الله يأمر بسجن النساء !

رياض حمادي
2012 / 6 / 4

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } البقرة234

" والذين يموتون منكم, ويتركون زوجات بعدهم, يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام, لا يخرجن من منزل الزوجية, ولا يتزيَّنَّ, ولا يتزوجن, فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج, والتزين, والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله سبحانه وتعالى خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها, وسيجازيكم عليها." - التفسير الميسر

وجود مثل هذه الآية في القرآن لا يمكن تبريرها إلا بأنها إحدى مخلفات عصر ما قبل الإسلام السلبية . ولو تتبعت تبريرات المؤمنين بها لوجدت الكثير من اللغو الفائض . فالحكم في الآية الذي يقضي بسجن الزوجة في المنزل بعد وفاة زوجها مائة وثلاثين يوما ليس أكثر من استجابة لقيم الجاهلية الضاغطة التي تعتبر الزوجة جزء من متاع الزوج الشخصي وعليها أن تقدم فروض الولاء والطاعة والإخلاص ليس في حياته فقط بل وبعد مماته . هذه الثقافة لم تكن حكراً على البيئة العربية فقط فهناك من الثقافات من كانت تفرض وجوب موت الزوجة بعد زوجها .

المشكلة ليست فقط في بقاء قيمة جاهلية في سياق قرآني يحمل في جزء من أهدافه هَم منحها جزء من حقوقها بل وكذلك في عدم محاولة القرآن التخلص من هكذا عادة في وقت كان يمكنه التخلص منها, فهو – أي القرآن – استطاع أن يحقق للمرأة بعض الحقوق في قضايا كالميراث والتعدد المحدود للزوجات وغيرها .

عادة غريبة ليس في بقاء وجودها ما يبررها لا في سياق التاريخ القديم ولا في سياق التاريخ اللاحق لها ومنها المعاصر . فما هو مبرر حبس الزوجة كل هذه المدة الطويلة ؟!
على العكس من ذلك يمكن تبرير ضرورة خروج المرأة بعد موت زوجها للتسرية عنها ولتفريج حزنها فهي في هذا الوضع تكون في أشد الحاجة لتنفس الهواء النقي ولنسيان حزنها ولو على نحو مؤقت . هذا إذا كانت العلاقة الزوجية على خير ما يرام وكانت الزوجة محبة لزوجها أما في حالة تعكر هذه العلاقة وبغض الزوجة لزوجها فما حاجتها - أو ما ذنبها - لحبس نفسها كل هذه المدة بعد موته !!

هناك رغبة لدى الأزواج في السيطرة على الزوجات حتى بعد موتهم ولسان حالهم يقول للزوجات : مازلتن خاضعات لسلطتنا حتى ونحن موتى . هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك رغبة لدى هؤلاء الأزواج في حزن زوجاتهم عليهم, والبقاء في المنزل كل هذه المدة تعبير عن هذا الحزن أو هكذا كانوا يعتقدون . أو ربما يكون الأمر مجرد انتقام الأزواج من الزوجات لسان حالهم هذه المرة يقول : كيف تتمتعن أنتن بالحياة والخروج من المنزل ونحن هنا حبيسي القبور. ولو كان الأمر بيدهم ربما كانت أمنيتهم أن تظل زوجاتهم حبيسات البيوت طوال ما تبقى لهن من أعمار.

أضيف إلى ما سبق أن حبس الزوجة كل هذه المدة يمثل ذكرى سيئة يُراد لها أن تظل عالقة في أذهان الزوجات . جدير بالذكر أن كثير من نساء الأرياف والمدن لم يعدن يتقيدن بهذا الحكم في البقاء في المنزل كل هذه المدة ليس لوجود ضرورة للخروج وإنما تعبيرا عن كون هذا الحكم مجافيا لطبيعة المرأة والوضع المعاصر . وأضيف سؤالاً أخيراً :
هل على الزوجات العاملات في عصرنا أن يأخذن إجازة من أعمالهن كي يقرن في بيوتهن طوال كل هذه المدة ؟!

الثقافة الذكورية الأبوية :

لا يمكن للأنف الطبيعي أن لا يشم رائحة الأحكام الذكورية الأبوية في القرآن رغم ما حققه للمرأة من حقوق كانت من قبل في غير متناول يدها. مع ذلك تبقى الصبغة الذكورية سائدة , وهو وضع يمكن تبريره تاريخيا بحكم الظروف المصاحبة لعملية التأسيس والحاجة لسواعد الرجال / الذكور أكثر من سواعد النساء / الإناث في عملية بناء الدين والدولة. هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يكن بالإمكان التخلص جذريا من عادات متجذرة في صميم العقلية العربية الجاهلية في مدة وجيزة .
المشكلة إذن ليست في القرآن - فقط - فهو في منهجه يمنح حرية التصرف ويعطي المشرع المعاصر إمكانية التخلص من مثل هذه العادات . المشكلة في اعتبار الأحكام القرآنية أحكاما ثابتة مقدسة دون النظر إلى السياق التاريخي الذي أفرزها . المشكلة في عدم استحضار منهج التدرج المتضمن في القرآن عند علاجه لمثل هذه المظالم والعادات المتأصلة . المشكلة في تثبيت التاريخ واعتبار أن له حركة واحدة هي الماضي وإغفال حركتي الحاضر والمستقبل . المشكلة في عدم التفريق أو في الخلط بين الغاية والوسيلة عندما جعلوا من القرآن غاية وهو في الواقع وسيلة لتحقيق غاية هي الخروج بحلول لمعضلات ومشكلات يفرزها الواقع المتغير. هذا الخلط أو عدم التفريق هو الذي استدعى تثبيت التاريخ واعتبار مشكلاته أو إشكالياته واحدة فجعلوا من القرآن غاية ومن التاريخ وسيلة .

20/4/2012