فرعون الديموقراطي

رياض حمادي
2012 / 5 / 22

" القرآن يتجاوز التاريخ , أي الظروف الخارجية والزمنية ويبقى حياً في نداءه إلى البشر كأي أثر فكري وأدبي كبير, خصوصا وقد أراد لنفسه أن يكون كلام الله ذاته وأن مطلبه هو الإيمان . " هشام جعيط

***
مدخل:

كثيرا ما يوصف الحكام العرب الطغاة , من قبل المعارضين ورجال الدين على وجه الخصوص , بصفة " فرعون ". هذا الربط بين فرعون وطغاة الحكام العرب يراد به وصف حالة الطغيان الكبيرة التي وصل إليها هؤلاء. لكن لماذا اكتسب "فرعون" صفة الطاغية في الأدبيات العربية والإسلامية ؟
هنا سأعيد قراءة قصة فرعون قراءة حرفية كما وردت في القرآن لنكتشف بأن هذه الصفة لا محل لها من الوجود, أي أنها مجرد تهمة لا يوجد على أرض الواقع المصري الفرعوني ما يثبتها من وجهة نظر قرآنية أو تاريخية, وبالتالي ربط فرعون بالحكام العرب أو بالطغاة أيا كانوا فيه ظلم لفرعون إذ لا مجال للمقارنة فطغيان الحكام العرب وصل إلى حدود لم يمارسها "فرعون " كما سنرى.

القصص القرآني بين القراءة الحرفية والقراءة الرمزية :

كثيرة هي الإشكاليات التي تبرز عند قراءة القصص القرآني قراءةً حرفية, لذلك سعى البعض لقراءة مغايرة رمزية تستطيع أن تتلافى مثل هذه الإشكاليات وهي قراءة بدأت مع المعتزلة وعرفها محمد عبده وكان لمحمد أحمد خلف الله قراءته الأدبية الرمزية في كتابه " الفن القصصي في القرآن " والتي لا تعتبر القصص القرآنية أحداثا تاريخية وإنما مجرد أداة من أدوات الدعوة الدينية غرضها الإقناع وأخذ العبرة والموعظة. لكن هذه القراءة الرمزية وبالرغم من أنها تستهدف صلاح وصالح الدين ونصه المقدس إلا أنها جوبهت بالرفض والهجوم والعداء من قبل دعاة القراءة الحرفية للنص المقدس.
تريد القراءة الحرفية للقرآن أن يكون كتاب تاريخ وتجعل من الله صانعا لهذا التاريخ ومتدخلا في كل تفاصيله وعلى نحو مزاجي دون وعي منها بخطورة هذا التدخل وتناقضه مع مفاهيم ومنهج القرآن . هذه القراءة لا تدرك أن القرآن " يتجاوز التاريخ , أي الظروف الخارجية والزمنية ويبقى حياً في نداءه إلى البشر كأي أثر فكري وأدبي كبير, خصوصا وقد أراد لنفسه أن يكون كلام الله ذاته وأن مطلبه هو الإيمان . " (*)

ديموقراطية فرعون التي تبدت في قصة موسى ومن خلال الحوار الذي دار بينهما تنسجم انسجاما تاما مع منهج القرآن في مجادلة الحجة بالحجة بعقلانية وهذه خاصية من خواص القرآن لا نجدها في الكتب المقدسة الأخرى. ويبدوا أن فرعون لم يكن وحده الديموقراطي , وأن الديموقراطية سمة من سمات مجتمعات ما قبل الإيمان أو مجتمعات الأديان غير السماوية – الوثنية – فتعددية الآلهة والأوثان وحرية التعبد والتدين المفتوحة أفضت لحرية إبداء الرأي – التعددية الديموقراطية. وأن موسى, في جو هذه التعددية , لم يكن وحده الذي لم يتعرض للعنف الجسدي بل وكثير من الأنبياء بينهم النبي محمد. فالمصادر" تُجمع إما إقراراً وإما سلبا على أن النبي (محمد ) لم يُسلط عليه أي عنف جسدي ولا تهديد بالقتل حتى نهاية الفترة المكية . " (*)

كما يسهب حعيط في القول :" نحن نقبل بفكرة انعدام عنف حقيقي أو كبير على النبي وعلى أغلب أصحابه (**) باستثناء المستضعفين من العبيد وبعض من فُتِنُوا من الشباب من طرف أهليهم بالاستعطاف أو السجن. لكن حري بنا أن نتعجب من ذلك , لأن القرآن مليء بالعنف اللفظي والتهديد الإلهي ويجيب بشدة على الاعتراضات من دون تعيين الأشخاص باستثناء أبي لهب. والقرآن يدين كفار قريش بلا شك بل يمكن لهم – في ذهنيتهم – أن يعتبروا أنه يهجوهم كما في قصة زوجة أبي لهب. لماذا لم ينفلتوا من حلمهم أو لم تحدث مصادمات جسدية بينهم وبين محمد , أو بينهم وبين أصحابه أو لم يحرضوا سفهاءهم ؟ ألأنهم كانوا متحضرين بصفة رائعة فيما بينهم – بين الصرحاء – والتحضر في المعجم القديم هو الحلم القرشي متناقضا مع جهالة البدو , أم هل أخفي علينا الشيء الكثير؟ هل هناك نية مبيتة في إسدال الستار على الماضي الجاهلي بعد أن دخل الإسلام قلوب كل الناس؟ " (***)

القراءة الحرفية لقصة موسى وفرعون :

ملخص الحوار الذي دار بين موسى وفرعون والذي يبين مدى ديموقراطية النظام الفرعوني وحرية التعبير التي كانت سائدة آنذاك :

مُوسَى: { يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ }الأعراف105

فرعون : {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }الأعراف106

(لاحظ كيف أن فرعون تجاوز المهمة أو الهدف الذي يبتغيه موسى – إرسال بني إسرائيل - وانتقل إلى البينة التي يحملها)

({فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ }الأعراف107)
الْمَلأُ مِن قَوْمِ فرْعَوْنَ :إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟
الملأ : أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ .
( وَجَاء السَّحَرَةُ)
السحرة : ( مخاطبين فرعون ) إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ .
فرعون : نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ .
السحرة : ( مخاطبين موسى ) يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ .
موسى : أَلْقُوْاْ أنتم .
({ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ } الأعراف 116 – 119)
السحرة : آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.
فرعون : آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } الأعراف 123 - 124

يرى فرعون أن من ضمن سلطاته منح الإذن للناس باختيار أديانهم وهو ما لا يوجد عليه سند تاريخي يؤيده. ثم يستنتج من مشهد السحر بأنه مؤامرة دبرها السحرة لإخراج بني إسرائيل وهو ما يعد في العرف السياسي تمرد . لاحظ معي ما ورد على لسان فرعون " لتُخرجوا منها أهلها " في إشارة إلى اعتبار فرعون بني إسرئيل من أهل المدينة . ثم لماذا يعذب فرعون ويستحي ويقتل العوام من الناس في حين أن رؤساء التمرد أمام ناظريه ؟! مع ذلك هل سينفذ فرعون تهديداته أم أنها مجرد كلام في كلام وأن فرعون لا يقضي شيئا بدون الرجوع إلى مجلس مستشاريه كأي حاكم ديموقراطي ؟!

السحرة : { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } الأعراف125 – 126

الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ : { أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ؟!
( يمكن أن يكون الإفساد في الأرض هنا علامة على التمرد السياسي على سلطة الدولة )
فرعون : سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }الأعراف127
( التسويف دليل على أن هذه التهديدات أتت لاحقة للتمرد وليس قبلها )
مُوسَى : ( لِقَوْمِهِ ) اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } الأعراف128

وفي سورة أخرى الحوار التالي :

فرعون :فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى؟!
موسى : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.
فرعون : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟!

( سؤال منطقي وذكي من فرعون يدل على أنه مطلع على تاريخ الأمم السابقة التي لم يُرسل فيها رسل أو أنبياء )

موسى : { عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى , الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى }طه 52 - 53
( لاحظ كيف أن موسى لا يعلم شيئا عن تاريخ الأمم السابقة وهو تاريخ في إطار الممكن لكنه يسترسل علما عن أمر في طور الغيب عند الحديث عن الله )
فرعون : {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى , فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى } طه 57 – 58

( سحر مقابل سحر في حين كان بإمكان فرعون أن يفعل بموسى الأفاعيل لو انه فعلا ديكتاتور وطاغية كما تصوره الثقافة الشعبية والفكر الديني )

موسى : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)
مُّوسَى: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى.

(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)

قَالُوا:
{ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى , فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } طه 63 - 64
السحرة : قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى.
( إلى آخر القصة المعروفة )

وفي سورة أخرى :

فرعون : {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ , وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } الشعراء 18 – 19
موسى : { قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ , فَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ , وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ } الشعراء20 - 22

( فرعون يواجه موسى بجريمة قتل سابقة يعترف بها موسى والاعتراف سيد الأدلة فلماذا لم يُقبض عليه وهي تهمة كافية لإيداعه السجن المؤبد أو الإعدام ؟! )

فِرْعَوْن :وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟! ( سؤال هدفه المعرفة )
موسى :رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ .
فرعون : ( لمن حوله ) أَلَا تَسْتَمِعُونَ ؟!
( لم تقنعه إجابة موسى وأنى لها أن تقنعه وهو كلام يلقى على عواهنه بدون دليل )
موسى : ( مستطردا ) رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ.
فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ !
( ما زالت إجابة موسى مبهمة بالنسبة لفرعون ولم تضف شيئا لما سبق )
موسى :( مستمرا في استطراده ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ.
فرعون : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ .
( تهديد بالسجن هذه المرة فهل يُنفذ ؟! )
موسى :أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ .
فرعون: فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
(فَأَلْقَى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ )

(لم تقنع بينة موسى فرعون بما فيه الكفاية ويبدوا أن مثل هذه الأفعال كانت شائعة وقتها حيث يمكن لأي ساحر أن يشق البحر بعصاه وقد ورد شيئا من هذا القبيل في بعض التراث المصري القديم حيث شق أحدهم مياه النيل نصفين بحثا عن خاتم جارية من جواري ملوك الفراعنة )

فرعون : (لِلْمَلَإِ من حَوْلَهُ )إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟

(لاحظ كيف يستشير الفرعون مستشاريه ولا يتخذ قرارا من دونهم وهذا لا يحدث إلا في الأنظمة الديموقراطية. كما أن مشورتهم تعد أمرا لا مجرد نصيحة أو مشورة ويبدوا أن هذا النظام الشوروي الديموقراطي كان هو السائد في أمم التعددية أو ما قبل أديان التوحيد . تأمل ما قالته سبأ ملكة اليمن لملأها :
{ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ } النمل32

قَالُوا :أَرْجِهِ – أخره – وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ , يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ .

(كان بإمكان فرعون وملأه قتل موسى وهارون ومن ذا الذي سيمنعهم من ذلك لو كانوا طغاة بغاة لكنهم هنا يجارون الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ثم عندما تفشل حجتهم لا يعمدون إلى القتل وإنما إلى تحذير الناس من موسى وأتباعه.

" فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ." الشعراء 53-56

( هنا فرعون يحذر قومه من هذه الشرذمة التي لا تستحق عناء القتل والقتال لكنه لم ينفذ تهديداته السابقة بحقهم مما يدل على طبيعة النظام الديموقراطي السائد وقتها والذي يكفل حرية التعبير حتى لو كانت هذه الحرية تطال رأس النظام - الفرعون )

كما يخطب فرعون في قومه محاولا إقناعهم بالحجة والمنطق :
فرعون : ( خاطبا في قومه ) { يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ , أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ }الزخرف 51 - 52
هل نفهم من هذا الخطاب أن فرعون رأى في حركة موسى محاولة للانقلاب على حكمه أو للتقليل من سلطاته ؟!

مهمة موسى أو السبب الذي من أجله أرسل إلى فرعون :

1- لإرسال بني إسرائيل أي لتركهم يخرجون من أرض مصر :

{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ , أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ }الشعراء 16 – 17
ولماذا بالذات بني إسرائيل ؟! السبب في سورة الدخان لأنهم عباد الله !
{أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ , وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }الدخان 18 – 19
هذا يدل على أن موسى رسول خاص ببني إسرائيل فقط وإلا لكان دعى بقية المصريين للدخول في دينه . ويعني أيضاً أن موسى يريد الخروج بقومه من أجل حرية العبادة . لكن التاريخ المصري القديم يشير إلى حرية التعبد والتدين وقتها وهو ما يعني إمكانية عبادة آلهة مختلفة ومتعددة قبل بزوغ عصر الديانات الموحدة والتي معها بدأ الاضطهاد والقمع لأي تعدد ديني أو ديموقراطي . أما مهمة موسى الثانوية فهي :

2- بسبب علو فرعون وطغيانه :
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }القصص4
{ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } طه24
{ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } طه43
{ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } طه44

لكن مهمة موسى الرئيسية والتي زُود من أجلها بالبينات – المعجزات – تبقى إرسال بني إسرائيل من أرض مصر :

{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } طه47
لماذا يتعمد فرعون تعذيب طائفة دون أخرى وهل كان التعذيب رد فعل على محاولة تمرد موسى وبني إسرائيل على سلطة الفرعون أو سلطة الدولة ؟!

لماذا لم يقتل الفرعون موسى ؟!

فرعون : ( للملأ المستشارين من حوله ) { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ }غافر26
مُوسَى : {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ }غافر27
رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }غافر28
فرعون :
{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى }طه71
{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } الشعراء49
{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } الأعراف127

كل هذه التهديدات لم تنفذ فإذا كان فرعون طاغية وديكتاتور كما تصفه الأدبيات الدينية والشعبية لكان بوسعه تنفيذها ومن سياق الحوار والأحداث نستنتج أن فرعون كانت لديه الرغبة في تنفيذها لكن هذه الرغبة اصطدمت بمشورة المستشارين – الملأ - أو بالنظام الذي يكفل حرية التعبير ويحول دون تحقيق شطط الحكام, وحرية كهذه لا تستدعي القتل والتنكيل .
جواب المؤمن على الأسئلة المطروحة أعلاه بسيط , وهو أن الله تعهد بحماية موسى وهارون من كيد فرعون. لكن هذا التعهد بالحماية يمكن أن يكون له معنى في حال كان هناك ثمة محاولات فاشلة – من قبل فرعون وملأه - لقتل أو حتى لسجن موسى وأخيه. هذه المحاولات لم تظهر في سياق أحداث قصة موسى وفرعون كما يعرضها القرآن وهو ما يعني أن فرعون كانت لديه الرغبة في تنفيذها – يتضح هذا من خلال تهديداته – لكن رغبته هذه اصطدمت بالنظام الديموقراطي المتبع .

من الحوار نستنج التالي :

نستنتج من القراءة الحرفية لقصة موسى وفرعون أن المهمة التي أُرسل من أجلها موسى كانت من أجل الخروج ببني إسرائيل من أرض مصر" أرسل معنا بني إسرائيل". لكن مهمة كهذه لا تستدعي كل هذا العناء والمعجزات فبإمكانهم الخروج من مصر في جماعات صغيرة لا تسترعي الانتباه ( كما فعل المسلمون عند الهجرة من مكة إلى المدينة في مدة سنة ونيف تقريبا ). كما نستنتج أن مهمة الدعوة هي مهمة ثانوية بالقياس إلى المهمة الرئيسية. ونستنتج أيضاً أن التهديدات بالتصفية الجسدية والتعذيب والسجن لم تتم, ولا يوجد ما يشير إلى أنهم حاولوا ذلك أو حاولوا ذلك وفشلوا .وأن الحوار مع موسى اتخذ منطق الأخذ والعطاء, الحجة مقابل الحجة , واتخذ أسلوب استشارة الملأ مما يعني أن فرعون لم يكن ممن يتخذون القرارات على نحو فردي ومتعسف , واللحظات القليلة التي أطلق فيها تهديداته لموسى بالقتل والسجن لم تجد طريقها للتنفيذ. وأن الديموقراطية والتحضر أو الحلم في المعجم القديم سمة من سمات مجتمعات ما قبل الأديان السماوية . إضافة إلى ما سبق فإن فرعون لقب وليس اسم لشخصية تاريخية محددة بعينها ولعل عدم ذكر أسماء تاريخية في القرآن يفيد بأن المقصود من القصة ليس سرد أحداث تاريخية بل الأهم المغزى منها, فالقصة المجردة من الأسماء تتجاوز التاريخ وتصبح مطلقة في الزمان والمكان .

نظرات على هامش القصة :

1- {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً }الإسراء103
مهمة موسى الرئيسية تقتضي إخراج بني إسرائيل من مصر والآية هنا تتحدث عن أن فرعون أراد أن " يستفزهم " من الأرض أي أن يخرجهم منها وفي هذا تناقض مع سياق القصة في الآيات الأخرى حيث فرعون يرفض خروجهم من مصر. كما أن حبكة القصة كلها قائمة على أساس هذا الرفض الذي استدعى تسع آيات / معجزات من اجل أن يوافق فرعون على خروجهم .

2 - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ , إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ , فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } غافر 23 – 25
هذا يعني أن موسى لم يرسل فقط إلى فرعون وإنما إلى قارون وهامان أيضاً !

3 - {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } الزخرف53
هل معنى هذا أن فرعون كان يؤمن بوجود الملائكة وغير مؤمن بوجود الله حين يشترط لإيمانه مثل هذه الشروط ؟!!!

خاتمة :
هذا القراءة ليست دفاعا عن الفرعون – الديكتاتور في نظر البعض وبالتالي يكون دفاعا عن الديكتاتورية - وإنما هي إشارة إلى ما في القراءة الحرفية للنص المقدس من إشكاليات تصب في غير مصلحته ودعوة مكررة إلى قراءة أخرى رمزية تأويلية يمكنها أن تتجاوز كثير من هذه الإشكاليات .
___________________________________________________________
هوامش :
(*)هشام جعيط – تاريخية الدعوة المحمدية في مكة.
(**) في كتابه " الفتنة " يقول جعيط أن " أبا بكر لقي العذاب والضرب والأذى ... وأُوذي في سبيل الله "
(***)المصدر السابق – 256