الوجود والعدم – الذات والموضوع

رياض حمادي
2012 / 4 / 4

" إن الربط الفلسفي بين الذات والموضوع الذي تؤكده الظاهراتية والذي يؤكد أنه في الوقت الذي لا يمكن لعملية الوعي بالشيء أن توجد دون وجود الشيء فإن الشيء ذاته أو الموضوع لا يمكن أن يوجد دون إدراكه , وهو شرط جوهري في تلك العلاقة . "

في ضوء هذه العلاقة كيف نشأ الإيمان بالله على اعتبار أن الإيمان وعي بموجود هو الله ؟! أحد الأجوبة الممكنة أن الشرط الظاهراتي يثبت وجود الله ولا ينفيه , فلولا هذا الوجود لما تحقق الوعي به – الإيمان – بمعنى أن وجود الله سابق للوعي به . معادلة الظاهراتية قائمة على وجود = وعي / إدراك أو العكس . وعليه لابد من التساؤل عن أي وجود تتحدث الظاهراتية . عن الوجود المادي المحسوس – هنا ينعدم مفهوم الله – أم عن الوجود غير المادي المدرك بوسائل غير محسوسة وحيث يقف العقل والعلم إزاءها محايدا ويتم اللجوء إلى أدوات معرفية أخرى كالحدس وهي موهبة ليست في متناول الجميع .

" أراد الله أن يعرف فخلق الخلق " يوجد لمثل هذه العبارة مكان في الفكر الصوفي . " وأراد أن يُشكر فخلق النعم " وهذه الإضافة ربما لها حيز من الوجود في نفس الفكر لكن منطق " الشكر " هذا سينهار وسينقلب إلى النقيض في حال تطبيقه على النقم والمآسي إلا إذا اعتبرنا الألم والعذاب الذي يلاقيه كثير من البشر نعم تستحق الشكر .

الله موجود من خلال آثاره مثلما نحن موجودون من خلال آثارنا - هكذا يقولون. هذه العلاقة ستصطدم بمفهوم التسلسلية لذلك سيقال بأنه لابد من طرف لهذه السلسلة وسيحتل الله الطرف الأول منها وستنتهي المشكلة ! المشكلة ليست في هذه العلاقة , ليست في الإقرار بوجود هذا الطرف الأول , بل في ما يلحقه أو يستتبعه من طقوس فنحن لا نطلب من آثارنا – منتجاتنا من أدوات وآلات – أن تعبدنا وتقدم لنا القرابين المختلفة ولا نعدها بجنة أو نار . إن فرحتنا تكتمل بوجود أثر يدل علينا حتى لو كان هذا الأثر قنبلة تنهي هذا الوجود !

الوعي بالله – من وجهة نظر دينية - لا يكتمل بدون تقديم القرابين له بل أن وجودك قائم من أجل تقديم هذه القرابين {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56
" ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به فإنك قد لا تكتب به." صحيح , لكننا لا نُدخل القلم الجنة لو كتبنا به أو النار في حال لم نكتب به !

يبدوا أن إحساس الله لوجوده أو بوجوده ضعيف أو غائب مع غياب المصلين والداعين وبقية القرابين لذلك يحتاج إلى الطرق على بابه باستمرار لتذكيره بأنه موجود أو كي يعرف بأنه موجود وربما لذلك " لا تأخذه سنة ولا نوم " فكيف سينام وهو مشغول دائما بوتيرة التذكير – الطرق على الباب - التي لا تنتهي ؟!

الله لا يكتفي بالفرح بانجاز أو بإبداع الخلق فقط مثلما يفرح الإنسان بخلقه. وهو لا يكتفي بالاعتراف الضمني بوجوده , فرحة الله لا تكتمل أو لا تتم من دون تقديم القرابين .
ويبدوا أن إنكار هذا الوجود لا يشكل أهمية كبيرة عند الله فليس إنكار وجوده ما يشغله بقدر الإشراك في هذا الوجود وهو ما يرتبط بمفهوم الغيرة عند إله بني إسرائيل " إله غيور هو " وهنا :

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء116
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }المائدة72
{حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }الحج31
وفي تعريف المؤمنين {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ }المؤمنون59

كما يبدوا أن العقل ليس الرسول الأول الذي يعي هذا الوجود وإلا لما عفا أو غفر عن أولئك الذين لم تصلهم رسالة الأنبياء . ولو كان العقل هو الواعي الأول لوجود الله لما كانت الحاجة للرسل والأنبياء . ولما وقف العقل حائراً أو محايدا من قضية الوجود والعدم .