العبقرى المنسى جمال حمدان العبقرية الاستراتيجية الفريدة وتنبأتة الاستراتيجية

محمد شوقى السيد
2012 / 5 / 19


فى احد اركان احدى صفحات احدى الجرائد المصرية وفى شهر ابريل عام 1993 كتب خبر " انفجار أنبوبة بوتاجاز فى دكتور جغرافيا "
وكان الخبر مليئا بالاخطاء المطبعية والعلمية ايضا وبدون صورة فوتوغرافية لة فقد كان السبب ببساطة ان المحرر لم يكن يعرف من هو
جمال حمدان وعبقريتة الفريدة

فخرجت جنازتة وبها حوالى ثلاثون فردا او يزيد وكأنة نكرة وليس علما من المفروض أن يشار لة بالبنان
واخترق تابوتة شوارع العاصمة المصرية القاهرة التى ذاب فيها عشقا وحبا ووطنية

ولكن كسب جمال حمدان رهانة على ذاكرة جغرافية الارض التى حفظت تضاريسة بينما خسر رهانة على ذاكرة البشر الذين نسوا اسمة

لم يكن جمال حمدان شغلة الشاغل الجغرافيا وحدها حتى اصبح احد اكبر واقدر الجغرافيين المصريين والعرب
فقط فقد تجاهل الكثيرين قدرتة فى الفكر الاستراتيجي فقد كانت لدية رؤية استراتيجية متكاملة للمقومات الكلية
لكل تكوين جغرافى وبشرى وحضارى فلم يتوقف عند تحليل الاحداث الآنية والظواهر الجزئية انما برؤيتة
الاستراتيجية سعى الى وضعها فى سياق أعم واشمل وذو بعد مستقبلى ايضا ولذلك فان جمال حمدان عانى ما
عاناة كبار المفكرين الاستراتيجيين من عدم قدرة المجتمع المحيط بة على أستيعاب ما ينتجوة اذ غالبا ما يكون
رؤيتهم سابقة لعصرهم بسنوات وبالتالى فعنصر الزمن هو الفيصل للحكم على عبقريتهم وعبقرية اصحاب الفكر
الاستراتيجى فاحد اول تنبؤاتة كانت التنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتى قبل اى احد وذلك فى اوج مجد وقوة الاتحاد السوفيتى
والزحف الشيوعى شمالا وجنوبا وقد تنبأ بتفكك الكتلة الشرقية وكان ذلك عام 1968 وبالفعل تحقق ذلك عقب عشرون
عاما عام 1989 بتباعد دولها الاوربية عن الاتحاد السوفيتى ثم تفكك وانهيار الاتحاد نفسة عام 1991

رهبانية وانفرادية جمال حمدان

ليس الرهبان وحدهم هم من يعتزلون الحياة بل يعتزلها أيضا من لدية الاحساس بالغربة بين بنى جلدتة وامتة
أختار جمال حمدان العزلة فى بيتة المتواضع بأبسط مفردات العيش والحياة مطلقا لعقلة عنان التفكير فى عشق
مصر وأهلها فكتب قصيدتة وكتابة الشهير شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان والذى يعد احد اهم المراجع
للشخصية المصرية واهمها . اما السر وراء هذة الرهبنة والانفرادية فانها ترجع الى شخصية جمال حمدان فلم يقو
علي العمل في الجامعة؛ نظرا للروتين الذي قابله من ناحية، ومحاربته من ناحية أخرى، فقد رفض رؤساؤه أن يدرس
مادة جغرافية المدن والتي أبدع في الكتابة عنها، وترك له تدريس مادة الخرائط، التي كان يدرسها المعيدون في
بداية تعييناتهم.
قدم جمال حمدان استقالته من الجامعة بعد هذه المهاترات التي قابلتها اما الحادث الأهم في حياة الدكتور "جمال حمدان"-
والذي دفعه إلى الانعزال عن المجتمع في شقته ب(الدقي) التي تتكون من غرفة واحدة حتى مات فيها محروقًا يوم
16 ابريل عام 1993- حين تقدم لنَيل درجة أستاذ مساعد وأقرت اللجنة العلمية هذا الترشيح مع أستاذ جامعي آخر
حيث كانت هناك درجتان تقدَّم لهما أربعة من العاملين بالتدريس بالجامعة ورأى "حمدان" أن مساواته بزميله إهانة له
ولإنتاجه وأنه كان يجب أن تقوم اللجنة بوضع ترتيب بين المرشحين يوضِّح أهمية أبحاث ودراسات كل منهما
فتقدم باستقالته التي لم تقبلها الجامعة إلا بعد عامين كان خلالهما مسئولو قسم الجغرافيا
يحاولون إثناء "حمدان" عن قراره دون جدوى ومنذ ذلك الحين فرض "حمدان" على نفسه
عزلةً اختياريةً عن الناس حيث لم يكن يستقبل أحدًا في منزله وتفرَّغ لدراساته وأبحاثه " فقد كان جمال حمدان
احد أصغر من حصلوا على جائزة الدولة التشجيعية وكانت عام 1959 وعمرة 31 عاما حينها


من تنبؤات العبقرى الاستراتيجى جمال حمدان

شكل جمال حمدان مدرسة راقية جدا فى التفكير الاستراتيجى المنظم مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا
الذى لا يتعدى مغهومة لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس وبين علوم التاريخ والسياسة ليخرج لنا مكون جديد اسماة
جغرافيا الحياة وأوضح حمدان فى مقدمة كتابة الموسوعى "شخصية مصر "المقصود بتلك الجغرافيا موضحا أنها
علم بمادتها وفن بمعالجتها وفلسفة بنظراتها وهذة الرؤية ثلاثية الأبعاد فى التعاطى مع الظاهرة الجغرافية تنقل عالم
الجغرافيا من مرحلة المعرفة الى مرحلة التفكير ومن جغرافية الحقائق المرصوصة الى جغرافيا اافكار الرفيعة


1-- جمال حمدان يعد اول من أشار الى مدى تأثير البترول ليس فقط على المجال الاقتصادى وعلى المجال
السياسى والاستراتيجى ايضا وذلك فى كتابة " بترول العرب " وبالفعل تبين ذلك وكان البترول وسيلة ضغط
فعالة استفاد منها الزعماء العرب عقب اكتوبر 73


2-- تنبأ فى كتابة " أستراتيجية الاستعمار والتحرر " عام 1968 بتفكك وانهيار الكتلة الشرقية متمثلة بالاتحاد السوفيتى
وبالفعل تحقق ذلك وبعدها بعشرون عاما وبالتحديد عام 1989 حين انتهى التفكك بتباعد دولها الاوربية عن الاتحاد السوفيتى
ثم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتى نفسة عام 1991


3-- تنبأ جمال حمدان بمشاكل المياة بوادى النيل
كتب فى مذكراتة بين عام 90- 93
"مصر اليوم اما أن تحوز القوة أو تنقرض اما القوة واما الموت فاذا لم تصبح مصر قوة عظمى
تسود المنطقة فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما كالقصعة أعداء وأشقاء واصدقاء اقربين وابعدين "

" من المتغيرات الخطرة التى تضرب فى صميم الوجود المصرى ليس فقط من حيث المكانة لكن المكان
نفسة املى ولاول مرة يظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدعون هيدرولوجيا (مائيا) "

" كانت مصر سيدة النيل بل ملكة النيل الوحيدة الان انتهى هذا واصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائى محدود
وثابت وغير قابل للزيادة أن لم يكن للنقص والمستقبل اسوء ولت ايام الغرق
بالماء وبدأت ايام الجفاف من الماء لا كخطر طارئ ولكن دائم " الجفاف المستديم " بعد " الرى المستديم "


4—تنبأ جمال حمدان بالثورة على النظام الفرعونى المصرى وثورة يناير

كتب فى بداية الثمانينات
" مطلوب اذن حدث عظيم وأعظم فى الوجود المصرى لا يرج مصر وحدها ويخرجها من مأزقها التاريخى الوجودى ودوامة الصغار
والهوان والازمات التراكمية المعيبة التى فرضت عليها ولكن ايضا ترج الدنيا كلها من حولها لتفرض عليها أحترامها وتقديرها من
جديد والاعتراف بها شعبا آبيا كريما عزيزا الى الآبد "

لان التغيير المصرى الحضارى تغير تدريجى تراكمى تصاعدى فانة فى المحصلة النهائية ونهاية المطاف أقرب فى طبيعتة الى
ما يعرف فى قوانين التطور الانفجارى ففى التاريخ كما فى الجيولوجيا والبيولوجيا ان مسار التطور يظل عادة رتيبا تقليديا كالخط
المستقيم أو كالمنحنى الانسيابى ثم اذا بة ينفجر فجأة فى ثوران بركانى قصير لكنة عنيف يغير تضاريس الوجود ومعالم الزمان
ويضيع ملامح العصر وتوازناتة ويحددها لأمد بعيد حينئذ يكتسح التغيير أمامة أخر معاقل الديكتاتورية ومعوقات التقدم والتنمية
ليصحح بذلك كل أخطاء وخطايا الماضى وأوزار وآثام الحاضر بضربة واحدة والى الآبد وليفتح أخيرا أفاق التطور المستقبلى البكر
وليكن أساسا بشعب حر بلا قيود ولا حدود وستكون علامة البدء واشاراتة ودالة التطور وقمتة هى بالتحديد والدقة دفن آخر بقايا
الفرعونية القاتلة الى الآبد ولا شك بعد هذا ان من معجلات هذة المرحلة النهائية تلك الضغوط الرهيبة التى تجمعت علينا فى وقت
واحد كأنها على ميعاد "
وما من شك وما تخفى النذر . أن مصر المأزومة المهزومة المجروحة الجريحة الكسيرة الاسيرة ليست بعيدة جدا عن تلك المرحلة
مرحلة حتمية الانفجار فلقد أصبحت من قبل بمثابة مرجل ضخم يغلى ويفور ويمور بعشرات التيارات العاتية والتقلبات العارمة
والتفجيرات المكبوتة المكتومة ولأن اتغيير هكذا أصبح
شرط البقاء والاختيار الاخير صار بين التغيير والموت فان تلك المرحلة هى بلا ريب مرحلة الخلاص
( مقتطفات من شخصية مصر . الفصل 42 الجزء الرابع )


5-- إذا ما قلبنا في صفحات كتاب " جمال حمدان .. صفحات من أوراقه الخاصة " نجد حالة نادرة من نفاذ البصيرة والقدرة الاستراتيجية
على المستقبل ففي الوقت الذي رأى البعض في إقرار قمة بروكسيل ( 13 ، 14 ديسمبر 2003 ) تشكيل قوة عسكرية أوروبية منفصلة
عن حلف الأطلسى بداية لانهيار التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ، نجد ان جمال حمدان قد تنبأ بهذا الانفصال
منذ نحو 15 عاما ، مشيرا إلى انه " بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وزواله، بدأ البحث عن عدو جديد، قيل‏:‏ إنه الإسلام، نؤكد أن الإسلام
خارج المعركة والحلبة، هو فقط كبش فداء مؤقت، أما العدو الحقيقي الفعال فسيظهر من بين صفوف المعسكر المنتصر بالغرب
وسيكون الصراع الرهيب بين أمريكا وأوربا الغربية أو اليابان "
ويضيف في موضع آخر من الكتاب " ‏" ‏لقد بدأت الحـرب البـاردة بالفعل بين شـاطئ الأطلسي، بين أوربا وأمريكا ، لقد انتقلت
الحرب الباردة من الشرق - الغرب، أو الشيوعية- الرأسمالية ، إلى داخل الغرب نفسه ، وداخل الرأسماليين القدامى خاصة بين فرنسا
وألمانيا في جبهة ، بريطانيا وأمريكا في الجبهة المضادة -وهذه القدرة على استشراف المستقبل تبدو واضحة أيضا في توقع جمال حمدان
لسعي الغرب لخلق صراع مزعوم بين الحضارات من أجل حشد اكبر عدد من الحلفاء ضد العالم الإسلامي ، حيث أكد انه " ‏بعد سقوط
الشيوعية وزوال الاتحاد السوفيتي، أصبح العالم الإسلامي هو المرشح الجديد كعدو الغرب الجديد‏.‏ وإلى هنا لا جديد‏.‏ الجديد هو أن
الغرب سوف يستدرج خلفاء الإلحاد والشيوعية إلى صفه ليكوّن جبهة مشتركة ضد العالم الإسلامي والإسلام، باعتبارهم العدو المشترك
للاثنين بل لن يجد الغرب مشقة في هذا، ولن يحتاج الأمر إلى استدراج‏:‏ سيأتي الشرق الشيوعي القديم ليلقي بنفسه في معسكر الغرب
الموحد ضد الإسلام والعالم الإسلامي‏" ، وهو ما تحقق بالفعل حيث وضع صموئيل هنتنجتون في كتابه " صدام الحضارات "
الخطوط الفكرية العريضة لهذا الحلف ، فيما يخوض المحافظون الجدد في البيت الأبيض غمار معاركه الفعلية ، في إطار ما بات
يعرف بالحرب على الإرهاب ، والتي لا تخرج عن كونها ستارا لحرب شاملة على الإسلام


6—تنبأ بأنهيار وتفكك امريكا

حيث كتب فى بداية التسعينات يقول
" أصبح من الواضح تماما أن العالم كلة وأمريكا يتبادلان الحقد والكراهية علنا والعالم الذى لا يخفى كرهة لها ينتظر بفارغ الصبر
لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج وعندئذ ستتصرف أمريكا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح – لقد صار بين أمريكا
والعالم ثأر بابيت أمريكا الآن فى حالة "سعار قوة" سعار سياسى مجنون شبة جنون القوة وجنون العظمة وقد يسجل مزيدا من الانتصارات
العسكرية فى مناطق مختلفة من العالم عبر السنوات القادمة ولكن هذا السعار سيكون مقتلها فى النهاية "
ويلفت جمال حمدان بأن الولايات المتحدة تصارع للبقاء على القمة ولكن الانحدار لاقدامها سار والانكشاف العام تم الانزلاق النهائى قريب
جدا فى انتظار اى ضربة من المنافسين الجدد أوربا ألمانيا اليابان وتوقع أن ما كان يقال عن المانيا أستراتيجيا سيقال عن أمريكا قريبا ولكن
بالمعكوس فالمانيا واليابان عملاق اقتصادى وقزم سياسى كما قيل بينما تتحول أمريكا تدريجيا الى عملاق سياسى وقزم أقتصادى وتلك الرية
تبدو فى طريقها الى التحقق ولو ببطئ وتدل على ذلك الالاف من حالات الافلاس والركود الذى يعانى منة الاقتصاد الامريكى مقابل نمو
اقتصادى متسارع للاتحاد الاوربى واليابان ولم تكن مفاجأة أن العملة الاوربية الموحدة اليورو حققت معدلات قياسية مقابل الدولار
الامريكى فى فترة وجيزة


7- التنبأ بعودة السيادة للامة الاسلامية

" يبدو لى أن عودة الاسلام أصبحت حقيقة واقعة فى أكثر من مكان عودة الاسلام حقيقة قادمة تحت ناظرينا ويلفت الى انة فى الوقت
نفسة يبدو أن ديناميات الاسلام تختلف تماما فقديما كان الاسلام يتقلص فى تراجع نحو الجنوب فى جبهتة الاوربية وجنوب جبهتة
الافريقية والان هناك عودة الاسلام فى اوربا خاصة فى طرفيها أسبانيا وآسيا الوسطة أضافة الى هجرة المسلمين الى قلب اوربا "