الخضر والغلام المغدور

رياض حمادي
2012 / 5 / 31

نزل موسى ومعلمه الخضر من على السفينة بعد أن خرقها وأحدث فيها عيبا , فلقيا غلاما صغيراً جميل الوجه يلعب مع رفاقه الصبية فاستل الخضر سكينه واقتلع رأسه وأفاد شاهد عيان آخر بأن الخضر ظل يضرب رأس الغلام بالجدار حتى مات. ذُعر الصبية من هول المنظر ففروا خائفين لإخبار أهل القرية بما حدث, بينما وقف موسى فاغراً فاهه ومنكراً عمل الخضر قائلاً له :

" أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً . "

رد عليه الخضر : " إنك لا تفقه شيئا . لهذا الغلام أبوين مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ." !

لم يستوعب موسى الأمر ولكنه رضخ لتبرير معلمه ومضيا في طريقهما. الخضر يقوم بأفعال غريبة وموسى يفغر فاهه في كل مرة ويستنكر .
وصل الأطفال إلى بيت الغلام لاهثين وراحوا يسردون لأبيه وأمه ما حدث لرفيق لعبهم. شهق كلاهما شهقة مرعبة وراحوا ينتحبون على زهرة دنياهم الوحيد . ثم راحوا يتساءلون عن القاتل وسبب القتل .

قال لهما غلاما سمع ما كان يدور بين موسى والخضر من حديث أن القاتل شيخ عجوز غريب الهيئة بصحبته شاب يافع.

" وهل عرفت سبب القتل " سألت الأم .
" نعم . قال الشيخ بأن ابنكم أرهقكم طغيانا وكفرا وخشي عليكما منه فلعله يعيدكم بعد إيمانكم كافرين "
قال الأب : " نحن لم نشتكي لأحد . ثم كيف لغلام لم يبلغ الحلم أن يردنا كافرين . وهب أنه حاول ذلك هل يكون جزاءه القتل ! "
" لقد كان قرة أعيننا ولم يحدث شيئا منكرا فلماذا قتلته يا إلهي " شهقت الأم .

" إنه القضاء والقدر فلا تعترضي على قدر الله . " قال أحد الشيوخ . وأعقب آخر :

" أعرف ذلك الشيخ , يقال له الخضر . إنه رجل حكيم قضى حياته في تعليم الناس وله طرق عجيبة في حل المشاكل . ولعل قتل ابنكم كان إحدى تلك الطرق كي يعلم الشاب المرافق له درسا عن العلاقة بين المظهر والجوهر أو بين الظاهر والباطن . "

انصرف الجميع بعدها لمكان الحادث لدفن الغلام . مرت السنوات وذكرى الولد لم تخبوا من ذاكرة أبيه وأمه. تعلم موسى الدرس على مضض بينما لم تعلم الحادثة أبويه شيئا . على العكس لقد جعلهم مقتل ابنهم على ذلك النحو يعاودون التفكير في قضية الإيمان .

لكن هذا لم يردع الخضر أبدا. يقال بأنه مازال حيا يرزق , وما زال يلقي محاضراته ودروسه العجيبة من على أشهر المنابر , وافتتح الكثير من القنوات والجامعات وألف الكثير من الكتب حول الطرق السليمة لحل المشاكل .

19/4/2012
__________________________________________________
على هامش السرد :

" (فانطلقا) بعد خروجهما من السفينة يمشيان (حتى إذا لقيا غلاما) لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان أحسنهم وجها (فقتله) الخضر بأن ذبحه بالسكين أو اقتلع رأسه بيده أو ضرب رأسه بالجدار أقوال وأتى هنا بالفاء العاطفة لأن القتل عقب اللقاء وجواب إذا (قال) موسى (أقتلت نفسا زكية) أي طاهرة لم تبلغ حد التكليف وفي قراءة ذكية بتشديد الياء بلا ألف (بغير نفس) أي لم تقتل نفسا (لقد جئت شيئا نكرا) بسكون الكاف وضمها أي منكرا " - تفسير الجلالين .

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } الكهف80
" وأما الغلام الذي قتلته فكان في علم الله كافرًا، وكان أبوه وأمه مؤمِنَيْن، فخشينا لو بقي الغلام حيًا لَحمل والديه على الكفر والطغيان؛ لأجل محبتهما إياه أو للحاجة إليه. " - التفسير الميسر .