قصة الشعر

رياض حمادي
2012 / 5 / 29

صلينا على الإسفلت والإسفلت صلى خلفنا
على الإسفلت صلينا وخلفنا صلى الإسفلت
على الإسفلت صلينا وصلى خلفنا الإسفلت

الشعر :
إعادة ترتيب الكلمات في نسق قلما يستخدمه العامة في حديثهم اليومي . هل هذا تعريف معترف به ؟! لا يهم . هذا تعريفي للشعر من حيث نسقه الخارجي أما مضمون الشعر ونسقه الداخلي – جوهره ومضمونه ووقعه وحقيقته - فموضوع آخر يتطلب تعريف آخر ويمكننا في هذه الحالة الاستعانة بأدونيس وكتابه " زمن الشعر " وغيرها من الكتب التي أعادت تعريف الشعر من وجهة نظر نقدية حداثية وما بعد حداثية.

حتى في الأدبيات التراثية لم يكن الشعر وتعريفه مرتبط بالقالب الخارجي – الشكل العمودي للقصيدة – فهذا تحصيل حاصل كما عبر بعض نقاد السلف إنما العبرة بنسق الشعر ومضمونه الداخلي .

الصياغتين الأولى والثانية , نسق ممكن لعبارات يستخدمها العامة في أحاديثهم اليومية . أما الصياغة الأخيرة فهي النسق الموسيقي المقبول والممكن شعراً.
" الشعر هو فن خلق الصور " عبارة صحيحة لكن هذا لا يعني أن حديث العامة اليومي يخلوا من خلق الصور ومع ذلك لم يحدث أن تحول الحديث اليومي إلى شعر . ما القصة ؟!
" الشعراء يتبعهم الغاوون " وبالرغم من هذه التبعية لم يحدث أن تحول الأتباع إلى شعراء !

ذلك أن التبعية هنا لا تتعدى مرحلة السماع . مطلوب كي تصير شاعراً , أن تهيم في كل واد كشرط أول وأن تقول ما لا تفعل كشرط ثاني غير أخير . ولتلاحظ معي أن الشعراء " يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ " وهذا خلافا لما يطبقه كثير من الناس في حياتهم اليومية , حيث يفعلون ما لا يقولون. وهذا ما منعهم من أن يكونوا شعراء . فالشعر يتطلب صدق مع النفس صدق الفعل , والشعر في هذه الحالة فعل صادق . في حين أن كثيراً من الناس تمارس الكذب والنفاق والغش فعلاً. وسلوكيات كهذه تقف حجر عثرة أمام شيطان الشعر .

إذا صح أن للشعر شياطين توحي به فهذا يعني أن طرفي القضية , الشعراء والعوام , يتعاملون مع الشياطين . فالشياطين توحي بالأقوال شعراً لأناس فيصيرون شعراء , و توحي بالأفعال سلوكاً – أقوال تخلوا من الموسيقى - للعوام فيصبحون أشرار.

في كلام الشعراء تكون وظيفة اللغة أن تلفت النظر إلى نفسها – ميتالغة – بينما تكون وظيفة اللغة عند العوام أن تلفت النظر إلى غيرها .
نقطة الخلاف الرئيسية بين كلام الشاعر وكلام الشارع هي أن الشارع يهتم بماذا يقول في حين يهتم الشاعر بكيف يقول ما يقوله وكيف سيكون لما يقوله آثاره المتنوعة في أو على أو عند المتلقين . كلام الشارع محاكاة للعالم الخارجي وكلام الشعر خلق لعوالم أخرى . " الشعر هروب من الذات وليس تعبيرا عنها " كما عبر اليوت .

العنوان " قصة الشعر " يحتمل قراءتين بكسر القاف والشين وفتحهما . لكن احتمال الكسر أكبر انسجاما مع سياق موضوع لا يتحدث عن طول وقصر وألوان وصبغات الشعر . هذا يقودنا إلى سمة أخرى فارقة بين كلام العامة وكلام الشعراء فالعامة تهدف من كلامها إيصال رسالة تحرص أشد الحرص على أن تكون واضحة وغير ملتبسة أو غامضة لذلك تبتعد قدر الإمكان عن المجاز والاستعارات المولدة للصور في حين أن أعذب الشعر ما كثر غموضه وتعددت معانيه ودلالاته . " أجمل الشعر أكذبه " !

لم يكن لآدم أن يعرف الشعر ذلك أنه لا وجود سوى لحواء واحدة فكيف له أن يعرف أنها جميلة وهو لم يشاهد حواءات قبيحة ! وفوق ذلك ربما يحتاج الشعر أو الشعراء إلى جمهور يخاطبه أو يصفق له لكن ربما كان الشعر في طوره الموسيقي كائن سرمدي مستقل عن الزمان والمكان.

18/3/2012