إضاءات معتمة

رياض حمادي
2012 / 5 / 25

تعتيم أول : الكتاب ليس نصا منجزا أو بناءً محكما مهما تعرض للتعديل والتنقيح . البناء المحكم لا يعني الكمال بقدر ما يعني الجمال .

***
هل يكتفي النص – أي نص – بناقد واحد ليضيئه ؟! وإذا حدث وأن أُضيء هذا النص بوساطة أو واسطة ناقد ما – ليس مهما في الوقت الراهن تحديد المدرسة النقدية التي ينتمي إليها ناقدنا المفترض – فهل هذه الإضاءة تكون خاتمة المطاف بالنسبة للنص ؟! هل تكتمل الدائرة ببلوغ النص يدي / عقل وعي/ فهم/ إدراك / شعور القارئ/ المتلقي الأخير ؟! هل هناك حقا دائرة من هذا النوع ؟! ولماذا يراد لهذا النص أن تكتمل دائرته ؟! أين ينتهي النص , عند اكتمال كتابته أم عند الانتهاء من قراءته / تلقيه ؟ وهل ينتهي / يكتمل النص أصلاً؟ عن أي نص نتحدث ؟!

إضاءة الناقد للنص هي إضاعة له عند ناقد آخر أو عند قارئ عادي وأقصى ما يمكن الخروج به هو القول بأن الناقد يضيء النص لنفسه وربما هي إضاءة غير ملزمة لغيره والسبب أن كل متلقي يحمل معه عدته الخاصة كي يتلمس بها طريقه. قد تتباين نوعية هذه المعدات وجودتها أو كفاءتها لكن المحصلة النهائية هي أن كل متلقي يرى طريقه على نحو – قد - يكون مغايرا لما يراه آخر وليس في هذا بلوغا لنهاية الطريق فهذه النهاية لا تتحقق بانقضاء عملية القراءة ووضع الكتاب جانبا أو بإزاحته كلية عن فكر المتلقي . لا نهاية لقراءة نص عندما يتحقق شرط تأثيره حاضرا ومستقبلاً .

يواصل النص قدرته المستمرة على الإيحاء عندما يكون في منأى عن محاولة إضاءته . فكل محاولة للإضاءة هي تثبيت للإيحاء وإهدار لقيمة الاختلاف خصوصا عندما تتلبس تلك الإضاءات طابعا علميا وكأنها بذلك تصمم نظرية لا مجال للفكاك عنها إلا بنظرية تنفيها وهذا بعيد المنال بسبب من طبيعة النص الأدبي أو اللغة الأدبية والتي تتلف عن اللغة العلمية.

عندما يتحول النقد /النص من وسيلة إلى غاية تُفقد الوسيلة ولا تُحقق الغاية .

ليس النقد ترجمة أو شرح أو تفسير للنص أنما هو – أو هكذا أراه – حالة انفعال مع النص وهنا لا يختلف القارئ العادي عن الناقد إلا في درجة الحالة أو مستواها التي يصل إليها كل منهم .

يسعى الكاتب إلى بناء نصه على نحو محكم ولو ظل النص حبيس أدراج مكتبه لظل عرضة للتنقيح الأبدي. ينقذه – أي الكتاب - من هذا العذاب المزمن إيداعه بين يدي الناشر الذي يسعى هو الآخر لسد بعض الثغرات في هذا البناء وكلما خرج الكتاب في طبعة أخرى تعرض لنفس الإزميل لكن ليس هؤلاء البناءون الوحيدون هناك المتلقي بنوعيه القارئ والناقد . الكتاب ليس نصا منجزا أو بناءً محكما مهما تعرض للتعديل والتنقيح . البناء المحكم لا يعني الكمال بقدر ما يعني الجمال .

الحديث يدور حول لغة قائدة ولغة مقودة أو تابعة. في الأولى تأخذك اللغة إلى عوالم غير مرصودة أو مطروقة من قبل , إلى عالم بكر لم تُكتشف أرضه بعد وفي الثانية تقاد اللغة إلى عالم مرسوم سلفا إلى معنى مستقر في وعي كاتبه وهنا قد نكتفي بقراءة العنوان أو المقدمة أو نتفة من النص لنترك الباقي هدرا. بينما في اللغة القائدة , حيث المعنى غير محدد سلفا أو أنه لا يحظى بتلك الأهمية التي تفرضها اللغة التابعة , تقودك صفحة البداية إلى النهاية ثم البداية في عملية لا تدرك أنها مكررة ذلك أن الطريق الذي تسلكه غير محدد المعالم فلا تترك لك فرصة معاودة التعرف على الدروب التي مررت بها مسبقا وكأنها دروب جديدة أو على أقل تقدير دروب تحن لمعاودة طرقها مجدداً .

لا يمكن استنتاج غياب المعنى أو حتى لا مركزيته من القول بلا نهائية الدلالات ذلك أننا نختلف في تعريف المعنى . هل يقصد به الرسالة أم الحالة . الرسالة التي يريد الكاتب إيصالها للمتلقي أم الحالة التي يريد خلقها لديه أثناء تلقيه للنص . هل هو المضمون أم الشكل , الوعي أم اللا وعي , العقل أم الغيبوبة . الخطوط المستقيمة أم المتداخلة أم الدوائر ؟!!

ستعتقد بأنك تعرف كل شيء بعد أول كتاب تقرأه ! إذا استمر هذا الاعتقاد بعد الكتاب الثاني والثالث فاعلم أن هناك خلل ما في قراءتك أو في فهمك لما تقرأ . فقانون القراءة قائم على أنك كلما قرأت أكثر كلما ازداد جهلك وكلما عرفت أكثر كلما ازدادت مساحة ما لا تعرف .

تعتيم أخير : وظيفة الكتاب هي أن تخلق فيك هذا الجهل المعرفي الذي يحفزك لمزيد من المعرفة الجاهلة ولذا أعظم الكتب هي تلك التي لا تدعي اليقين أو لا تحاول تحقيقه أو الوصول إليه. مثل هذه الكتب جديرة بلقب " الكتب المقدسة ".
23/4/2012