نظرية المؤامرة العالمية، هل صحيحة؟!

سليم مطر
2012 / 4 / 7



هنالك موقفان متعارضان متطرفان حول هذه المسألة الحساسة جدا والخطيرة بنفس الوقت، لانها تمس المصالح المباشرة لشعوب العالم اجمع، وخصوصا البلدان الضعيفة والمتوترة الاوضاع وذات موقع استراتيجي وتاريخي حساس، مثل بلدان الشرق الاوسط، والعراق بالذات.

هذا الموقفان المتعارضان:

ـ الموقف المؤمن تماما بهذه النظرية وبدرجة مبالغة وحرفية بحيث تبدو مثل(القدر الالهي) الذي لا يمكن ابدا مواجهته والتخلص من حتميته، وما علينا الا الخنوع له والتحسر على مصيرنا المظلم. ويعاني بعض انصار هذه النظرية من نوع الهلوسة اشبه بالخبل إذ يتصورون ان العالم محكوم بمجموعة من الشياطين الجبارة المتلبسة بأشكال بشر.
ـ الموقف المعاكس النافي تماما لمثل هذه النظرية، وينظر الى السياسة العالمية بنوع من السذاجة والرومانسية وكأن العالم لا يقوده الا الحكماء العقلاء العلميين الذين يشتغلون بكل صراحة وعلنية، ولا يفكرون الا بمصالح شعوبهم، وفي احسن الاحوال يفكرون بمصالح العالم، وفي اسوء الاحوال يفكرون بمصالحهم الطبقية والشخصية! المهم انهم عقلاء وعلميين ومشاريعهم مكشوفة، وان كل ما يطرح في وسائل الاعلام هو صحيح تماما ويعبر عن حقيقة السياسة العالمية.

الحقيقة في الوسط

كما تعودنا في (فلسفتنا الوسطية)، ان نبحث عن الحقيقة في الموقف الوسطي بين موقفين متطرفين، فنقول:

نعم هنالك (مؤامرة عالمية) وهنالك قوى سرية تخطط بالسر للتحكم بسياسة العالم، ولكن هذه القوى:

ـ لا تتكون من شياطين وكائنات خارقة، بل هم بشر مثلنا تجمعهم (المصالح)، ولكن خصوصا تجمعهم(العقيدة). يكفي مطالعة المكتبات ومواقع الانترنت لنجد ان هنالك العديد من هذه المنظمات السرية العالمية المعروفة بصورة رسمية ومن ابرزها(الحركة الماسونية Maconic)و(حركة المستنيرين Illumunati)و(الجمجمة والعظام Skull and bonds) ، وغيرها.

ـ بما ان هذه المنظمات تتكون من بشر، فهي اذن مثل كل المنظمات، عرضة للأختلافات الداخلية والتطورات العقائدية بين اعضائها. وهذا يعني ان هنالك منظمات تتراجع وتضعف مثل(الماسونية)، وغيرها تتخذ اشكالا جديدة وتنشط وتسيطر، مثل(المستنيرين).

ـ ان النشاط السري عبر التاريخ، كان ولا زال من اوليات نشاط اية دولة:(اجهزة المخابرات والتجسس)، بل حتى المؤسسات الاقتصادية والعلمية:(التجسس التقني والعلمي). من دون النشاط السري وفنون التعتيم والخداع، لا يمكن لأية دولة ان تستمر وتضمن امنها داخليا وخارجيا. لهذا فأن دول الغرب الكبرى، ومع قوتها العالمية في جميع النواحي العسكرية والاقتصادية والثقافية والتقنية، فأن فنون القيادة والتأثير والعمل السري، قد تطورت فيها الى حد بعيد بصورة تفوق التصور.

ـ تبقى ان نأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقيقة المهمة جدا: ان هذه المؤامرة العالمية، مهما كانت مسنودة مخابراتيا واقتصاديا وتقنيا واعلاميا، فأنها بصورة مطلقة ويقينية، يستحيل عليها التأثير على أي بلد من دون تواطئ وتعامل وشراء ذمم النخب الفاعلة لهذا البلد. ان قوة هذه المؤامرة العالمية الخارجية تكمن في انقسام الشعب وفساد نخبه وضعف وحدته وهويته الوطنية. اذن، هذه(المؤامرة العالمية) ليست قوة شيطانية جبارة لا يمكن الفكاك منها، بل يمكن بسهولة لو قرر الشعب ونخبه فعلا العودة الى الضمير الوطني و(الكفاح الشعبي السلمي ـ الثقافي) من اجل الحرية والكرامة. فمن الحمق والسذاجة الاعتقاد بأن(المقاومة المسلحة) قادرة على مواجهة هذه المؤامرة، بل العكس تماما، لأن من اول اساليب هذه المؤامرة انها تشجع العنف والعمل المسلح في الشعب المعني من اجل تبرير ممارسة القوة ضده وتفريقه وبث روح العنف والخراب في صفوفه، وهذا بالضبط الذي حصل في بلادنا، ليس فقط بعد الاجتياح الامريكي عام 2003، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، حيث كانت النخب العراقية، الحاكمة والمعارضة، جميعها متواطئة وفاسدة ومعدومة الضمير الوطني.

دور اليهود

نظرية المؤامرة العالمية ارتبطت دائما بفكرة (دور اليهود القيادي فيها). ولكن مراجعة تفاصيل وتاريخ هذه المؤامرة يعطينا النتيجة التالية:

ان دور اليهود في قيادة المؤامرة، مضخم جدا ومصطنع، بل هو مقصود لكي تلقى تبعيات هذه المؤامرة على اليهود. افضل تشبيه لنا لتوضيح هذه الاشكالية الحساسة، مسألة(الاسلام المتطرف والقاعدة). فمن المعلوم ان هذه (القاعدة وبن لادن) هي صناعة المخابرات الامريكية، لكي يكونوا حجة دامغة لتشويه سمعة الاسلام والمسلمين، وتبرير غزوهم واضعافهم بأسم مكافحة الارهاب.

نفس الحال بالنسبة لـ(الحركة الصهيونية واسرائيل)، بالاضافة الى ابراز بعض الاسماء اليهودية الفاعلة مثل(آل روشيلد)، لكي تكون واجهة لتسليط الاضواء على دور اليهود في قيادة الغرب والمؤامرة العالمية.

تتوضح لنا هذه خفايا هذه (المؤامرة الخفية ضد اليهود)، لو طالعنا عقيدة(التيار المسيحي الصهيوني) المؤثر جدا في امريكا، والذي يلعب دورا اساسيا في دعم اسرائيل والتحالف مع اليهود(طالع القسم الاول ـ الملحقات). فأنه بالوقت الذي يدعم قيام اسرائيل، يؤمن كذلك بحتمية تدميرها من اجل تحقيق نبوءة التوارت وظهور السيد المسيح، وتحول جميع اليهود الى مسيحيين! اذن وضع اليهود في الواجهة، غايته توريطهم وبث الاحقاد ضدهم وتهيأة اجواء خراب دولتهم المصطنعة واجبارهم على التخلي عن اليهودية!

الموقف من الغرب وامريكا

من اكبر اخطاء غالبية من يؤمنون بهذه النظرية، الاعتقاد بأن معادات الغرب وامريكا من اوليات الكفاح الوطني. وهذا ايضا تصور ساذج تشجعه المؤامرة نفسها، من اجل حرمان الشعوب المغلوبة من انصارها الحقيقيين من ابناء الشعوب الغربية ونخبها. يتوجب الادراك، بأن هذه المؤامرة لا تبتغي فقط شعوب العالم الثالث، بل هي تمارس ايضا ضد شعوب اوربا وامريكا نفسها، من خلال مسخها اقتصاديا وثقافيا وروحيا والابقاء عليهم كقطعان من جيوش عملية الانتاج القاسية والمهلكة نفسيا وانسانيا، وجعلهم عبيدا للاستهلاك يلهثون بلا انقطاع من اجل اشباع الغرائز. لهذا فأن هنالك قطاعات واسعة ومتنامية من ابناء هذه الشعوب وسياسيه ومثقفيه ورجال الدين، ممن يدركون حقيقة هذه اللعبة الجهنمية ويكافحون بكل الطرق من اجل فضحها وايجاد المشروع الانساني البديل لها. اذن المطلوب هو خلق التعاون بين القوى الايجابية الناشطة ضد هذه المؤامرة العالمية في كل من الاوطان النامية وفي اوربا وامريكا.

لمن يرغب بالمزيد عن هذا الموضوع والمنظمات السرية العالمية، طالع كتابنا:
http://www.salim.mesopot.com/index.php?option=com_content&view=article&id=106:2011-10-06-17-49-58&catid=35