سلوى النعيمي: أرى شيئاً من البذاءة في الكتابة عن المواقف والعواطف وهناك من يُقتل في الوطن كلَّ يومٍ

حكمت الحاج
2012 / 3 / 30

صدرت قبل أسابيع رواية سلوى النعيمي الجديدة بعنوان «شبه الجزيرة العربية» عن منشورات رياض الريس ببيروت. ويتوقع أن تنال هذه الرواية شهرةً واسعة أسوةً بروايتها السابقة الجريئة «برهان العسل» والتي تمت ترجمتها إلى 18 لغة عالمية وسجلت أعلى المبيعات. لَمْ يكنْ هدفُ الروائية المقيمة في باريس كتابةَ روايةٍ مبتذلة، بل اختبارُ العلاقة مع قارئ حقيقي. تقول: إن منع روايتها سبّب دعاية واسعة لها. هنا حوارٌ معها يتناول ملابسات روايتها الجديدة ولا يغفلُ، وهي السورية الدمشقية، ملامسة جرح الوطن النازف.


ـ هل نبدأ من العنوان؟ "شبه الجزيرة العربية" عنوان أخَّاذ وشديد الإيحاء بل هو "حمَّالُ أوجهٍ" كما يقول علماء اللغة. فأي وجهٍ لِشِبْهِ الجزيرة أردتهِ أن يَعْلَقَ بخيال القارئ من تلك الأوجهِ التي التصقت بمدلول عنوان روايتك الأخيرة وفيها من المتناقضات ما يتراوح بين المقدس وضدِّهِ تماماً؟

ـ عنوان أخاذ وشديد الإيحاء؟ هذا ما أراه أنا أيضاً. نحن متفقان كما ترى. على كل حال لا أتصور هذا الكتاب بعنوان آخر. ليس العنوان اختياراً عشوائياً كما تعرفُ. موضوع الكتاب هو العلاقة مع المكان الأول. كنت أعرف بشكل غامض إن العنوان يجب أن يكون جغرافياً مرتبطاً بمكانٍ مَا. العنوان حَمَّالُ أوجهٍ كما تقول. ربما كان هذا هو أحد أسباب اختياري له: تلك الأوجه المتعددة التي يحيل إليها. لذلك لم يخطر لي أن أستمع إلى نصائح من هم حولي بتغييره عندما أعلنته عليهم والكتاب في المطبعة. يخطر لي إن عنادي نافع أحياناً. جاء العنوان إذن بإيحاء المكان الجغرافي ليكتسب، بالإضافة إلى معناه الأولي، طبقات المعاني المجازية يشير إليها النص نفسه. لن أشرحها أنا فهذه ليست مهمتي. أتركها للقارئ. أنا كتبت واخترت هذا العنوان لهذا النص. أظن إن مهمتي تنتهي هنا. للمشاغبة فقط يمكن لي، أنا المخلوقة اللغوية، أن أقول مثلاً في واحد من مستويات المعنى، إن كل واحد منا "جزيرة" وإن اللغة هي الجسر الذي يصلنا بالعالم ويحولنا إلى "شبه جزيرة".

ـ أرى إن الوحدة المكانية المركزية التي تدور فيها أحداث روايتك "شبه الجزيرة العربية" هي جزيرة "جِرْبَة" التونسية وهي جزيرة تقع في جنوب شرق تونس وتعرف "بجزيرة الأحلام" أو جزيرة "أَكَلَة اللوتس"، ويقال إن أوليس أو عوليس أو يوليسيس ملك إيثاكا قد مَرَّ بها في طريق عودته إلى وطنه بعد ضياع عشر سنوات في البحر. لِمَ كان هذا الاختيار؟ وما علاقة ذلك بـ"شبه الجزيرة العربية"؟

- بدأت كتابة روايتي "شبه الجزيرة العربية" في جزيرة "جربة" التونسية، وأنهيتها فيها. منذ البداية فرض (مَجَازُ) الجزيرة نفسَهُ على ما أكتب. أنت تعرف إن "جربة" ليست جزيرة بل هي في الواقع "شبه جزيرة"، فهناك طريق يصلها باليابسة. في الحقيقة أنا منذ سنوات لا أكتب إلا في تونس. في مدن تونسية على البحر. هذه المرة بدأت الكتابة في "جِربَة" عن العلاقة مع المكان الأول. كان بديهياً أن تكون الجزيرة التونسية حاضرة جغرافياً وتاريخياً وأسطورياً في الرواية. جِرْبَةُ هي مكان المرساة المؤقتة. أحد ثلاثة أمكنة أساسية في النص مع دمشق وباريس. مثلث جديد بعد مثلث هربت منه. الساردة "هزار" تعيش علاقة صراع مع المكان الأول لذلك لا مكان لها. هي مبتورة عن وطنها ولذلك لا وطن لها. سؤالها أو أحد أسئلتها: هل يمكننا أن نختار أوطاننا؟ لماذا يجب عليَّ أن أعود ولو حنيناً إلى مكان يسلبني إنسانيتي؟ هي لا تستقر في مكان، وتعلن عن هوسها بوسائل المواصلات. إنها دائماً في قطار أو مطار أو طائرة أو فندق. لمرتين فقط نقابلها في مكان "مستقر". المرة الأولى في مكتبها حيث تعمل في باريس والمرة الثانية وهي في مواجهة ضابط المخابرات في دمشق. حتى عندما تعود إلى مدينتها بعد كل سنوات الغياب هي مع صديق على قمة جبل "قاسيون" تكتشف المدينة أمامها. هي ليست في مدينتها التي ولدت فيها وبيتها فيها ينتمي إلى ماض تعتبره مندثراً. إنها تستحضر أساطير وحكايات الذين رحلوا وعادوا على خلفية رفضها للعودة المحتومة رافعةً شعارَ اللاعودة. أسطورة أوليس حاضرة في مكان الكتابة نفسه ولاسيما أنها المكان الوحيد الذي كاد أوليس أن لا يعود منه. كاد ولكنه عاد. وهي المكان الذي ستكون هزار فيه بعد قيام الثورة في تونس. هي أيضاً كادت. هل ستعود؟

ـ إذا كان مفيداً أن نُذكِّرَ القارئ إن لك رواية قبل هذه صدرت عام 2007 بعنوان "برهان العسل" وقد أقامتْ الدنيا وأقعدتها حتى إن بعض النقاد وصفوها بأنها رواية "إيروتيكية" بامتياز. كما إنها تعرضتْ للمصادرة والمنع في بعض العواصم العربية. بالاستناد إلى هذه "السابقة" الأدبية وجدْتُ أن روايتك التالية "شبه الجزيرة العربية" قد كرستْ إحباطاً معيناً عند قارئها من جهة خلوّها تقريباً من المَشاهد الحميمية الساخنة واللغة المكشوفة والجرأة المفرطة التي تميزتْ بها "برهان العسل". فليس لدينا هنا إلا مشهدين فقط أولهما يقع على الصفحة 85 وثانيهما على الصفحة 106 من الرواية ونستطيع بصعوبة اعتبارهما "ساخنين" قياساً إلى روايتك السابقة. كيف ترينَ إلى "العقد المُبْرَمِ" بينك وبين القارئ؟

- عقد مع القارئ؟ ربما.. أتمنى أن تكون أنت على حق. هذا يفرحني. ما أعرفه أنا هو أنني قبل برهان العسل لم أكن أعرف إن هناك قارئاً. ما أعرفه أيضاً أن برهان العسل ليست رواية إيروتيكية. خطر لي بعدها أن أكتب رواية إيروتيكية فعلاً لتوضيح الفرق ربما.. كنوعٍ من وسائل الإيضاح.. لم أفعلها حتى الآن. لكنك تتحدث عن مشاهد ساخنة وتحددها في صفحات. لا أعرف ما هي درجة الحرارة المطلوبة كي يكون المشهد ساخناً. لا أكتب وفي يدي ميزان حرارة أقيس به درجة التهاب المشاهد الروائية. بالنسبة لي أكثر مشاهد شبه الجزيرة العربية سخونة ليست في تلك الصفحات التي تذكرها أنت، بل إنها في مكتب ضابط المخابرات حيث ستفهم "هزار" إن القطيعة مع بلدها نهائية. إذا كان هناك عقد مع القارئ فهو قائم على الكتابة بلغتي وتجربتي ووعيي: تعبير شخصي عن تجربة شخصية بلغة شخصية. ما أحاوله في كتابتي، وبسبل مختلفة، إن كان في برهان العسل أو في شبه الجزيرة العربية، هو التأكيد على انتمائي إلى ثقافة عربية إسلامية هي أساس حريتي. الجرأة ليست إعلانات للاستهلاك. الجرأة هي أن أعيش بحرية وأن أفكر بحرية وأن أكتب بحرية.

- هل روايتك الأخيرة هذه رواية جريئة بتوصيفك السابق؟ كيف يمكنك لك إقناعنا بذلك؟

- الجرأة في شبه الجزيرة العربية هي في محاولة إعادة النظر في مُسَلَّمَات نعتبرها بديهية في العلاقة بالوطن والعائلة والزواج والأمومة والحب والرغبة. مُسَلَّمَات تلجمنا وتقيدنا وتكبحنا. الحرية التي كانت الهاجس الأول في برهان العسل موجودة هنا من زاوية مختلفة. قلتها وأعيدها دائماً: الجرأة وحدها لا تصنع أدباً والجنس وحده لا يصنع أدباً ولا كتابة. بالنسبة لي شبه الجزيرة العربية أكثر حميمية من برهان العسل وكنت بحاجة إلى كثير من الشجاعة كي أواجه نفسي من خلال الكتابة في مسألة العلاقة مع الوطن. ثم إنني أعتقد إن الجرأة ليست في الموضوعات فقط بل هي في الشكل أيضاً وأزعم أنها موجودة في الكتابين. لا يمكن لي أن أكتب جديداً إلا بشكل جديد وهذا ما أحاوله في كل مرة. إذن، إن كان هناك عقد مع القارئ فأنا لم أخلّ به. إذا كان ينتظر مني شيئاً آخر فأنا لا أعرف ما هو هذا الشيء الآخر. معنى ذلك إن هذا العقد قائم على سوء تفاهم من الطرفين. لا بأس من سوء التفاهم في الكتابة والقراءة. فهذا يغني الكاتب والقارئ معاً.

ـ تنتهي روايتك "شبه الجزيرة العربية" على الصفحة 160 منها بالإمضاء المكاني الذي يُشْهرهُ المؤلفون عادة. وأنتِ كتبتِ آخر الصفحة (تونس/ باريس 2009-2011) لكننا نُفاجَأُ على الصفحة التالية بفصلٍ روائيٍّ من صفحتين فقط تحت عنوان بالإنكليزية (Arab is beautiful) أي "العرب جميلون"، وهو لا يعدو أن يكون استدراكاً غير مُبَرَّرٍ روائياً للحديث عن الثورة التونسية في 14 يناير 2011 في سياقٍ ربما كانت الرواية أصلاً قدْ فَاتتهُ. ألا ترينَ إن هذا الفصل الملحق بالرواية مُقْحَمٌ عليها؟

- العرب جميلون، هذا هو شعاري الذي أرفعه منذ سنوات طويلة. كان شبه مزحة في البداية ثم تحول إلى شعار حقيقي بالنسبة لي. أنت تذكر شعار " الأسود جميل" في الولايات المتحدة الأميركية في الستينيات والسبعينيات والذي كان يحيل في البداية إلى لون الجلد وإلى الشعر ثم تطور ليعم الثقافة السوداء بجميع مستوياتها. بالنسبة لي كان شعاري بمعنى إن كل ما هو عربي هو جميل ابتداء باللغة وانتهاء بالأمكنة مروراً بأهلها. ليس تعصباً مني ولكنه فعل انتماء إلى حضارة، انتماء إلى ثقافة، إلى لغة. أنت تعيش في الغرب أيضاً وتعرف كل ما يحيط بنا من خطاب جاهل مُعَادٍ يصل إلى درجة العنصرية أحياناً. لذا تكون محرضاتنا الوجودية والثقافية مختلفة عن تلك التي يعيشها المقيمون في بلدانهم. الشعار نفسه كنت أردده مع الأصدقاء والصديقات عندما قامت الثورات العربية في تونس ومصر. عندما بدأت الثورات كنت قد انتهيت من كتابة شبه الجزيرة العربية. "تَخَرْبَطَ" كلُّ شئ. وما كان يمكن لي أن أقف عند النهاية الأولى. النهاية الأولى هي النهاية في الكتابة ولكن الثانية في الفصل ما بعد الأخير الذي تشير إليه، وحتى النهاية الثالثة قبل بداية النص السردي، هما سيل الحياة الذي يجرف في طريقه كل شيء حتى الكتابة. جاء التاريخ ليصنع نهاية أخرى، ليفتح الأبواب على أسئلة أخرى. وما كان يمكن لي في كتاب مثل شبه الجزيرة العربية أن أتجاهله. الثورة زعزعت كل الأجوبة المؤقتة التي نصبتها هزار أحابيل كي تستطيع أن تتابع الحياة. الأحابيل اللغوية والنفسية والوجودية انهارت ولابد من تسجيل هذا الانهيار الذي يفرض نفسه من خارج النص ويتسرب إليه ليعطيه معاني أخرى ومناحي أخرى. كانت تبريراتها للمطالبة بحق اللاعودة مرتسمة في أفق يبدو مغلقاً تماماً، ولكن ما لا تنتظره وما لا تتوقعه وما لا تحلم به جاء وقامت الثورات. صحيح أن الكتابة هي حياة أخرى، ولكنها ليست الحياة. لقد تداخلَ السردُ الروائي بالتاريخ الذي يَنكتبُ في الحياة بشكل مباشر، على الهواء، كما يقولون في الإذاعة. بالنسبة لي كانت هناك نهاية للنص المكتوب. نقطة انتهى. كما في أي رواية أخرى. ولكنّ الحياة فرضت نفسها والجزيرة هي في الحقيقة شبه جزيرة وهي موصولة بالعالم عبر الجسر، لحسن الحظ. العالم هنا. التاريخ هنا. الجغرافيا هنا. الشعوب هنا. مفاجآت. هذا كله هنا. إنها نادرة ولكنها موجودة ونحن نعيش روعتها الآن كل يوم.

ـ من جهة أخرى، أرى إن روايتك هذه هي رواية "نبوئية" إنْ صحَّ التعبير. فالحكي الروائي المنسوج "شاميّاً" من الصفحات الأولى والحضور القوي لدمشق العاصمة والوجود القوي للتاريخ السياسي السوري المعاصر وانعكاس ذلك كلِّهِ على الشخصية الرئيسية للرواية "هَزَار" وعلى باقي الشخصيات المرتبطة المترابطة، يعطي انطباعاً قوياً بالنبوءة المتحصلة عبر الرواية وعبر قراءتها. فَهَزَارُ كانت نتاج حب وزواج بين أب مسلم علويّ وأم مسيحية. كيف كان لك أن تَصِلي بنا إلى ما يحصل اليوم في سوريا في رواية كُتِبَتْ بكل تأكيد قبل ذلك بكثير؟

- لست عرافة ولا منجمة ولا بصارة. لم يخطر لي ولا في أحلى أحلامي إن الثورات العربية ستقوم. لم يخطر هذا لي ببال. وكل من يدعي أو يزعم أو يلمح تلميحاً إلى ذلك فهو نَصَّابٌ نَصَّابٌ نَصَّابْ.

ـ لقد حصلتْ تغييرات كبيرة وعميقة في المنطقة العربية بدءاً من انطلاقة الربيع العربي في تونس وليس انتهاءاً بما سَتُسْفرُ عنه الأوضاع المحتدمة في سوريا لحدّ الآن. هل لنا أن نسأل عن رواية قادمة لسلوى النعيمي تكرسها أو تكرس خلفيتها لحديث الثورة العربية التي لم تكتمل؟

- أنا عاجزة عن كتابة حتى رسالة في هذه الأيام. أقرأ فقط. يخطر لي إن هناك شئ من البذاءة في الكتابة عن مواقفي وعواطفي وأنا البعيدة، وهناك من يُقتل في بلدي كل يوم لأنه يطالب بحقه في الحياة الحرة.
إلتقاها: حكمت الحاج
____________
* ولدت سلوى النعيمي في دمشق أواخر الخمسينيات ودرست الأدب العربي قبل أن تنتقل للإقامة في باريس مطلع السبعينيات. وفي العاصمة الفرنسية التحقت بجامعة السوربون حيث درست الفلسفة الإسلاميّة. بدأت النعيمي الكتابة شعراً فأصدرت دواوين عدة منها «متوازيات» و«إنا أعطيناك» و«ذهب الذين أحبهم» قبل أن تنال شهرةً واسعة بفضل باكورتها الروائيّة الجريئة «برهان العسل» عام 2007، وترجمتها إلى لغات عدّة. تشغل الآن منصب مسؤولة الصحافة العربية في القسم الإعلامي بمعهد العالم العربي بباريس. أصدرت سلوى النعيمي أيضا مجموعة قصصية بعنوان «كتاب الأسرار» ولها مجموعة قصائد مختارة بالفرنسية من ترجمتها بعنوان «أجدادي القتلة». تُرجمتْ كتبها إلى الفرنسية والانكليزية والألمانية والهولندية والإسبانية والعبرية.
* شبه الجزيرة العربية أو The Arabian Peninsula لسلوى النعيمي كتاب في 166 صفحة من القطع المتوسط. صورة الغلاف للفنان اللبناني شفيق عبود والتصميم من هوساك برس والناشر رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2012.