسلامية أو هي بهذا المنهج لم ترد لنفسها أن تكون منهجا للتشريع الثابت . بكلمة أخرى الشريعة الإسلامية ليست إطارا ثابتا لمحتوى ثابت إذ سرعان ما يتغير المحتوى ينمو ويتطور ويتضخم وهو ما يستدعي تكيف الإطار معه . وفي حال أقررنا بتأطير التشريع الإسلامي فإن هذا الإطار من المرونة بحيث يسمح بتمدده إلى حدود غير متوقعة طالما يضع نصب عينيه مصلحة الناس في الزمان والمكان المتغيرين باستمرار . وبهذا يمكن القول أن الرسالة لم تنتهي بتوقف الوحي – الرسالة - أو بموت الرسول . ولا يمكن الحديث عن اكتمال الرسالة إلا باكتمال المنهج , ذلك المنهج المرن غير الثابت والذي يسمح لنفسه بمناقضة نفسه .