القتل في القرآن و السنة (1 – 2 )

رياض حمادي
2012 / 4 / 21

مدخل :

كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة قتل الآباء لأبنائهم - هذه المرة ليست خشية إملاق - وتعددت الوسائل المبتكرة لتنفيذ هذه الجرائم منها الذكية مثل شراء ثعابين من نوع الكبرى السامة ووضعها على سرير الأطفال الأبناء وهم نيام فيصبحوا جثثا هامدة ومنها المباشر كالخنق أو الحرق أو الذبح أو الرصاص . تعددت وتجددت الوسائل والجريمة واحدة . لكن الذي لم يتغير أو يتجدد هو الفقه الإسلامي بشكل عام والمتعلق بهذه القضية على نحو خاص أي حكم قتل الآباء لأبنائهم . بل يمكن القول أن الفقه والتشريع الإسلامي أصبح أداة للقتل في يد الأهل فتارة يقتلون النساء بحجة الدفاع عن العرض والشرف وتارة يقتلون الأبناء بدون الحاجة إلى حُجة أو مبرر فالشرع الإسلامي يقف دائما في صفهم ويمنحهم صكوك البراءة والغفران. وإن أمكنهم تبرير قتل الآباء لأبنائهم البالغين – ربما بحجة إرهاقهما طغيانا وكفرا ! - { وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } - والحل في المنهج الخضري – نسبة إلى الخَضر – هي القتل, ولا حاجة لاستشارة الأبوين في ذك فربما كانا يترددان في تنفيذ المهمة فيسرها عليهم الخضر ! وهنا أتوقف عن الاستطراد لأسأل : كيف يمكنك تبرير قتل الآباء لأطفالهم الصغار في السن والذين لا حول لهم ولا قوة ؟!!! وكيف يتم تبرئة القتلة بحجة أنهم السبب في وجود القتلى ؟!!!

كالعادة , ما من حكم قرآني إلا ووجدوا له مخرجاً لينقضوه تارة بنقضه بالسنة وتارة بنقضه بالقرآن ذاته وقاعدتهم في كل ذلك, إتباع الحالات بتفاصيلها الظرفية وإهمال المنهج بتأصيله المرن , إتباع الحكم المتشدد وإهمال الحكم المرن المعتدل . وهنا في قضية قتل النفس تغيب الآية المنهج " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " وتحضر آيات التفاصيل التي تشرع لأحكام ظرفية , ويتم التفريق بين النفس المؤمنة والنفس غير المؤمنة وبين نفس العبد ونفس الحر ونفس الأنثى ونفس الذكر إلى آخر قائمة التفاصيل الظرفية والتي يمكن أن تجد لها مخرجا بآية المنهج المشار إليها آنفاً.

سينقسم هذا الموضوع إلى ثلاثة أقسام الأول, حكم وموقف القرآن من القتل بشكل عام . والثاني, موقف القرآن من قتل الآباء للأبناء . والثالث, حكم وموقف السنة والفقه الإسلامي من قتل الآباء للأبناء .

أولاً حكم القتل في القرآن :
الأحكام الظرفية :

أحكام ظرفية لأنها تتعلق بحالات محددة ومرتبطة بسياق تأسيس دولة الإسلام فكان من اللازم التفريق بين المؤمن والكافر والرفع من قيمة المؤمن والحط من قيمة الكافر وذلك لجذب المزيد من الناس كي يبلغوا منزلة المؤمن ومقامه . وهي أحكام ظرفية لأنها واقعة تحت ظروف اجتماعية ضاغطة تفرق بين الذكر والأنثى والحر والعبد ولم يكن للمشرع وقتها أن يتخلص من هذه الضغوطات كرة واحدة . مع ذلك كان إلى جوار الرفع من قيمة نفس المؤمن نصيب لقيمة النفس الإنسانية بشكل عام فأتت آية " ومن أحياها " تتويجا لهذه الأحكام حيث أن ترتيب السورة التي تتضمنها هذه الآية هو 112 في حين أن سورة النساء احتلت المرتبة 92 وآيات القصاص في سورة البقرة ترتيب نزولها 87 وهي كلها سور مدنية .

حكم القتل الخطأ – قتل المؤمن للمؤمن خطأً (المؤمن قاتلاً ومقتولاً ):

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً }النساء92
وهي آية تستهل بتقرير قاعدة بمثابة حكم عام حيث لا يجوز ولا يصح للمؤمن أن يقتل مؤمنا . والآية تستهجن وتستغرب من حيث المبدأ قتل المؤمن للمؤمن عمداً فأي قتل من هذا النوع لا يمكن إلا أن يكون عن خطأ . هذا الاستهجان والاستغراب في محله ذلك أن القتل والإيمان لا يصح ولا يستقيم أن يجتمعا في قلب رجل مؤمن . تنتقل الآية بعد ذلك لتخوض في التفاصيل والأحكام الظرفية فتقرر أن عقوبة هذا النوع من القتل - في ظل تلك المرحلة الظرفية - تحرير رقبة مؤمنة زائد دية مسلمة إلى أهل المقتول . " إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ " أي أن يتصدق أهل المقتول بالعفو عن القاتل وهو نوع من التحريض على العفو والتسامح كون القتل غير متعمد . ولنلاحظ هنا أن المراد بالعقوبة هو تطهير القاتل المؤمن وليس تعويض المقتول أو أهله .

حكم القتل الخطأ – قتل المؤمن للكافر (المؤمن القاتل ):

" فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ " ما زال السياق هو سياق القتل الخطأ . ونفهم من الآية أن العدو هنا هو الكافر بدليل المقابل " وهو مؤمن " . والعقوبة تحرير رقبة مؤمنة فقط لا غير . والسبب في تحرير رقبة مؤمنة هو لتطهير القاتل المؤمن . أما المقتول فكأنه لم يكن . مع أن القتل تم في حالة السلم أو في غير حالة الحرب . يمكننا ببساطة أن نشير إلى تناقض هذا الحكم التفصيلي الظرفي بآية الحكم العام ونقول بتناقض الحكمين وبالتالي تناقض القرآن لو أننا لم نفرق بين الأحكام الظرفية المتعلقة بزمان ومكان محددين وبين الأحكام المنهجية المتعلقة بالزمان والمكان المتقلب .

حكم القتل الخطأ – قتل المؤمن للكافر المُعاهد ( المؤمن القاتل ):

" وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً " :
هنا يعامل المقتول – الكافر – كالمؤمن في الحالة الأولى والسبب وجود ميثاق وعهد بين المؤمنين والكفار . أما صيام الشهرين فهو الكفارة البديلة عن كل الحالات السابقة في حال عدم وجود رقبة مؤمنة لتحريرها .

حكم القتل العمد – قتل المؤمن للمؤمن عمداً (المؤمن المقتول ):

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } النساء93
عقوبة أخروية رادعة حازمة وحاسمة فالمصير الخلود في جهنم . وهي آية تحكم على القاتل – مؤمن أو غير مؤمن – بالخروج من دائرة الإيمان وإلا لما كان مصيره الخلود في جهنم .

من القاتل ؟!

لم تبين الآية صفة القاتل أهو كافر أم مؤمن مع أن القاتل يخرج عن دائرة الإيمان بقتله العمد . لكن التأكيد أو التركيز هنا على المقتول وليس على القاتل خلافا للآيات السابقة حيث كان التركيز على القاتل المؤمن لتطهيره وهنا التركيز على المقتول المؤمن لبيان قيمته وقدره وأنه هو والكافر ليسوا سواء , في وضع تاريخي استقطابي كان مهماً فيه التفريق بين هاتين القيمتين - قيمة الكفر وقيمة الإيمان . كما لم تذكر هذه الآية عقوبة دنيوية للقاتل وإن كان يفهم من شدة العقوبة الأخروية أن القصاص هو العقوبة المقررة أو التي يمكن استنباطها من آيات القصاص .

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة179
عدم تحديد عقوبة دنيوية في الآية ربما يرتبط بقلة عدد المؤمنين وقتها فقد كانت الأحكام الظرفية وقتها تهدف الحفاظ على هذه النفوس القليلة المؤمنة من جهة وإلى زيادة أعدادها بعتق رقاب مؤمنين من جهة أخرى .
" وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ . " (1)

القصاص في القتل :

القصاص في القتلى لا يكون إلا بين المؤمنين :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }البقرة 178

(يا أيها الذين آمنوا كتب) فرض (عليكم القصاص) المماثلة (في القتلى) وصفاً وفعلاً (الحُرُّ) يقتل (بالحر) ولا يقتل بالعبد (والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) وبينت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يُقتَل مسلمٌ ولو عبدا بكافر ولو حرا (فمن عفي له) من القاتلين (من) دم (أخيه) المقتول (شيء) بأن ترك القصاص منه ، وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة ، وفي ذكر أخيه تعطف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر (فاتباع) أي فعلى العافي اتباع للقاتل (بالمعروف) بأن يطالبه بالدية بلا عنف ، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح (و)على القاتل (أداء) الدية (إليه) أي العافي وهو الوارث (بإحسان) بلا مطل ولا نجس (ذلك) الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية (تخفيف) تسهيل (من ربكم) عليكم (ورحمة) بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية (فمن اعتدى) ظلم القاتل بأن قتله (بعد ذلك) أي العفو (فله عذاب أليم) مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل . (2)

علاقة الإيمان التي تربط المؤمنين بعضهم البعض أضعف من علاقة الحرية والعبودية فالحر المؤمن لا يُقتل لو أنه قتل عبداً مؤمنا . والآية بينت أنه لا يقتل الرجل المؤمن بالأنثى المؤمنة نفهم هذا من " الأنثى بالأنثى " فعدلت السنة هذا الحكم وقالت بالمماثلة في الدين بين الذكر والأنثى لكن السنة لم تستطع تعديل حكم الحر بالعبد بالمماثلة في الدين كما فعلت مع الذكر والأنثى. وهذا يدل على مدى صعوبة القضاء على العبودية وقتها فلم يكن ممكناً سوى التخفيف من حدتها بعتق رقاب المؤمنين العبيد في الكفارات المختلفة . وهو منهج تدريجي هدفه في الأخير القضاء على ظاهرة الرق والعبودية نهائيا وهو هدف لم يكن يسمح به الظرف التاريخي وقتها .
والآية كسابقتها تترك خيار العفو بيد أهل الدم وتؤكد على قيمة التسامح والعفو. وبكلمة أخرى عدم إقامة القصاص في جميع الحالات المذكورة في حالة العفو . وهي مسألة يفهم منها أن التشريع القرآني يؤكد على قيمة التسامح وعدم الانتقام لتسود قيم المحبة والإخاء .

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } المائدة45
" وفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس, والعين تُفْقَأ بالعين, والأنف يُجْدَع بالأنف, والأذُن تُقْطع بالأذُن, والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ, وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح, فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها. ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره, فأولئك هم المتجاوزون حدود الله. " (2)
مع أن الآية تشير إلى حكم التوراة في القصاص لكن كثيرا ما يُستشهد بها إلى وجوب الحكم بما أنزل الله فيها من قصاص وغيره , كما أن الآية تضمنت حكمين اختياريين حكم بالقصاص وحكم بالعفو " فمن تصدق به فهو كفارة له " وفي هذا الحكم الأخير تشجيع وحض على العفو في كونه كفارة أو إزالة لذنوب المقتول .

القتل الحق والقتل الباطل :

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } الفرقان68
ما هي النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ؟
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32

يبدوا أن هذه هي الآية المنهج أو الآية الأم التي تتحدث عن القتل بشكل عام ونفهم منها أن قتل نفس واحدة يساوي عند الله قتل جميع الناس وأن إحياءها بعدم قتلها كأنه إحياء لجميع من في الأرض . الآية تذكر النفس بشكل عام ولا تتطرق إلى نفس مؤمنة ونفس كافرة أو مشركة , نفس أنثى أو نفس ذكر , نفس عبد أو نفس حر , صغير أو كبير , والد أم ولد . كما نفهم من الآية أن القتل الحق هو قتل نفس مقابل نفس أو قتلها بسبب إفسادها في الأرض :
{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33
وهما الحالتان الوحيدتان التي يجوز فيها قتل النفس لكن السنة – صحيحة أو غير صحيحة – أضافت للحالتين حالات أخرى كالزنا .

ثانيا : قتل الآباء للأبناء :
قتل الآباء لأولادهم عادة جاهلية :

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }الأنعام137
ومع أنها عادة جاهلية , لا يقوم بها إلا الكفار , إلا أن حكم السنة – أو الفكر الديني أو فقهه – لم يتأمل هذه المقارنة أو التشابه وهو يبرئ الآباء عندما يقتلون أبناءهم لأسباب أخرى غير الإملاق في وقتنا الحاضر .

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }الأنعام140
والآيتان لا تتطرقان لحكم قتل الآباء لأبنائهم , ففي الآية 137 " ولو شاء الله ما فعلوه – أي قتلهم لأولادهم وكأن القتل في هذه الحالة مشيئة إلهية – فذرهم وما يفعلون ". وفي الآية التي تليها " قد ضلوا وما كانوا مهتدين " لكن لا وجود لحكم دنيوي أو أخروي . بل يكتفي بوصف هذا النوع من القتل بأنه خطءاً كبيراً أي ذنب وإثم عظيم . مع أن الحكم يمكن استنباطه من الألفاظ التي تشددت في التحذير والتهويل من هذا النوع من القتل .

{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً } الإسراء31
لكن عدم وجود حكم دنيوي في هذه الحالة من القتل يمكن أن يفهم منه ترك المسألة بين يدي المشرع البشري وحسب الظروف وتغير الزمان والمكان . وبما أن قتلهم إثم وذنب عظيم فكان من الأجدى الخروج بحكم يساوي هذا الإثم لا بتبرئتهم بحجة الحديث القائل " لا يؤخذ الوالد بولده " أو نحوه .
{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الأنعام151

القتل – قتل الأولاد وقتل النفس بغير حق بشكل عام يأتي في سياق آية واحدة وفي المرتبة الثانية من مراتب الكبائر والمحرمات . مع ذلك يتم تجاوز هذه الآية والآيات السابقة للخروج بحكم منافي كلية لروح هذه الآيات . ولنلاحظ أن القرآن يتحدث عن قتل الآباء لأبناءهم خشية الجوع فكيف الحال إذا كان قتلا عمداً وبدون جريرة يرتكبها الأبناء ؟!

{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً }الإسراء33

ولنا أن نسأل : هل نفس طفل أو ابن كبر أو صغر محلل قتلها عند الله – إذا كان القاتل والده - أم أن الله يقرر حكماً عاما بتحريم قتل النفس إلا بالحق ؟!
وكيف يحافظ الوالد القاتل على صفة الإيمان مع أن من صفات المؤمنين والمؤمنات - عباد الرحمن - في القرآن أولئك الذين لا يقتلون النفس :
{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } الفرقان68
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الممتحنة12

لكن كل هذه الآيات تذهب أدراج الرياح عندما يقتل الآباء أبناءهم . أو عندما يقتل المؤمن نفسا غير مؤمنة !

يتبع : موقف السنة والفقه الإسلامي من قتل الآباء أبنائهم