لمحة تاريخية عن - نظرية التطور- وشرح بعض المفاهيم

نهى سيلين الزبرقان
2012 / 4 / 22

لقد اصبحت نظرية التطور جزءا أساسيا في المقررات الدراسية لطلبة البيولوجيا في العالم، الا في عالمنا العربي مازال شيوخ الدين يعارضون تعليمها في مدارسنا باعتبارها كٌفر بالله !
وحتى قناة الجزيرة في أحدى اخباريتها تٌعلق بالعنوان العريض " لقد سقطت نظرية داروين " ، وهذه الفكرة يتبناها تقريبا كل المسلمون ويعتقدون أن النظرية فعلا "سقطت" ! لكن أنا أتساءل كم من مسلم يعرف ماهي نظرية داروين ؟ وكم من مسلم يُفرق بين التطورعموما والتطور الدارويني خصوصا؟ وكم من مسلم يعرف الفرق بين الداروينية الجديدة والقديمة ؟ وكم من مسلم يعرف المدارس المختلفة المتواجدة بين التطوريين أنفسهم وماهو الفرق بينهم ؟ وكم من مسلم يمتلك كل الأليات لكي يفهم نظرية علمية؟ ان "سقوط نظرية علمية " ليس بالشيئ الهين لكي نتناوله بهذا الاستخفاف والسطحية في نشرة اخبار عابرة. لكن انه الاعلام المبرمج لغرض خدمة فكر معين .
أن الكثير من المسلمين لايعرفون شيئا عن التطور و اذا عرفوا قليلا تجده يخلط بين النظرة الداروينية بصفة خاصة والتطور بصفة عامة، ويخلط بين التطور ونشأة الحياة. فالتطور يطرح السؤال التالي : كيف أتى التغير والتحور والتنوع في الكائنات الحية -أي من أين جاء؟ اما نشأة الحياة فتبحث في السؤال كيف نشأت الحياة على وجه الارض ؟

أنّ النظرة التطورية كانت موجودة منذ زمن الاغريق، ولقد افترض الفلاسفة اليونانيون مثل أناكسيماندر أن الأنسان تطور من الحيوان. لكن لم يشيروا فلاسفة الاغريق تحديدا إلى المفاهيم على أنها "التطور"، فالعديد من الفلاسفة اليونانيين يؤمنون أن كل شيء نشأ من الماء أو الهواء، وأن كل شيء ينحدر من سلف مشترك واحد. فأرسطو مثلا يشير إلى وجود مرحلة انتقالية بين الكائنات الحية وغير الحية، وكانت نظرته أن في كل شيء هناك رغبة مستمرة للانتقال من الأدنى إلى الأعلى (1)

أما في العصور الوسطى، كانت فكرة التطور الى حد بعيد خارج الموضة لأن نظرية الخلق كانت هي الفكرة السائدة والرائجة والتي تؤمن بأن جميع الكائنات الحية أتت الى الوجود في أشكال معينة بسبب الإرادة الإلهية ولا تتغير بتاتا ، وهذا مايعارض تماما مفهوم التطور.
أما التفكير العلمي في القرون الوسطى كان يخلط بين فكرة التطور و فكرة نشأة الحياة العفوية، التي تنص على أن الكائنات الحية يمكن أن تظهر بشكل كامل وعفوي من مادة غير حية، مثل الديدان تنشأ من تعفن اللحوم، والضفادع تنشأ من الوحل، والفئران تنشأ من قطعة قماش قذرة تحوي قمح، وما إلى ذلك. وهذا النوع من المفهوم أدى الى ابتعادهم عن التفكير حول التطور.

أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) وضع مفهوما للتطور قريب نسبيا للفكر الحديث ، استنادا إلى أوجه التشابه بين الكائنات الحية، تكهن كانط أنها قد تكون جاءت من مصدر واحد -أي جد مشترك-. وكان يفكر ربما قد يطور الشمبانزي أعضاءا للمشي المستقيم أو النطق أو التفكير !
أما كارولوس لينيوس أو كارل لينيوس (1707-1778)، أب التصنيف الحديث لتصنيفه الهرمي للكائنات الحية المختلفة. كان يؤمن بالطبيعة الثابتة للأنواع في البداية، لكن بعد ذلك تأثر بتجارب التهجين في النباتات، والتي يمكن أن تنتج أنواع جديدة. وبمان اعتقاده في المسيحية كان قويأ فكان يرى أن الأنواع الجديدة التي تم إنشاؤها بواسطة تهجين النباتات هي جزء من خطة الله وليس جزء من التطور. (2)
وكان ايراسموس داروين (1731-1802) جد تشارلز داروين -عالم الطبيعية المميز- له أفكاره الخاصة حول التطور لكنه لم يفكر في "الانتقاء الطبيعي"، فكان يرى أن كل أشكال الحياة يمكن أن يكون لها سلف واحد مشترك، لكنه لم يستطع أن يجد آلية لهذا التطور. رأى ان الآثار المترتبة على المنافسة والانتقاء الجنسي يمكن أن تؤدي الى التغييرات المحتملة في الأنواع. (2)

وكانت نظرية التطور لجان بابتيست لامارك (1744-1829) محاولة جيدة في وقته، لكن فقدت مصداقيتها وذلك بالأدلة التجريبية وآلية "الأنتقاء أو الانتخاب الطبيعي" التي اقترحها داروين. رأى لامارك أن الأنواع ليست ثابتة و قابلة للتغيير، وهي في حالة تطور ثابتة. فقدم العديد من النظريات المختلفة التي يعتقد انها تضم تفسير أصل هذه الأنواع المتغيرة. مثل ايراسموس داروين، لامارك كانت له نظرة تفيد بأن استخدام أو الاهمال عضو من الاعضاء يمكن في حد ذاته يجعله ينمو أو يتقلص، وأن عضو الكائن الحي كان مسؤولا عن التكيف . (2)

فكل العلماء السابقون لداروين آمنوا بمفهوم التطور و الذي هو عملية انحدار الكائنات الحية الحديثة من أسلاف قديمة -اي كل الكائنات الحية لها أسلاف مشتركة- وأن التطور هو المسؤول عن التنوع المدهش للكائنات الحية وعلى كل أوجه التشابه الذي نلاحظه في كل الكائنات الحية، لكن ماهي الأليات التى حدث بها التطور ؟ فلم يجد أحدا منهم تفسيرا قبل داروين وبقت الاسئلة معلقة لقرون عديدة ولم يأتي جواب لها الا عندما أتى تشارلز داروين ووجد الجواب وطرح فكرة آلية "الانتقاء أو الأنتخاب الطبيعي"، هذه هي آلية التطور الدارويني*. وعلى الرغم من بساطة الفكرة فانها كانت فكرة عبقرية لان لا احد فكر فيها قبل داروين و ألفرد راسل والاس في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت نظرية النمو السكاني لتوماس مالثوس "(1766-1834) هي التي الهمت داروين فكرة الانتقاء أو الأنتخاب الطبيعي. وفقا لمالثوس، تناسل الشعوب يفوق بكثير الموارد المتاحة لها لكي تبقى على قيد الحياة اذا الفقر والمجاعة والمرض هم االنتائج الطبيعية التي نتجت عن الزيادة السكانية - اي كلما زاد عدد السكان زاد الجوع و الفقر والمرض و هذه العوامل تؤدي حتما الى التقلص الطبيعي لعدد السكان . لكن كان يعتقد أن الله هو المسؤول عن مثل هذه النتائج، وليس قانون انتخاب طبيعي.


وفي عصرنا الحالي جميع الأدلة العلمية المتوفرة تدعم التطور - أي النشوء والارتقاء-، و أن الكائنات الحية قد تطورت و تتقاسم كل الانواع أسلاف مشتركة. فلم يعد الجدل قائم بين علماء البيولوجيا حول هذه الاستنتاجات-أي حيققة التطور-، التطوريون منذ البداية عرفوا أن التطور هو حقيقة علمية** أما كيفية حدوثه وآلياته هو النظرية ، و العلماء الآن هدفهم هو فهم كل الآليات (نظرية علمية) التى بها حدث التطور (حقيقة علمية). فداروين أقترح نظرية (ألية) الانتقاء الطبيعي لشرح التطور. لذا التطور كمفهوم عام لم يعد يدور حوله الجدل الآن لأنه حقيقة علمية مثبتة ، مثل سقوط الاجسام على الارض بفعل الجاذبية والتي اكتشفها اسحاق نيوتن لما سقطت عليه التفاحة والتى ادت الى سياقة قوانين نيوتن -نظرية النيوتن- اذا سقوط الأجسام بفعل الجاذبية هي حقيقة علمية مثبتة أي الجاذبية هي حقيقة أما القانون الذي يفسر الجاذبية هو نظرية .

أنّ الجدل قائم الآن حول الآليات الأخرى المحركة للتطور، الأن يحاولون العلماء معرفة كل آليات التي بها حدث التطور ؟ صحيح أن داروين وجد آلية الانتقاء الطبيعي والذين أتوا بعده وجدوا بعض الأليات الأخرى، مثل ألية الانجراف الجيني، وهي عملية التغييرات لاثنين أو أكثر من الصفات الموروثة. وآلية الطفرة، وهي تغيير دائم في تسلسل الحمض النووي. وأخيرا آلية الهجرة (أو تدفق الجينات)، وهي إدماج جينات نوع إلى نوع آخر.
هذه الآليات هي التي تسبب تغيرات في الأنواع ، لهذا تُسمى "آليات التغير التطوري". ومع ذلك لايمكن أن يحدث الانتقاء الطبيعي والانجراف الجيني إلا إذا كان هناك تنوع جيني أو تباين وراثي ، اذا فما هي مصادر التنوع الجيني؟ و كيف يمكن أن تؤثر على تطور الأنواع المختلفة ؟ ***

الكثير من الاسئلة مازالت قائمة والاجابة عليها ليست مهمة سهلة، أنها تحتاج الى جمع البيانات والمعطيات ، واقتراح فرضيات، وخلق نماذج، وتقييم عمل العلماء السابقون . هذه هي الأنشطة العلمية، والتي يجب أن تكون مرجعيتنا و ليس شعارات جوفاء و ترهات قناة الجزيرة.

مثلا من بين الأسئلة التي يطرحها البيولوجيون التطوريون ويحاولون الإجابة عليها في بحوثهم العلمية :

-- هل التطور يحدث ببطء و بشكل ثابت أو في قفزات سريعة وهائلة ؟
-- لماذا تكون بعض الكائنات الحية متنوعة للغاية، والبعض الاخر نادر جدا و بشكل استثنائي؟
-- كيف يُنتج التطور الميزات الجديدة والمعقدة ؟
-- هل هناك اتجاهات في التطور، وإذا كان الأمر كذلك، ما هي العمليات التى تولد هذه الاتجاهات ؟ بمعنى هل يمكن للاتجاه التطوري أن يكون تغيير الاتجاه في غضون جيل واحد، أو تغيير مواز عبر الأجيال وبعبارة أخرى عدة أجيال تمر على نفس النوع من التغيير.
وهذه الأسئلة ادت الى ظهور عدة مدارس مختلفة بين التطوريين أنفسهم ، فهناك المدرسة الترقيمية ، ومدرسة الطفريين ويؤمنون بأن التطور يحدث في كل مرة بطفرة هائلة-أي قفزة هائلة أي غير تدريجي-. اما مدرسة التدريجيون يؤمنون بأن التغيرات في التطور هي في أغلبها بطيئة تدريجية بما لا يُكاد يُلحظ . وهناك مدرسة الداروينية الجديدة وهي امتداد للداروينية القديمة-والتى ينتمي اليها داوكنز- وهي نسخة حديثة من نظرية داروين ، حيث يؤمنون بالتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي زائد قوانين مندل في علم الوراثة، ويشددون على دور الانتقاء الطبيعي باعتباره القوة الرئيسية للتطور. (3)

وهناك من العلماء من قسم التطور الى "ماكرو-تطور" **** وهو التطور من نوع الى نوع آخر
و"ميكور-تطور" **** وهو التطور في نفس النوع مثلا الذئاب وابن آوى والثعالب، ومئات الكلاب الأليفة المختلفة جاءت كلها من سلف مشترك. هذا "التغيير في نفس نوع" هو ما لاحظه داروين في منتصف القرن التاسع عشر و ما نلاحظه حتى اليوم ...

و هكذا نظرية التطور هي نفسها تطورت، فبعد داروين تطورت العلوم و التكنولوجيا و استطاع العلماء اكتشاف دور الحمض النووي في تمرير العوامل الوراثية من جيل إلى جيل. وهذا ما أدى في منتصف القرن العشرين الى جمع و استيعاب كل المعلومات الجديدة لتحديث نظرية التطور. و الى يومنا هذا يرى علماء البيولوجيا لابد من مراجعة أخرى لتحديث النظرية، والتي يسميها البعض "النسخة الثانية " من نظرية التطور.
فعلى سبيل المثال، شبه داروين التطور "بشجرة الحياة" بان التطور ينمو مثل نمو الشجرة، تبدأ الشجرة بجذر واحد أصلي وبعدها يتفرع الى عدد لا يحصى من الجذوع المتفرعة.
أما علماء البيولوجيا المعاصرين يقولون أن التطور يشبه الشبكة أو غابة بدلا من الشجرة. حيث قال جورج فورد دوليتل، مؤيد داروين وعالم الأحياء في جامعة دالهاوزي في هاليفاكس ( نوفا سكوتيا- كندا) "اننا نفهم التطور جيد لكن التطور أكثر تعقيدا مما تصوره داروين".......



ملاحظة : رغم صغر المقال لكن أخذ مني وقت كبير في البحث والترجمة والكتابة ، وتقريبا كل مقالتي تأخذ مني وقت كبير ، وفي الأونة الاخيرة لم يعد لديّا الوقت لكتابة المقالات لظروف عملي، لهذا سأتوقف عن الكتابة لفترة. تحية لكم و شكرا للجميع..

السيدة نُهى..السبت 21 افريل 2012

المصادر
1-
http://www.philosophical-investigations.org/The_evolution_of_evolution_theory
2-
http://www.ucmp.berkeley.edu/history/evothought.html
3- كتاب "صانع الساعات الاعمى" لداوكنز


الهوامش
* يمكنكم الرجوع لمقالي "النموذج التطوري للدارويني" للمزيد من المعلومات

** الحقيقة العلمية: معلومة غير محل جدال.
مثال:
الحقيقة: انقرضت الديناصوراات في العصر الجيلوجي ترياس

*** للمزيد من المعلومات على أليات التطور زر هذا الموقع
http://evolution.berkeley.edu/evosite/evo101/IIIBMechanismsofchange.shtml

**** ماكرو-تطور
macroevolution
ميكرو-تطور
microevolution

"In evolutionary biology today, macroevolutionis used to refer to any evolutionary change at or above the level of species. It means at least the splitting of a species into two (speciation, or cladogenesis, from the Greek meaning "the origin of a branch") or the change of a species over time into another . Any changes that occur at higher levels, such as the evolution of new families, phyla or genera, arealso therefore macroevolution, but the term is not restricted to those higher levels. It often also means long-term trends or biases in evolution of higher taxonomic levels.
Microevolution refers to any evolutionary change below the level of species, and refers to changes in the frequency within a population or a species of its alleles (alternative genes) and their effects on the form, or phenotype, of organisms that make up that population or species. It can also apply to changes within species that are not genetic. " (http://www.talkorigins.org/faqs/macroevolution.html )


ملاحظة : منذ أن بدأت أكتب مقالات فيها معلومات علمية لاحظت انني أجد صعوبة في ترجمة الكلمات العلمية، لان في بعض الاحيان لايوجد الكلمة المقابلة للعربية واحتار ماذا سأترجم هذه الكلمة مثلا في هذا المقال احترت كيف ساترجم
macroevolution
و
microevolution
في الأخير ترجمتهما ماكرو-تطور و ميكرو-تطور ولست أدري اذا كانت ترجمة صحيحة ؟ فمن لديه فكرة على ترجمة هذين الكلمتين ، ارجوه يفيدني بهذه المعلومة وشكرا