القرآن في الإسلام (بحث في معصومية القرآن وموثوقيته)

إبراهيم جركس
2012 / 6 / 7



القرآن في الإسلام
بحث في مصداقية وسلامة القرآن
تأليف: وليم غولدساك
1906
ترجمة: إبراهيم جركس
2010
THE QURAN IN ISLAM
AN INQUIRY INTO THE INTEGRITY
OF THE QURAN
BY THE
Rev. W. GOLDSACK
THE CHRISTIAN LITERATURE SOCIETY
LONDON, MADRAS AND COLOMBO 1906
1906
المحتويات
المقدّمة
الفصل الأول: القراءات السبعة
الفصل الثاني: تنقيح أبو بكر وعثمان للقرآن
الفصل الثالث: قراءة ابن مسعود
الفصل الرابع: شهادة الإمام حسين حول القراءات المختلفة للقرآن
الفصل الخامس: شهادة القاضي البيضاوي حول القراءات المختلفة للقرآن
الفصل السابع: شهادة التراث على القرآن


مقدّمة
القرآن أساس الإسلام وأسّه. حيث أنّ المحمديون يعاملون هذا الكتاب باحترام وإجلال كبيرين، كما يطلقون عليه الكثير من الألقاب والتسميات المبجّلة. أهمّ تسمية من بين تلك التسميات الكثيرة قد تكون "الفرقان"، "القرآن المجيد"، "القرآن الشريف"، "الكتاب"، [والقرآن الكريم]. والاعتقاد الشائع عند المسلمين أنّ القرآن كلمة الله غير المخلوقة والمعصومة، والتي أنزلها على نبيّه محمد عن طريق الملاك جبريل. يزعم الكثيرون أنّ القرآن العربي لا يمكن مجاراته أو الإتيان بمثله في تاريخ الأدب، حتى أنّ محمداً نفسه تحدّى الكفّار أن يأتوا بمثله من خلال هذه الآية:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة 2: 23]
لاشكّ أنّ لغة القرآن تبدو جميلة وأخّاذة في أماكن معيّنة، إلا أنّنا يمكننا ملاحظة أنّ هناك الكثير من المفاهيم والمعتقدات الدينية اليهودية والمسيحية التي تشغل مساحة ليست بالقليلة ضمن النص القرآني. وهذه الإشارات الكثيرة إلى هذه الأديان السالفة قد تكون مفيدة، وتظهر لنا أنّ محمداً لم يقدّم نفسه كمؤسّس لمنظومة دينية جديدة كمشرّع لذلك الدين الإبراهيمي الذي كان منتشراً في المنطقة منذ البداية. الإشارات التي تضمّنها كتاب محمد إلى الكتابات المقدّسة اليهودية والمسيحية أيضاً تبيّن لنا أنّ القرآن لا يزعم أنّه يبطل هذه الكتب أو يحلّ محلّها كأن يثبتها مثلاً أو يؤكّدها. آيات من هذا النوع يمكن إيجادها في جميع سور القرآن، طبعاً معظم التبجيل ينصبّ على كلٍ من التوراة والإنجيل، وكثيراً ما يشار إلى أنّ هذه الكتب تستحق الإيمان والطاعة. لذلك من المستغرب أنّ _بالرغم من هذه الحقيقة_ المسلمون اليوم كثيراً ما يتحدّثون عن أنّ كتب اليهود والمسيحيين هي كتب "محرّفة"، وبذلك غير جديرة بالاهتمام والنظر فيها اليوم. أمّا السبب وراء هذا الموقف فواضح جداً، إذ أنّ مقارنة عادلة بين الكتاب المقدسّ المسيحي والإسلامي تبيّن أنّ القرآن، والذي يزعم أنّه يثبت الكتب السابقة ويكمّلها، يختلف عنها اختلافاً كبيراً.
لذلك لطالما حاول المحمديون إيجاد الوسائل والأساليب المناسبة لإنكار صلاحية ومصداقية التوراة والإنجيل، لتبرير هذا التناقض. والسؤال هنا: إلى أي مدى تمّ تحريف القرآن منذ أن قام نبي الإسلام بأسر عرب الجزيرة بفصاحته، إذ يبدو أنّ هذه المسألة لم ينظر إليها بشكل جدي من قبل علماء المسلمين المحدثين، ومع ذلك فمعرفة طفيفة في التاريخ والأدب العربيين تظهر لنا حقيقة أنّ القرآن الحالي بعيد كل البعد عن كونه الكتاب الكامل والنسخة الأصلية عن ذلك المصحف الذي لقّنه محمد لأتباعه. في الصفحات التالية سنكمل تأسيسنا لحقيقة أخذناها من أوثق المصادر الإسلامية وأكثرها اعتماداً، وسنبيّن الحقيقة التي مفادها أنّ القرآن الحالي الذي بين أيدينا الآن تمّ تحريفه وتشويهه والتلاعب به إلى حدٍ كبير منذ زمن محمد لدرجة أنّه لم يعد موثوقاً، وبات مشكوكاً به وبأصالته كونه ذلك الكتاب الذي لقّنه محمد لأصحابه.



الفصل الأول
القراءات السبعة
لم يقدّم محمد القرآن دفعة واحدة بل طرحه تدريجياً حسب ما تطلّبته الظروف الزمانية والمكانية، خلال مدّة من الزمن تبلغ حوالي 23 عاماً. وحتى خلال تلك الفترة، لم يكن أصحابه المقرّبين قد جمعوا كامل المادّة القرآنية ودوّنوها، إذ أنّهم حفظوا قسماً منها، وتمّ تدوين أخرى على مواد مثل سعف النخيل، الجلود، الأحجار المسطّحة، وإلى ما هنالك، لكن سرعان ما ظهرت الاختلافات والتباينات، حيث يخبرنا التراث أنّه خلال فترة زمنية قصيرة ظهرت اختلافات جذرية وجوهرية في قراءة القرآن، اختلافات لا تنحصر فقط على اللفظ كما يحاول البعض إقناعنا. إذ أننا نقرأ في كتاب تراثي معروف على نطاق واسع بعنوان "مشكاة المصابيح"، ضمن فصل عنوانه "فضائل القرآن" ما يلي:
((عن عمر بن الخطّاب قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقرأ فيها فكدّت أن أعجل عليه ثمّ أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأت فيها. فقال رسول الله صلعم: أرسله يقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلعم: هكذا أنزلت. ثمّ قال لي: اقرأ. فقرأت. فقال: هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوها ما تيسّر منه. [متّفق عليه واللفظ لمسلم]))
وهنالك الكثير من التقاليد والأحاديث التي تتعلّق بهذه القراءات السبعة للقرآن، حيث حاول الباحثون المحمديون بطرق مختلفة تفسير أهميتها، لكن من دون جدوى والاختلافات التي تخلّلت هذه القراءات السبعة للقرآن كان كبيرة وجوهرية. إذ يورد النسائي خبراً يؤكّد لنا فيه أنّ عمر قد اتّهم هشاماً بالكفر والبهتان، وأكّد بأنّه قرأ الكثير من الكلمات في نسخته من القرآن لم يسبق له أن سمعها من النبي. في حديث آخر، أورده مسلم، نلاحظ أنّ ابن كعب، أحد أشهر وأهمّ كتبة القرآن، سمع رجلين كل واحدٍ منهما قرأ قراءة مختلفة، فاختلف معهما. وعندما رجع بهما إلى النبي، قرأ كل من الرجلين أمام النبي ما كان قد حفظه، فاستحسن محمد كلا القراءتين، ممّا دفع أبيّ بن كعب إلى التصريح التالي: ((فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية)) .
من هذه المصادر التراثية المختلفة والمتنوّعة يصبح من الواضح أنّه حتى خلال فترة حياة النبي كان القرآن يقرأ بقراءات مختلفة ومتضاربة بشكل كبير. تلك الاختلافات كانت كبيرة جداً وبارزة إذ سرعان ما برزت وأصبحت واضحة للعيان، حيث أنّ أهل حمص اعتمدوا قراءة المقداد بن الأسود، أمّا أهل الكوفة فقد اعتمدوا قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة اتبعوا أبو موسى في قراءته، وهكذا. لم سيكون من الخطأ الافتراض بأنّ هذه الاختلافات والتباينات قد دخلت ببساطة أثناء جمع القرآن وتنقيحه وقراءته باللهجات العربية المختلفة، كما يريدوننا أن نعتقد، إذ أنّ هناك دليل قاطع يبيّن أنّ هذه الاختلافات والتفاوتات تعاظمت لتصبح أعمق بكثير ممّا كان يعتقد.
طبعاً يخبرنا السيوطي في كتابه "الإتقان" أنّ الرجلين اللذين ذكرناهما سابقاً (عمر وهشام)، كانا من نفس القبيلة، أي قرشيين، لذا فالقول أنّ الاختلافات هي مجرّد اختلافات لهجوية أو لسانية قول غير دقيق وغير منطقي ليفسّر لنا الاختلافات التي ذكرناها. في الفصول اللاحقة سنبيّن مدى جديّة هذه الاختلافات، وسنقرأ عن بعض الوسائل والأساليب التي تمّ اعتمادها لقمعها والتخلّص منها.

الفصل الثاني
تنقيح أبو بكر وعثمان للقرآن
في الفصل الثالث من كتاب المشكاة ندرك أنّه بعد فترة قصيرة من وفاة النبي، بقي القرآن محفوظاً في صدور البشر [أو ذاكرتهم]، وكان ما زال يقرأ بطرق وأساليب مختلفة ومتضاربة، لكن خلال المعركة الشهيرة التي دارت بين المسلمين وأتباع مسلمة الحنفي والتي سميت بمعركة اليمامة سقط العديد من حفظة القرآن وقتلوا. عندئذٍ _وخوفاً من سقوط حفظة القرآن في معارك قادمة ممّا قد يجعل القرآن المحفوظ في صدروهم عرضة للفقد إلى الأبد، إذ سيضيع منه جزء كبير_ قدِم عمر إلى أبي بكر وطلب منه أن يجمع الصحف والأجزاء المحفوظة من القرآن ووضعها في كتاب موحّد. لكن أبو بكر واجهه بالاعتراض. ((أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إليّ أبو بكر يوم مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي اللهم عنهم إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى اللهم عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر)) . إذن أخيراً ونزولاً عند رغبة عمر وتشجيعه له، وكّل الخليفة أبو بكر لزيد بن ثابت [الأنصاري] _الذي كان بمثابة الشاعر الرسمي للنبي_ مهمّة جمع القرآن وتنقيحه. وقد قام هذا الأخير بجمعه من سعف النخيل، الحجارة البيضاء، ومن صدور الرجال. قدّمت هذه النسخة إلى الخليفة أبو بكر، والذي مرّرها بدوره بعد وفاته إلى خليفته عمر [بن الخطّاب]، والذي بدوره أورثها إلى ابنته حفصه، إحدى زوجات النبي.
هذا التقليد القيّم والثمين الذي يورده لنا البخاري يوضّح لنا أنّ أبو بكر، ولأول مرّة، هو الذي جمع القرآن في كتاب موحّد، لكن من الواضح أنّه لم يقم بأيّة دراسة نقدية للنص من أجل إلغاء أو تقليل عدد القراءات المختلفة ويخرج بنصّ نموذجي وموحّد. بالمقابل يخبرنا البخاري أنّه وخلال فترة زمنية قصيرة تعاظمت الاختلافات والفروقات والتعارضات التي كانت تتخلّل القراءات المتنوّعة للقرآن وأصبحت ذات طبيعة راديكالية متطرّفة، حتى قام الخليفة عثمان في النهاية بالخطوة الحاسمة لتهدئة الشكوك التي بدأت تساور عقول الناس. أمّا الوسائل التي اعتمدها عثمان فكانت صارمة إلى أقصى حدّ ممن، إذ تلخّصت ببساطة في إخراج نسخة كاملة وموحّدة من القرآن، ثمّ إحراق كافّة النسخ الأخرى وإتلافها، ولهذا الغرض عيّن الخليفة لجنة، برئاسة زيد، لإتمام العمل. وفي حالة وجود أي تعارض في الرأي، كان على زيد _الذي كان من أهل المدينة_ أن يفسح المجال لآراء أخرى، حيث أنّ القرار النهائي كان بين أيدي أهل قريش في اللجنة، أو بين يدي الخليفة نفسه. وهناك تقديم بالغ الأهمية لهذه الحالة من التداخل يمكن ملاحظتها في أحد الأحاديث. فحيث أنّ الخليفة قد أبدى رغبته لإبقاء القرآن بلسان قريش، لسان النبي نفسه. وقد قيل أنّ علياً أراد كتابة "تابوة" بتاء مربوطة، في حين أنّ هناك من قال أنّه يجب كتابتها "تابوت" بتاء مبسوطة، لكن قرّر عثمان تفضيل الأخيرة كونها توافق لهجة قريش. ولكن حدث أيضاً أنّ كلمة "تابوت" ليست عربية إطلاقاً، بل كلمة استعارها محمد كغيرها من الكلمات الأخرى من الكتابات العبرية الحاخامية! وهي تعني ببساطة "الفُلك"، وتمّ تقديمها ضمن قصّة موسى في السورة رقم 20. هذه الحادثة الصغيرة ستبيّن إلى أي مدى نجح جامعو القرآن في حفظ الكتاب باللهجة المكية، لغة كلٍ من جبريل ومحمد.
والآن نورد الحديث المتعلّق بجمع عثمان للقرآن كما سجّله البخاري، وذلك ليرى القارئ بنفسه الحالة الفعلية والجدّية للنص القرآني في ذلك الوقت، ويحكم بنفسه على الأساليب المتطرّفة والطرق الاعتباطية التي تبنّاها عثمان خلال تنقيحه.
((وعن أنس بن مالك أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك. فأرسلت بها حفصه إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد ابن العاص وعبد بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للقرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصه وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا وأمر بما سراه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال شهاب فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف. قد كتب أسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري _فألحقناها في سورتها في الصحف. [رواه البخاري]))
من هذا الحديث، الذي سجّله لنا البخاري، تظهر لنا مجموعة من الحقائق الهامّة. إذ من الواضح أنّه عندما شعر عثمان بالفزع من أنّ تصبح هذه القراءات العديدة والمختلفة للقرآن أكثر جذريةً يوماً بعد يوم، أمر زيد وثلاثة آخرون بجمع القرآن مرةً أخرى وتنقيحه لإخراج نسخة رسمية موحدّة منه. إنّ حقيقة أنّ هؤلاء الرجال الأربعة كان عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار تنوّع القراءات، لتقييم مرجعيّتها، و _إذا لزم الأمر_ التخلّص منها لصالح القراءات المكيّة، تظهر إلى أي مدى بلغت درجة التحريف والتلاعب في النص القرآني. وبعد أنّ أنهى عثمان من جمع وتنقيح نسخته، قام بجمع كافّة المصاحف القديمة التي تمّكن من العثور عليها، و حرقها. ثمّ بعد ذلك أمر بصنع عدّة نسخ من هذه النسخة الجديدة، ونشرها في أرجاء العالم المحمدي.
يتبيّن لنا من خلال هذه القصّة أنّ القرآن قد جُمِعَ بأمرٍ من عثمان، ومع ذلك، اختلف بشكل مادي كبير عن القراءات التي كانت سائدة في أصقاع مختلفة من بلاد العرب في ذلك الوقت: وإلا فما تفسير أن يأخذ الخليفة على عاتقه مسألة جمعها وحرقها بهذا الأسلوب الذي سجّله لنا البخاري. والنتيجة أنّ المسلمون حتى هذا اليوم ما زالوا متكتّمين على الطريقة الاستبدادية والاعتباطية التي جرى من خلالها جمع النسخة الرسمية للقرآن، وهم غير قادرين _بدراسة نقدية_ على التوصّل إلى أي قرار مُرضي حول مسألة: إلى أي مدى كان مصحف عثمان متوافقاً مع ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر، أو مع القراءات القرآنية المختلفة التي كانت تسود جزيرة العرب؟ هنا على الأقل نحن نعلم أنّ الشيعة لطالما اتّهموا عثمان بإلغاء وقمع وتعديل الآيات القرآنية التي تشير إلى فضل عليّ وعائلته. فكتب الشيعة تورد عدّة آيات يزعمون أنّه تمّ تغييرها أو تحريفها بهذا الشكل، لكن هذا الكتاب لا يسعه البحث في هذا الموضوع. ويمكن للقارئ أن يطّلع عليها في كتابات: عليّ ابن إبراهيم القمّيّ، محمد يعقوب الكليني، الشيخ أحمد ابن علي الطبرسي، والشيخ أبو علي الطبرسي. فجميع هؤلاء من الشيعة من جهة، والبخاري من جهةٍ أخرى، لا يتركون أيّ مجال للشك أنّ القرآن الذي بين أيدينا اليوم ليس القرآن الأصلي وبعيد كل البعد عن النص المعصوم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا تدخله التحريفات والتعديلات.
علاوةً على ذلك، نستنتج من حقيقة حرق عثمان لكافة المصاحف الأخرى التي استطاع أن يضع يده عليها، وتوزيع نسخة واحدة فقط أشرف هو بنفسه على جمعها وتنقيحها، أنه لم يكن يقبل برواية القراءات السبعة، ولم يصدّق النبي الذي قال بوجود سبع قراءات مختلفة متعارضة وكلّها صحيحة على حدٍ سواء. والحقيقة هي أنّ أي دراسة موضوعية وغير متحيّزة لهذه الرواية تبيّن لنا أنّه ليس محمد، بل أصحابه المباشرون وأتباعه المقرّون هم الذين قاموا بتلفيق القصّة ونسبها إليه كتصريح أخرق لكي لا يتخبّط المسلمون بالمشهد المذهل لقرآن منزّل من عند الله، يظهر بنصوص مختلفة ومتضاربة.
بقعة ضوء أخرى يمكن تسليطها على هذا الموضوع من خلال حديث عن عليّ يقول فيه: ((رأيت كتاب الله يُزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه)) . هذه التقاليد المتنوّعة تبيّن لنا أنّ الاختلافات في قراءة القرآن لم تكن محصورة في مسألة اللفظ فحسب، بل كان هناك أشخاص معيّنون يزيدون في الكتاب كما يحلو لهم خلال فترة جمع القرآن وتنقيحه. ويتضّح لنا من خلال التاريخ الإسلامي أنّ عليّ كانت لديه النيّة لجمع القرآن وقد شرع بذلك، ومن المؤسف جداً أنّ مصحف علي لم يعد موجوداً اليوم. حيث أنه بالتأكيد سيكون مختلف تماماً من الناحية المادية عن القرآن الحالي، إذ يقال أنّه عندما طلب منه عمر أن يسلّم نسخته من أجل مقارنتها مع النسخ الأخرى، رفض، متعلّلاً أنّ القرآن الذي بحوزته كان النسخة الأدقّ والأكمل، ولا يمكن أن يذعن لأيّة تغييرات وتعديلات قد تبدو ضرورية في النسخ الأخرى. كما أنّه قال أنّ في نيّته توريث النسخة التي في حوزته لأبنائه من بعده ليحافظوا عليها حتى موعد قدوم الإمام المهدي.

الفصل الثالث
قراءة ابن مسعود
من بين الأدلة والإثباتات الكثيرة على تحريف المصحف العثماني التي يمكن ذكرها هي الحقائق المتعلقّة بمصحف ابن مسعود. ففي الفصل العشرين من الجزء الرابع والعشرين من كتاب "مشكاة المصابيح" نرى حديثاً مسجلاً عن النبي، حيث يذكر عشرة من أهمّ وأتقى أتباعه، ويؤكّد للسامعين أنّ هؤلاء العشرة هم من المبشّرون بالجنة. أمّا أسماء هؤلاء المبشّرين فمعروفة ومشهورة في التاريخ الإسلامي، ومن بينهم عبد الله ابن مسعود. فقد كان هذا الشخص أحد القرّاء والحفظة الكبار وكان صديق النبي المقرّب. وهناك حديث عن محمد يقول فيه:
((عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلعم قال استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، سالم مولى بن حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل))
يتّضح من هذا الحديث، ومن عدّة أحاديث أخرى عن نفس الموضوع، أنّ ابن مسعود كان من الصحابة المقرّبين لمحمد، وقد استمع إليه وأخذ منه القرآن بحذر وإخلاص. وهناك حديث آخر في كتاب مسلم عن ابن مسعود يقول فيه:
((والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه))
في حديث آخر يقول محمد:
((ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه))
وهناك حديث آخر منقول عن عمر يقول فيه: ((عن رسول الله صلعم قال: من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة بن أمّ عبد [أي عبد الله ابن مسعود]))
من الدليل المتراكم عن ثلاثة تقاليد مختلفة يصبح من الواضح أنّ القرآن بقراءة عبد الله ابن مسعود هو القرآن الصحيح، وأنّه لم يرفض فقط عملية تنقيحه وتحريره، بل أيضاً رفض فكرة تسليم نسخته إلى الخليفة في الأساس. ليس هذا فحسب، بل عندما أصدر الأخير أمره بجمع وإحراق جميع النسخ المخالفة من القرآن ما عدا نسخته هو، على الفور نصح ابن مسعود أتباعه من أهل العراق، أن يخفوا نسخهم من القرآن، وألا يسلّموها للمحرقة، وعبّر عن ذلك بكلماته:
((يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلقها))
يسجّل لنا التراث أنّ الخليفة استولى بالقوة على مصحف ابن مسعود وأحرقه، وعاقب هذا الصحابي بلا رحمة حتى مات بعد عدّة أيام من شدّة الضرب الذي تلقّاه. لكنّ الحقيقة الأهم تبقى أنّ ابن مسعود لم يرفض فقط تسليم نسخته الكاملة من القرآن من أجل عملية تجميع اعتباطية واستبدادية بإشراف عثمان، بل أيضاً حثّ أتباعه على الاستمرار في قراءة نسخته هو.
القصّة بأكملها ترينا أنّ مصحف عثمان يختلف بشكل كبير جداً عن القراءة التي أخذها ابن مسعود عن النبي، إذ ليس هناك فرضية أخرى يمكن أن تفسّر لنا هذه المعاملة الجائرة والمنعدمة الرحمة من قبل المؤسّس تجاه مسألة ذات أهمية ثيولوجية كهذه. ستكون هناك مناسبة أخرى، لاحقاً في مكان آخر ضمن هذا الكتاب الصغير، للإشارة إلى بعض الفروقات الكبيرة والعظيمة بين قراءات ابن مسعود ومصحف عثمان، ونكتفي هنا بتذكير القارئ أنّ قرآن ابن مسعود لا يحتوى السور التالية: الفاتحة، الطلاق، والناس. لا نستطيع هنا سوى التعجّب من تهوّر الخليفة في إحراق المصحف الذي لقّنه النبي نفسه لأتباعه، وبإحلال قرآن آخر محلّه مختلف عنه تماماً.
بالرغم من المعايير القاسية والمتطرّفة التي تبنّاها الخليفة الراشدي عثمان لقمع كافة النسخ والقراءات الأخرى من القرآن باستثناء قراءته هو، فإنّ قراءة ابن مسعود استمرّت لسنوات طويلة محفوظة مصانة بين أتباعه، أهل العراق. وهكذا في سنة 378 هجرية تمّ اكتشاف نسخة من مصحف ابن مسعود ببغداد، والتي أثبتت أثناء تقييمها على أنّها تختلف جذرياً عن جميع النسخ الشائعة من القرآن. وقد تمّ إتلافها وإحراقها والتخلّص منها فوراً وسط احتفالات أقامها البشر المخدوعون أصلاً بمناسبة إحراق المصحف المخالف.
لا يقتصر الأمر أنّ مصحف عثمان يختلف بشكل جذري عن مصحف ابن مسعود [الذي أوصى النبي أن نأخذ القرآن عنه]، بل يختلف أيضاً عن النسخة المنقّحة السالفة منه والتي صنعها أبو بكر. حيث يرد في التراث أحاديث وتقاليد تنصّ أنّ مصحف أبو بكر بقي، بعد وفاته، في رعاية حفصه، ابنته، لكن بعد وفاة هذه الأخيرة، طالب بها مروان _والي المدينة_ من أخيها، ابن عمر، وأحرقها على الفور، متذرّعاً بأنّه كان يخشى أنّه إذا كانت هنالك مجموعة كبيرة من القراءات المختلفة التي رغب عثمان بقمعها أن تعاود الظهور.
[يوضح ابن شبّة في تاريخه المسألة على نحو أكثر تفصيلاً؛ حين يقول: "لما تُوُفِّيَت حفصةُ أرسل مَرْوَان إلى ابن عمرَ (رض) بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها، فساعةَ رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابنُ عمر (رض)، فشَقَّقَها ومزَّقها مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلافٌ لما نَسَخَ عثمانُ (رض) "]
ومن هنا نستنتج أنّ القرآن الذي يعمّ الآن كافة أرجاء العالم المحمدي [الإسلامي] اليوم لا يتطابق لا مع المصحف الذي جمعه أبو بكر، ولا مصحف ابن مسعود، ولا المصحف الذي جمعه عليّ والذي بات مفقوداً في يومنا هذا. القرآن الحالي هو في الحقيقة كتاب تمّ التلاعب به وتحريفه وتشويهه إلى أبعد حد، وكما سنرى لاحقاً، ونثبته، أنّه من غير المجدي الإيمان والاعتقاد بفكرة القرآن الكامل والمحفوظ الذي يقال أنّه نزل على محمد ولقّنه لأتباعه بنفسه.

الفصل الرابع
شهادة الإمام حسين حول القراءات المختلفة للقرآن
رأينا في الفصول السابقة كيف أنّ الخليفة عثمان صُدِمَ من الاختلافات الهائلة التي وجدت طريقها إلى قراءة القرآن، وكيف أنّه طبّق معايير وإجراءات صارمة لإخراج نسخة رسمية واحدة من القرآن، ثم إحراق كافة النسخ المخالفة الأخرى. لكن حتى هذه المعايير والإجراءات الصارمة كانت عقيمة وغير مجدية، وبالرغم من عملية التنقيح التي قام بها عثمان، بقيت القراءات السبعة موجودة، على الأقل بشكلها المعدّل. هذه القراءات المتنوّعة تعرف باسم "هفت القراءات"، وهناك "القرّاء =[م] قارئ" هم الذين تناقلت عبرهم هذه القراءات. بعضهم كان من أهل مكّة، وبعضهم من المدينة، بعضهم من الكوفة، والبعض الآخر من أهل الشام، وقد ظلّت التسميات تطلق على القراءات المختلفة للقرآن تيمّناً بأسماء أولئك الذين طرحوها للتداول بين الناس. فالقراءة الشائعة في الهند اليوم هي التي تعرف بقراءة عاصم، أو حفص، تلميذه، في حين أنّ القراءات الدارجة في المنطقة العربية في قراءة نافع، من أهل المدينة. جلال الدين من جهة أخرى في عمله التفسيري الضخم، فإنّه يتّبع قراءة القارئ الإمام أبو عمر. أغلب التفاوتات والاختلافات هي في اللفظ، لكن في الكثير من الحالات ما زالت هناك تباينات وفروقات عظيمة وهائلة. إذ أننا نلاحظ أنّه في سورة الفاتحة يوافق كل من القرّاء: يعقوب، عاصم، الكسائي، وخلف الكوفي على قراءة (مَالِكِ mālik) في حين أنّ جميع القرّاء الآخرين يقرؤون (مَلِكِ malik).
الآن سنفي بوعدنا بتقديم أمثلة محدّدة للاختلافات الكثيرة الموجودة حتى في النص الحالي للقرآن، إلا أنّ القارئ ينبغي عليه أن يحمل في عقله حقيقة أنّه حتى وإنّ كان كاملاً الآن، فذلك لن يفيدنا بشيء، إذ نلاحظ أنّ تنقيح عثمان نفسه أثبت أنّه غير جدير بالثقة. وقبل الدخول في أمثلة تفصيلية عن التحريف الحالي للنص القرآني، سنورد هنا بعض الاقتباسات الغنية حول هذا الموضوع نستمدّها من العمل التفسيري الشهير للإمام حسين، إذ يكتب هذا المفسر العظيم قائلاً:
((وحين تمّت إجازة التلاوة بقراءات مختلفة، وكانت اختلافاتها في حروفها وألفاظها لا تعد ولا تحصى، أصبحت القراءات الموثوقة طبقاً لقراءة بكر، وبموافقة الإمام عاصم، سائدة في البلاد ومعتمدة، وهي مدرجة ضمن هذه الصفحات [أي تفسيره]. وبعض هذه الكلمات التي، بسبب الاختلاف، غيّرت بشكل كلي معنى القرآن، وتمّ قمعها من قبل الحفظة، وهي أيضاً مدرجة هنا))
من خلال هذه الإشارات الصريحة والنزيهة من المفسّر الكبير كمال الدين حسين يتضح أنّ عدداً من القراءات المختلفة ما زالت موجودة في القرآن، وأنّ في الكلمات والحروف تحريفات "لا تعد ولا تحصى" قد وجدت طريقها إلى النص. ليس هذا فقط، بل إنّ هذا العالم الكبير يعترف بلسانه أنّه في العديد من الحالات تغيّر معنى القرآن بشكل جذري. ويخبرنا الإمام أنّ هناك عدّة قراءات مختلفة منتشرة في مناطق مختلفة، بعضها يستحق الثقة، في حين أنّ بعضها الآخر غير موثوق. القراءات الأخرى التي أشار إليها، يخبرنا هو، أنّها كانت متعارضة مع قراءات القرّاء أو الحَفَظَة، ومنها القراءة المعتمدة في الهند في يومنا هذا، والتي قراءتها _من بين جميع النسخ المتضاربة_ تمثّل القرآن الأصلي الذي جمعه عثمان ونقّحه، ولسنا نتحدّث عن القرآن الذي علّمه محمد ولقّنه لأتباعه بنفسه، إذ لا يمكن لا للإمام حسين ولا أي عالم مسلم آخر أن يخبرنا بشيء عنه. الشيء الوحيد والأكيد هو أنّ هذه التعارضات والاختلافات موجودة، وذلك يثبت بما لا يدع أي مجال للشكّ أنّ الحماية والحفظ الإلهيين المزعومين للقرآن لا وجود لهما في الواقع.
أي دراسة جادّة للتراث والتقاليد كافية بأن تسلّط الضوء على هذه الإشكالية المربكة، وتبيّن لنا كيفية ظهور هذه الاختلافات وإلى أي مدى، في حين أنّ الاختفاء التام والكلي لآيات وسور بأكملها أيضاً موثّق في روايات وأخبار موثوقة وعظيمة تعود لنفس المرجعيات. إذ نقرأ في حديث عن عمر يقول فيه:
((سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الحديث بمثله وزاد فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم))
في واقع الأمر نلاحظ أنّ التاريخ الإسلامي مليء بالإشارات إلى القراءات المختلفة للقرآن. إذ أننا نقرأ عن أحد القرّاء المشهورين، "ابن سنابد"، حيث كان يقرأ القرآن في المسجد الكبير ببغداد، لكنّ قراءته لم تكن متوافقة مع القراءة التي كانت شائعة في ذلك المكان، فتعرّض للضرب الشديد، ثمّ ألقي به في السجن، ولم يتمّ الإفراج عنه إلا بعدما عيّر قراءته وقرأ القراءة التي كانت مألوفة في ذلك المكان. هذه القراءات المختلفة لم تختلف فقط في اللفظ، بل في عدد من الحالات اختلف المعنى الكامل للآية القرآنية. والآن نتابع في تقديم المزيد من الأمثلة على هذه الآيات، والتي أشار إليها الإمام حسين، البيضاوي، وعلماء آخرون ضمن كتاباتهم.
في التفسير الشهير للإمام حسين نقرأ أنّه في الرقع من سورة الأنبياء 21 في القرآن الحالي وردت الآية رقم 4 في الشكل التالي {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ} [أي= قال محمد أنّ ربي يعلم]، لكن حسب قراءة بكر نلاحظ أنّنا يجب أن نقرأ الآية على النحو التالي {قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ} [أي= قُل (أمر) يا محمد أنّ ربي يعلم]. هناك لدينا مثال واضح وصارخ عن مدى جدية الاختلافات في نص القرآن، والتي تغيّر معنى الآية بشكل كلي. ففي القراءة الأخير نرى أنّ الله أمر نبيّه أن يقول "ربي يعلم"، في حين أنّ في الآية الأولى والدارجة حالياً نرى أنّ النبي هنا يقدّم تأكيداً في ردّه على الكفّار بأنّ "ربّه يعلم".
ويمكن أن نقتبس مثالاً آخر من نفس المرجعية. ففي الرقع الأول من سورة الأحزاب 33 نقرأ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [آية 6]. لكن هنالك مرجع يخبرنا أنّه حسب نسخة أبيّ [بن كعب] وقراءة عبد الله ابن مسعود ينبغي علينا أن نقرأ عدّة كلمات إضافية في هذه الآية، أي {وَهُوَ [محمد] أبٌ لَهُمْ}. سيتساءل القارئ الآن لماذا رفض ابن مسعود تسليم نسخته من القرآن للخليفة عثمان، و، يتذكّر الثناءات العالية والمديح الكبير الذي أسبغه النبي نفسه على ابن مسعود كاتب القرآن، وسيتوصّل على الفور إلى نتيجة مفادها أنّ هذه الكلمات قد أزيلت وحذفت من القرآن الحالي. إذن، إذا كان إخواننا المحمديون، بالرغم من جميع هذه العيوب التي تتخلّل كتابهم المقدس، ما زالوا مستمرّين في قراءته والإيمان به، وبنفس المنهج في التفكير، أطرح عليهم السؤال التالي: هل يرفضون قراءة الإنجيل لأنّهم يظنّون _كما يعتقدون هم_ أنّه كتاب محرّف؟!!!


الفصل الخامس
شهادة القاضي البيضاوي حول القراءات المختلفة للقرآن
كل من قرأ شروح وتفسيرات العالم المحمدي الكبير القاضي البيضاوي يعرف جيداً أنّه أيضاً أشار إلى وجود الكثير من الاختلافات والتباينات ضمن نسخ مختلفة من القرآن. وسنورد هنا بضعة أمثلة من كتابات هذا العالم المشهور.
من المثير للتعجّب أنّه في أول سورة من القرآن [الفاتحة]، تلك السورة التي برع علماء المسلمين في تفسيرها وتنافسوا على تأويلها، والتي على كل مؤمن محمدي تقي وملتزم أن يكرّرها في صلواته اليومية الكثيرة، فهناك عدد من القراءات المختلفة والمتباينة لها، ولم تسبّب لديهم أقل قدر من الحيرة ليتفكّروا فيها ويدرسوها. وانطلاقاً من هنا بخيرنا القاضي أنّه في الآية رقم 5، كلمة "صراط" كتبت في الكثير من النسخ، في حين أنّها وردت "سراط" في عدد من النسخ الأخرى. ومع ذلك نحن غير متأكّدين من صحّة ودقّة أيٍ من هاتين القراءتين.
مرةً أخرى، في الآية رقم 6 من نفس السورة، يخبرنا البيضاوي أنّ عبارة {صراط الذين أنعمت عليهم} قد اختلف في بعض النسخ وتقرأ {صراط من أنعمت عليهم}. ماذا إذن عن خلوّ القرآن المفترض من التحريف، في ضوء هذه الحقائق، ولنا أن نتساءل هنا، أين هي تلك الحماية الإلهية المزعومة للقرآن؟ أليس من الواضح أنّه في بعض النسخ وردت كلمة "مَن" بدل "الذين"، أم أنّ الحالة معاكسة هنا فالكلمة الأصلية هي "من" لكنّها حرّفت لتصبح "الذين"؟
مرةً أخرى يخبرنا البيضاوي، أنّه في الآية الثامنة من نفس السورة يحدث تغيير جذري وجدّي في القراءة. فحسب البيضاوي يقول أنّ القراءة الحالي هي {ولا الضّالين}، إلاّ أنّها تمّ تحويرها وتحريفها في بعض النسخ لتصبح {وغير الضّالّين}. في هذه الأمثلة نلاحظ أنّ المعنى لم يتغيّر بشكل جذري ولا حتى إلى أي مدى، لكنّ الحقيقة ما زالت واضحة كعين الشمس تصرخ أنّ هناك كلمات معيّنة تمّ استبدالها بكلمات أخرى في هذه السورة الهامّة بالقرآن. وكلا النوعين من الكلمات لم يكن موجوداً في النسخ الأصلية.
في الآية رقم 23 من سورة البقرة يشير البيضاوي إلى قراءة مخالفة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية. فالقرآن الحالي جاءت في السورة على الشكل التالي {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [بصيغة المفرد]، لكنّه يخبرنا أنّه في بعض النسخ الأخرى من القرآن تظهر هذه الكلمة بصيغة الجمع {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عِبَادِنَا}. في الحالة الأخيرة، وإذا صحّـت هذه القراءة، نلاحظ أنّ هذه الآية تجعل جميع أتباع محمد وصحابته ومن معه متلقّين للوحي القرآني.
في الآية السادسة من سورة النساء نلاحظ وجود تحريف كبير ومتعمّد للنص القرآني. إذ يخبرنا البيضاوي أنّه في هذه الآية قد وردت عبارة {فَإِنْ آَنَسْتُمْ} [بمعنى إن رأيتم أو أبصرتم]، وقرأت في بعض النسخ الأخرى {فإن أحستم} [بمعنى شعرتم أو أحسستم]. مثل هذه التحريفات والتغييرات بالنص القرآني كثيرة، وأكثر من أن تعد أو تحصى، وذلك يثبت بما لا يدع مجال للشكّ أنّ نص القرآن بعيد كل البعد عن العصمة والكمال. طبعاً، كما سنثبت لاحقاً، فقد كان النص القرآني مشوّهاً ومحرّفاً لدرجة أنّ النسخة الحالية منه باتت غير موثوقة ولا يمكن اعتمادها كنسخة كاملة من القرآن الذي لقّنه النبي العربي لأتباعه.
في الآية 12 من سورة النساء، يشير البيضاوي إلى وجود تحريف كبيرة آخر في نسخ أخرى من القرآن، والتي تستحقّ منا أن نقف عندها ونمعن النظر فيها. جاء في الآية ما يلي {ولَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}. لكن يخبرنا القاضي أنّه حسب قراءة أبي [بن كعب] وسعد بن مالك، فقد زادا كلمة إضافية إلى هذه العبارة المقتبسة من الآية أي {وله أخ أو أخت من الأم}. وفي تفسيره لهذه الآية يشرح البيضاوي أنّ هذه الآية لها هذا المعنى. ومن هنا هذا العرض الذي أمامنا يقدّم مثالاً واضحاً على الطريقة التي تأتي بها بعض القراءات المختلفة إلى الوجود وتجد طريقاً لها إلى النص وذلك عن طريق إدخال كلمات من مادة تفسيرية [أو أنّ الغرض هو الشرح والتوضيح] وحشرها في النص بغرض إيضاح المعنى وجعله أكثر إشراقاً.
في الآية رقم 89 من سورة المائدة 5 هناك مثال آخر على التحريف الذي تعرّض له النص القرآني. {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [.....] ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وهذه الآية هي كما وردت في القرآن الأصلي، حيث أنّ المطلوب هو صيام ثلاثة أيام. لكنّ المفسّر الكبير أبو حنيفة يقرأ الآية بإضافة كلمة إضافية إلى هذه العبارة، إذ أنّ على المخالف أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، فيقول في الآية {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}. هذه القراءة المخالفة والمغايرة لها عواقب ونتائج في غاية الأهمية والجدية، حيث أنّها تمسّ، وتغيّر، القوانين التي وضعها الإسلام. لذلك قام أبو حنيفة وجميع أتباعه شرّع صيام ثلاثة أيّام متتابعات، في حين أنّ البيضاوي وغيره قال عن هذا التشريع بأنّه خاطئ، ويتعارض مع القرآن. من ذا الذي، بعد انقضاء كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، يمثّل القراءة الأصلية والحقيقية للقرآن من هؤلاء؟
في الآية رقم 153 من سورة الأنعام وردت عبارة على النحو الآتي {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي}، لكنّ البيضاوي هنا يورد قراءتين تختلفان تماماً عن هذا النص. في الأولى نقرأ، {هذا صراط ربكم}، وفي الثانية {هذا صراط ربك}. وسيلاحظ القارئ أنّ القراءتين الثانية والثالثة التي أوردهما البيضاوي، فهناك حرف فارق بين الكلمتين "ربك" و"ربكم". لذلك لا نستغرب فزع عثمان من كثرة الاختلافات والفروقات القديمة التي ظهرت في قراءة القرآن، وسعيه الحثيث للتقليل منها وجمعها وتوحيدها في نص واحد موحّد، لكن الأمر الأكثر إثارةً للتعجّب والاستغراب هو أنّ الخليفة قد فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق غايته. العديد من هذه التحريفات التي تتخلّل النص القرآني تحمل على وجهها الدليل على اليد الخرقاء والبليدة للمزوّر، وتكشف _بطبيعتها_ عن السبب الكامن خلف وجودها. لذلك نقرأ في سورة طه، الآية رقم 94 عن هارون وهو يقوم {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ} [وكتبت في نسخ أخرى {قال يبنؤم}]. لكن في سورة الأعراف آية رقم 150 نقرأ {قَالَ ابْنَ أُمَّ}. وبإلقاء نظرة سريعة ومتفحّصة على هذه الآيات نجد أنّه في الآية الأولى الإقحام العادي للمخاطب مترافق مع حرف النداء، "يا"، لكنّه غائب في الآية الأخرى. لذلك يصبح من الواضح تماماً أنّ _وبغرض الحفاظ على سلاسة وجمالية اللغة في القرآن_ الإقحام العادي للمخاطب ينبغي أن يضاف إلى الآية الأخرى أيضاً. والآن يقول البيضاوي موضّحاً أنّ ذلك قد حدث في الحقيقة، وأنّ بعض المسلمين الأتقياء والأخيار، ومن أجل التخلّص من هذا العيب الذي تخلّل القرآن، أضافوا في الواقع الكلمة الضرورية ضمن نسخهم من القرآن. ولذلك يخبرنا البيضاوي أنّ ابن عمر، حمزة، كسائي، وأبو بكر قرؤوا في هذا الموضع {يا ابن أمّ}. فإمّا أن يكون استدلالنا هنا صحيحاً، أو أنّنا يجب أن نفترض أنّ كلمة "يا" قد كان موجوداً في نسخ القرّاء المذكورين، لكنّها _كغيرها من النسخ الأخرى_ حذفت من النسخة الحالية من القرآن، وفي كلا الحالتين نحن الآن أمامنا مثال صارخ على عدم الدقّة أو حالة اللايقين التي تلفّ النصّ الحالي لهذا الكتاب.
مرةً أخرى في سورة يونس 10، الآية رقم 92، نجن أمام مثال صارخ على حالة التحريف اللفظي أو تحريف نصّ القرآن. إذ تحكي هذه الآية قصّة غرق فرعون في البحر الأحمر وانتشاله ليكون آية أو "تذكرة" كإنذار للذين يأتون من بعده. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً}. لكن يخبرنا البيضاوي هنا أنّه في بعض النسخ من القرآن وردت القراءة على النحو التالي {لمن خلقك آية}. هنا في هذا الموضع تغيّر معنى الآية بشكل كامل، والمسلم الحائر والمتبك سيظلّ حائراً وجاهلاً أبداً حول أي من هذه القراءات العديدة والمختلفة هي القراءة الصحيحة والتي تمثّل جزءاً من القرآن الأصلي، وأيها مزيّف ومحرّف؟
وهناك مثال آخر على اختلافات كبير في القراءة نجده في الآية رقم 38 من سورة الكهف 18. في النسخ الحالية من القرآن {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} لكن يخبرنا القاضي في تفسيره أنّه في بعض النسخ وردت هذه الآية على النحو التالي: {ولكن هو الله ربي ولكن أنا لا إله إلا هو ربي} التعليق على هذا التحريف الصارخ للنص القرآني قد يكون زائد عن الحاجة وغير مجدٍ، ونترك الحكم للقارئ ليحكم بنفسه.
حالة أخرى من التحريف العلني والواضح للنص القرآني يورده القاضي البيضاوي في تفسيره للآية رقم 38 من سورة يس 36 {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}، لكن ليس هناك أي مسلم مثقّف ومتعلّم يعتقد فعلاً أنّ الشمس تجري أو تسير خلال اليوم، ثمّ تستقرّ في مكان محدّد عندما يحين ما نسميه "بالمساء"، لكن من خلال نظرة أكثر ليبرالية إلى هذه الآية نعرف أنّ هذه الآية ببساطة تتحدّث بلغة شعبية عامّية، وليس الغرض منها عرض حقيقة علمية. إلا أنّ بعض الأتباع المتشدّدين والمتحمّسين لدينهم ولنبيّهم، لا يقتنعون بهذا التفسير ويسعون لإزالة هذا العيب الخيالي والوهمي من صفحات القرآن، اتخذوا وسائل وأساليب صارمة لإدخال كلمة في هذه الآية. لذا يخبرنا البيضاوي أنّه في بعض النسخ من القرآن تمّ إدخال كلمة "لا" في هذا الموضع، ليصبح المعنى على الشكل التالي: {والشمس تري لا مستقرّ لها}.
قبل أن ننهي هذا الفصل أودّ أن أورد مثالاً آخر على عملية التحريف في النص القرآني اخترته من الأمثلة الكثيرة التي أدرجها القاضي البيضاوي. في الآية الأولى من سورة القمر 54 وردت على النحو التالي في النسخ الحالية من القرآن: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}. من المعلوم أنّ ذلك الخلاف المرير والطويل الذي جرى بين المسلمين بمختلف مذاهبهم وطوائفهم حول هذه الآية. فالبعض يؤكّد أنّنا هنا أمام شهادة واضحة على معجزة رائعة قام بها محمد عندما شقّ القمر. آخرون يقولون أنّ الآية بكاملها تتضمّن إشارة مستقبلية، وأنّ كل ما تعلّمنا إيّاه الآية هو أنّ القمر سينشقّ نصفين عند مجيء الساعة. كل ما نحتاج إليه لجعل هذه الآية تشير بلا شكّ إلى حدث وقع في الزمن الماضي كان مجرّد إضافة كلمة ما تؤدّي تلك الوظيفة. والآن، يخبرنا البيضاوي أنّ هناك بعض النسخ التي أدخل في الآية كلمة "قد" بمعنى "الآن"، لذا تصبح هذه الآية تقرأ على النحو التالي {وقد انشقّ القمر الآن}. ألم يتّضح الأمر اليوم أن قام بعض المجادلين المحمديين، لكي يحصّنوا آرائهم الخاصة فيما يتعلّق بهذا الموضوع، وليمجّدوا نبيّهم محمد في نفس الوقت، بأن أدخلوا هذه الكلمة في نسخهم من القرآن؟ إذا كان هذا الاستدلال صحيحاً، ألا تلقي هذه المسألة بكاملها ضوءاً باهتاً على المعاملة الشنيعة التي تعرّض لها كتاب المسلمين المقدّس في الماضي وعلى يد أصحابه، ألا تظهر هذه المسألة زيف الادّعاءات والمزاعم المفرطة والتي لا أساس لها، التي أطلقها المسلمون بخصوص سلامة ومعصومية النص القرآني؟ أمثلة كثيرة شبيهة بتلك أوردناها سابقاً يمكن إيرادها هنا. إلا أنّ ضيق المساحة لا يسمح لنا بالخوض أكثر في هذه الأمثلة. لقد أظهرنا ما يكفي من الأمثلة لنثبت لكل قارئ غير متحيّز وموضوعي ومنفتح أنّ القرآن قد تمّ تحريفه والتلاعب به إلى حدٍ كبير، وأنّ السنّة والشيعة على حدٍ سواء يتفقون فيما بينهم حول تلك التباينات والاختلافات الموجودة في نسخ مختلفة. الكثير من العلماء والباحثين الموثوقين والموضوعيين اعترفوا أنّه في العديد من الحالات تمّ إفساد النص القرآني وتحريفه بشكل عنيد على يد مسلمين منعدمي الضمير. لذلك نرى أنّ البيضاوي ومعلم وأبو الفداء جميعهم يشيرون إلى عبد الله بن سرح باسمه. إذ أنّه كان أحد كتبة الوحي وصحابة محمد، وكان يتغيّر ويتلاعب بالكلمات عندما كان محمد يلقّنه السورة. لكن سنرى أنّ النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم ليس هو الوحيد المفتوح على السؤال والريبة، وليس فقط أنّ هناك الكثير من التباينات والاختلافات وجودة في قراءة القرآن الذي نقرأه اليوم، بل سنثبت أنّ جزءاً كبيراً من القرآن الأصلي بات الآن مفقوداً، وذلك من خلال مصادر محمدية موثوقة ومعتمدة من قبل المحمديين أنفسهم، وأنّ القرآن الحالي ما هو إلا جزء _ومع ذلك تمّ تحريفه_ من الكتاب الأصلي الذي لقّنه محمد لأتباعه.

الفصل السادس
شهادة التراث على القرآن
سيتذكّر القارئ أنّ الخليفة عثمان قام بجمع نسخة واحدة من القرآن، ثمّ أخرى كافة النسخ الأخرى. ثمّ أرسل نسخاً عديدة من مصحفه إلى المدن الرئيسية في العالم الإسلامي. إلا أنّه لم يسبق أن قام أي أحد بإنكار هذا العمل على الخليفة، إلا الشيعة الذين أنكروا هذا العمل بأشدّ وأقذع الكلمات، إذ أنّهم يؤكّدون مراراً وتكراراً أنّ الكثير من الآيات التي تشير إلى عليّ وعائلته قد تمّ حذفها أو إزالتها من بين آيات القرآن. سورة كاملة غائبة الآن من النسخ الحالية من القرآن، وتتضمّن الكثير من الإشارات إلى عليّ ومكانته العظيمة، إلا أنّها ما زالت موجودة. يطلق على تلك السورة تسمية "سورة النورين"، إذ يقصد بالنورين كلاً من محمد وعلي. ويمكن للقارئ أن يجد هذه السورة كاملة في كتاب "تحقيق الإيمان"، صــ 11-13. ومن المرجّح أنّ هذه السورة كانت موجودة ضمن مصحف عليّ، لكن لسوء الحظ أنّ ذكر المصحف قد فقد أيضاً. والحال أنّ الشيعة يعتقدون أنّه عندما يظهر المهدي _الإمام الأخير_ سيظهر معه القرآن الكامل مرّةً أخرى ويقدّمه إلى العالم.
دراسة متفحّصة للتراث تبيّن لنا أنّ القرآن كان في زمن محمد أكبر وأضخم بكثير ممّا هو عليه الآن. فهنالك حديث منقول عن أبي عبد الله عن هشام أنّه قال:
((إنّ القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد صلعم سبعة عشر ألف آيات))
لكن حسب ما جاء في تفسير البيضاوي [وغيره من التفاسير الأخرى] فالقرآن الحالي لا يتضمّن سوى 6264 آية، لذلك فنحن نعرف من هذا التقليد البالغ الأهمية، والموثّق من قبل البقية، أنّ القرآن الحالي لا يشكّل سوى ثلثي حجم القرآن الأصلي!
في تقليد آخر يرد الخبر التالي:
((محمد بن نصر سمع عنه [أبي عبد الله] أنّه قال: أنّه كان في [سورة] (لم يكن) اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم))
وتشير الأبحاث إلى أنّ هذه القائمة من الأسماء قد اختفت كلياً وحذفت من النسخ الحالية من القرآن. أمّا التفسير الأوضح فهو أنّ تلك الأسماء كانت تشكّل جزءاً كبيراً من ذلك القرآن الذي فقد، والتي تمّت الإشارة إليها في الحديث الذي ورد سابقاً.
في الكتاب المشهور الموسوم بـ"الإتقان"، مؤلّفه حلال الدين السيوطي، ورد خبر أنّه كان في سورة الأحزاب آية تتناول موضوع معاقبة الزناة. هذه الآية الشهيرة، والتي تعرف بـ "آية الرجم"، غالباً ما يشار إليها في التقاليد والتراث، ممّا لا يدع أي مجال للشك أنّ هذه الآية كانت تشكّل جزءاً أساسياً وجوهرياً من القرآن. وقد جاءت هذه الآية على الشكل التالي حسب ما ورد في الإتقان:
((فيها آية لرجم. قال: وما الرجم؟ قال: إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما))
هذه الآية غير موجودة في النسخ الحالية من القرآن، ومع ذلك فهناك دليل قاطع أنّها كانت جزءاً هاماً من الكتاب الأصلي. على سبيل المثال، يقال أنّ عمر [ابن الخطّاب] كان يعرف أنّها كانت جزء رئيسي من القرآن، لكنه عجز عن إيجاد أي قارئ يدعم رأيه، لذلك فقد رفض إدخالها في القرآن. في كتاب "فتح الباري" جاء الحديث التالي:
((بقول عمر هذا أنّه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنّها من القرآن فلم يلحقها بنصّ المصحف بشهادة واحدة))
هذه التقاليد تظهر لنا أنّ الأفكار الحالية والشائعة عن القوّة العظيمة للذاكرة التي كان يمتلكها الرجال (الحفظة) الذين كانوا حول الرسول، تحتاج لإعادة نظر وتقييم بشكل جدي، إذ أننا هنا لدينا من دون شك آية من القرآن ولا يمكن لأصالتها أن تشهد عليها شهادة رجل واحد. فهناك أكثر من تقليد أو حديث يسجّل لنا شهادة عائشة, أصغر زوجات النبي وأحبّهنّ إلى قلبه، عن هذه الآية. وقد جاء في التقليد:
((قالت عائشة كانت الأحزاب... في زمن رسول الله مائتي آية فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقبل إلا ما أثبت وكان فيها آية الرجم))
هذه الشهادة التي وردت على لسان زوجة محمد تثبت بالكامل التصريحات والتقاليد التي وردت في الأعلى عن نقص النسخة الحالية من القرآن، إذ أنّ عائشة تخبرنا أنّ سورة الأحزاب في زمن محمد كانت تتضمّن على مائتي آية، أمّا في القرآن الحالي فسورة الأحزاب تتكوّن من 73. ثمّ تضيف عائشة فيما بعد شهادتها إلى شهادة عمر على حقيقة أنّ آية الرجم كانت موجودة في القرآن في إحدى المرّات، لكن _لا حاجة للقول_ لا توجد أي إشارة أو دليل إليها في النسخة الحالية. هناك تقليد آخر، موجود في كتاب ابن ماجة، وأحمد:
((عن عائشة – رضى الله عنها – قالت : "لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كانت فى صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها"))
لا حاجة لأن نعلّق أكثر على هذه الآية. فالقارئ إمّا أن يكون مجرّداً من كل إحساس أو شعور أدبي، أو أنّه مجحف أعمى عن قصد، إذا أخفق في رؤية كيف أنّ هذه الحقائق التي أوردناها في الأعلى تحطّم وتفنّد جميع المزاعم حول الحماية والصيانة الإلهية للقرآن. ومخافة القول أنّ لغتنا هنا كبالغ فيها، فإننّا نقتبس عدّة أحاديث وتقاليد أخرى من مصادر موثوقة، والتي ستمّكن القارئ من رؤية الحقائق التي أوردناها هنا. هناك تقليد معروف جيداً عن ابن عمر:
((عن ابن عمر قال: لا يقول أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، ما يدريه ما كلّه، قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن يقل قد أخذت ما ظهر منه)).
تقليد آخر جاء فيه:
((قال بن جيش قال أبي بن كعب: كم كان عدد آيات سورة الأحزاب؟ قلت: اثنين وسبعين آية، وثلاثاً وسبعين آية. قال: أن كانت لتعدل سورة البقرة))
هذا الحديث المشهور موجود أيضاً في كتاب العلاّمة جلال الدين السيوطي المعروف بالإتقان. حيث يخبرنا أنّ سورة الأحزاب، التي تتألّف الآن من ثلاثاً وسبعين آية، كانت تساوي في إحدى المرّات سورة البقرة التي تتألّف من 286 آية. لذلك يلاحظ أنّه من هذه السورة وحدها أنّ هناك حوالي 213 آية مفقودة.
تقليد معروف آخر عن ابن عبّاس جاء فيه: ((سألت علي بن أبي طالب: لِمَ لَمْ يكتب في براءة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال: أنّها أمان وبراءة منزّلة بالسيف. وعن مالك أنّ أوّلها لما سقط مع البسم الله فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة بطولها))
في تقليد آخر جاء في صحيح مسلم، في كتاب الزكاة هناك حديث ورد فيه أنّ أحد قرّاء القرآن، واسمه أبو موسى الأشعري، قال:
((وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة))
ليس هناك حاجة لقول المزيد، إذ أنّ أياً من هاتان الآيتان غير موجودتان في المصحف العثماني.
في صحيح الجامع الكبير للحديث البخاري هناك تقليد آخر يؤكّد وجود فقدان كامل لعدد كبير من الآيات من سورة الأحزاب، إذ ورد فيه:
((وأخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال قرأت سورة الأحزاب على النبي فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها))
كما أنّ هناك تقليد آخر يستحقّ أن نورده هنا قبل أن نختتم هذا الكتاب. إذ أنّه لا يتعلّق بالماضي، بل بمستقبل تاريخ القرآن، وهو موجود في مجموع ابن ماجة:
((عن حذيفة ابن اليمان قال رسول الله صلعم: يدرس الإسلام كما يدرس وشق الثوب حتى لا يدرك ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله عزّ وجلّ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية))
لا نريد التعليق أكثر حول الأحاديث التي وردت معنا في الأعلى. فهي كافية لتثبت لأي إنسان عقلاني باحث عن الحقيقة _ومن أجل الحقيقة وحدها_ الكامن وراء النص القرآني.
نشأ كل مسلم على الاعتقاد بأنّ للقرآن قداسةً تحميه من أي تغيّر أو تحريف. طبعاً القرآن نفسه يقدّم هذا الزعم في الآية التالية:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 15: 9]
كما أنّنا نقرأ في مكان آخر ما يلي:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة 2: 2]
إذن هذا الكتاب مصون، محفوظ، ولا يتطرّق إليه الشّكّ. وقد بلغ الأمر في بعضهم حدّ المغالاة في تمجيده إذ قال صاحب كتاب فضائل القرآن أنّك إذا وضعته في النار فإنّ النار لن تمسسه ولن يحترق!!
سأدع القارئ ليحكم من تلقاء نفسه على قيمة هذه المزاعم حول مصداقية القرآن وموثوقيته في ضوء الشهادات التي قدّمها هؤلاء الفقهاء المسلمين التي تمّ تقديمها في هذا الكتاب، وسيرى أنّ ادّعاء الحماية الإلهية المزعومة من كافّة التغييرات هو ادّعاء باطل، وأنّ القرآن يدين نفسه، ويثبت أنّه من أصل ومنشأ بشري. وإذا كان عند القارئ رغبة إضافية للاطلاع على معلومات أكثر حول هذا الموضوع الهام يمكنه الاطلاع على الأعمال التالية: هداية المسلمين، منار الحق، ميزان الحق، تحقيق الإيمان، تحريف القرآن، وتأويل القرآن. ثمّ ليتابع القارئ _وبكل موضوعية_ الاطّلاع على كافّة الأعمال والدراسات التي تناولت هذا الموضوع الهام، أي آراء وكتابات أولئك الذين أوردنا اقتباسات من أعمالهم هنا، وشهاداتهم لا يمكن تجاهلها أو تنحيتها جانباً. لقد رأينا ما قاله رجال مثل القاضي البيضاوي، الإمام حسين، مسلم، البخاري، وجلال الدين السيوطي فيما يتعلّق بالقرآن. ورأينا كيف _حتى في الفترة التي كان ما يزال فيها محمد على قيد الحياة_ ظهرت اختلافات وفروقات وتباينات هائلة في قراءة القرآن، وقد تتبّعنا تاريخ كافة المحاولات اليائسة لتقليلها وحصرها في نصّ رسمي موحّد، وقد رأينا كم كانت نسخة عثمان مختلفة عن نسخة أبي بكر ومصحف عبد الله ابن مسعود، ورأينا أيضاً _طبقاً لشهادات أهم وأعظم مفسّري القرآن_ كيف أنّ النص الحالي يحتوي على اختلافات وتباينات كثيرة في القراءات، وكثير منها تغيّر معنى الآيات بشكل كلّي، وأخيراً رأينا كيف أنّ تلك الشهادات توافقت مع بعضها الآخر، ونصل من ذلك إلى نتيجة مفادها أنّ هناك أجزاء كبيرة فقدت من القرآن.