من ينفض الغبار عن جوهر الاشتراكية وحقيقتها الديمقراطية ؟

طارق الجبوري
2012 / 5 / 30


نعرف ان تناول مواضيع تتعلق بالاشتراكية او سواها من المصطلحات المرتبطة باليسار لم تعد تستهوي الكثير وربما يعدنا البعض كمن يسبح عكس التيار سواء ممن عاش مراحل الدعوة لها وتحمل الكثير دون ان يتذوق ثمرها الذي حولته التطبيقات المشوهة الى طعم مر ، او من اجيال صاعدة فتحت اعينها ووعت على قصص انكسارات وخيبات " الانظمة التقدمية " وما انتجته من ويلات ومآسي كان ابشعها تلك التصفيات الجسدية للتيارات والشخصيات الوطنية وضياع فرص للتقدم والنهضة والرفاهية ، فاخذت تبحث عن خيارات اخرى خارج منظومة الدعوات الاشتراكية التي توهمت انها لاتنسجم ومباديء الديمقراطية التي صارت سمة العصر الراهن وابرز ملامحه .
غير ان تجربتنا المتواضعة في العمل السياسي وما يشهده العالم من ازمات ، رغم مظاهر الاستقرار الزائفة ، علمتنا ان لانيأس وان لاخيار للانسانية غيرروح الاشتراكية وجوهرها التي ظلمت كثيراً وشوهت صورتها بتطبيقات انظمة رفعت شعارات الاشتراكية و حولت " المركزية الديمقراطية " الى نهج عام ودائم في تعاملها مع مواطنيها لتبرير قمعها لاي راي مخالف او موقف نقدي بناء، وكانت النتيجة ان يتحول هذا الشعار الى صفة ملازمة للتطبيق الاشتراكي بدلاً من ان يكون مرحلة مؤقتة وعابرة . لقد جعلت هذه الانظمة من "المركزية الديمقراطية " غطاءً لنزعتها الاستبدادية وتفننت في خلق الاعداء الوهميين لاستمرار دكتاتوريتها بذريعة حماية التجربة الاشتراكية التي سرعان ما التفت عليها وحرفتها عندما سلختها من روحها وسلبتها جوهرها المتمثل بالمباديء الديمقراطية .
وبغض النظر عن المماحكات النظرية بين دعاة الاشتراكية العلمية التي ارتبطت بماركس نظرياً واضفى عليها لينين ملامح التطبيق التي لم تخل من التشويه والتحريف ايضاً ، وتيار الديمقراطيون الاشتراكيون الذي اختط طريقاً مغايراً في طريقة االتطبيق و ابعاد صفة الماركسية عنه ، او بما يحلو للبعض ان يرفعه الى شعار ما يسمى " اشتراكية السوق " فانه من العسير تصور اشتراكية علمية اوغيرها دون حريات كفيلة باطلاق طاقات الفرد بعد ان توفر له العيش الكريم والامن بعيداً عن شبح العوز والفاقة في ظل سلم اجتماعي تسوده قيم التسامح والمحبة بعيداً عن التناحر والاحتراب والصراع التي يؤججها حتماً التفاوت الطبقي الكبير واستحواذ قلة على ما توفره عناصر الانتاج ازاء حرمان الاغلبية شبه المطلقة من ادنى حقوقها .
وبصراحة فان المفهوم الاشتراكي وارتباطه بالتطبيق الاقتصادي بشكل واسع غلب عليه ، والتعريفات المتعددة التي تناولته لايمكن ان تنفي عن الاشتراكية بشكل عام روحها الديمقراطية .
وهنا لابد من ان تبرز عدة افكار عن حقيقة التصاق بل تطابق النهج الديمقراطي مع الاشتراكي لتأكيد ما ذهبنا اليه من مفهوم هو ليس بالجديد ،لكنه غاب وضاعت معانيه في خضم التطبيقات المشوهة للاشتراكية كما اسلفنا وتطور وسائل محاربتها خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وما تبعه من انهيار ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي انذاك الذي لم تسلم منه حتى دولة بما فيها كيوغسلافيا حاولت ان تصنع تجربة مغايرة بعض الشيء عن سواها ، لكنها انهارت ايضاً عندما فشلت كسواها في حماية نفسها وتحصينها من داءالمركزية الشديدالذي لايتناسب والطبيعة البشرية التواقة الى الحرية دوماً .
ويدرك من زار الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي في نهايات السبعينات بوادر التململ التي بدأت تظهر بين الناس على شكل نكات ساخرة رغم ما كان متوفر هنالك للفرد من خدمات وفي مختلف الصعد .. غير ان انظمتها السياسية ، وللاسف ، لم تنتبه الى حجم الخطر النابع من حاجة مواطنيها الى شيء من الحريات ومخاطر ظهور طبقة جديدة من السياسيين لم تحمل من الاشتراكية وتطبيقاتها غير الاسم ، وكان لابد للمعسكر الرأسمالي ان يضخم من حجم الاخطاء ويستغل هذه الحاجة المشروعة للناس للبدء بنخر اسس بنيان ظلت شعوب لعقود طويلة ، خاصة من مايسمى بالعالم الثالث ، تجده الامل وطوق النجاة لتخليصها من ازماتها دون ان تدرك انه هو نفسه بدأ يعاني من ازمة حادة اودت به في نهاية المطاف .
ما اوردناه هنا بقدر ما يوجعنا في الصميم فانه الحقيقة التي يجب ان تجعلنا نقف عندها كثيراً لتبرأت الاشتراكية العلمية مما يحاول البعض ان يلصقه بها من مفاهيم في مقدمتها عدم ديمقراطيتها بل والايحاء بعدم تطابقها مع المفاهيم الديمقراطية ، استناداً الى تجارب وتطبيقات لم تتجاوب مع روح وجوهر الفكر الاشتراكي لاسباب بعضها موضوعي من بينها تحديات النموذج الرأسمالي الذي توفرت له امكانات متشعبة والاخر ذاتي مرتبط برموز وقيادات هذه التجارب نفسها وتحجر عقليات بعضها التي تعاملت مع كل موقف نقدي بشكل قسري ، وهذا ايضاً له اسبابه ومنها تزامن حربيين عالميتين مع ولادة اول نموذج اشتراكي ونقصد به الاتحاد السوفيتي .
واذا عدنا الى فهم واعي لاهداف الاشتراكية التي يمكن اجمالها بمرتكزين اساسيين هما المساواة والعدل لتوضح لنا عدم امكانية الفصل بينها وبين الديمقراطية التي لابد وان تحتاج الى " جو مشبع بالعدل الاقتصادي والضمان الاجتماعي " الذي بدونه تكون الحريات محض كلام لاينسجم والواقع ، واذ1عدنا لادبيات ماركس ولينين وماو وآخرين وجدنا انها تتمحور حول قضية كرامة الانسان و سعادته ورفاهيته وتكافؤ الفرص للجميع لبروز طاقاتهم والاستفادة منها ، وهي نفسها جوهر واساس اي تطبيق ديمقراطي فالبطالة مثلاً مرض اجتماعي تدعو الاشتراكية بكل الوسائل للقضاء عليه لانه يعيق التوجه الديمقراطي واطلاق حرية الانسان .. وهكذا بالنسبة للعدل وغيرها من المفاهيم الاشتراكية التي تجعل منها الارضية المناسبة والحاضن الملائم للديمقراطية .
لانعتقد اننا مثاليين جداً او خياليين اذا الححنا في طلب العودة الى منابع الفكر الاشتراكي كونه ينسجم مع كل ما تدعو اليه قيم السماء وما دعى اليها المصلحون في كل الاماكن والاوقات ، ولانه الفكر الذي تتجلى فيه اعلى القيم الانسانية ويشعر فيه الجميع بالامان كما نؤمن . ولابد من الاعتراف اخيراً اننا لاندعي ايفاء الموضوع حقه لاننا اعجز عن ذلك ، ولكن حسبنا فتح باب ونوافذ لمفكرين اجلاء نجد عندهم عزوفاً ولا اقول تخوفاً من دخوله بعد كل الذي حصل في العالم من تغيرات .فمن منهم يبادر و ينفض الغبار عن جوهر الاشتراكية وحقيقتها الديمقراطية ؟