الفنانة زهرة الأجنف في رقصة الخُطَّاف ما بين النجمة والمحفل

حكمت الحاج
2012 / 3 / 19

"رقصة الخطيفة" هو عنوان العرض الموسيقي الغنائي الفرجوي الذي تؤمنه الفنانة التونسية زُهرة الأجنف، هذه الصائفة، صحبة فرقتها الموسيقية الاستعراضية المكونة من مجموعة كبيرة من العازفين إضافة إلى عدد من الفنانين الشباب الذين سيقومون بالأداء الجسدي والتعبير الجسماني.
وسيتخلل العرض في مفاصل منه تقديمٌ صوريٌ على شكل سلايدات، علاوة على مقاطع فيديو ترتسم على خلفية "الركح" أو خشبة المسرح كما يحلو للتوانسة أن يطلقوا عليها، لتكتمل بذلك الأجواء المصاحبة للعرض بتكامل العناصر الفرجوية من صوت ونغم وصورة وجسد راقص ومؤثرات بصرية.
تستند فكرة عرض "رقصة الخطيفة" لزهرة الأجنف على استلهام رمز طائر الخُطَّاف أو ما يعرف أيضاً باسم "السنونو" - ويقال إنه أسرع الطيور جميعا وهو من الطيور المهاجرة بل هو سيد المهاجرين- ورحلته الطويلة الدائمة ما بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها، مُمَثلاً بتونس الحرة الجديدة هذه المرة.
هذا ولئن كان المثلُ السائرُ يقول إن "الخُطَّاف لا يصنع الربيع" لكن واقع الحال يخبرنا إن شعب تونس المنتفض الثائر استطاع صنع قيامته الجديدة وتدشين الطريق نحو الربيع العربي في نصف الكرة الجنوبي. وكما أراد الحياة فقد استجاب له القدر ونسج البقية على منواله.
أما في البنية الموسيقية للعرض فإنه قد تمت الاستعانة بالتراث الموسيقي القديم والموروث الاجتماعي التقليدي التونسي الزاخر بالمضامين والأشكال المدهشة، كما هي العادة في جُلّ أعمال وعروض الفنانة زُهرة الأجنف، إذ ستكون مسيرة عرض "رقصة الخطيفة" الذي سيدوم أكثر من تسعين دقيقة، على وفق ترتيب الاحتفال الشعبي المعروف باسم "النجمة" في مناطق الجنوب التونسي خاصة في ولاية قفصة. والنجمة اسم يطلق على السهرة الاحتفالية الأولى لطقوس العرس أو الطهور. ولكن سيتم أيضاً تطعيم العرض بتحية للربيع العربي وللثورة التونسية في ١٤ يناير/ جانفي ٢٠١١ على طريقة زهرة الأجنف وذلك بأغنيتها الشهيرة "تونس حرة" من كلماتها وألحانها أيضا والتي كانت غنتها وأطلقتها غداة انتصار ثورة الحرية والكرامة والياسمين.
تفتتح "النجمة" عادة بغناء يسمى "المحفل" وهو غناء نسوي بحت، وبأغنية مخصصة للغرض وتكون عادة في مدح الرسول (ص) ثم تغني النسوة الاغاني الدسمة الطويلة والصعبة، مع تلبية طلبات الحاضرين. وبعد ذلك يأتي دور الرجال من خلال غناء نمطيّ يسمى "الملزومة". وعادة ما يكون الوقت متأخرا ليلا فيتغير بذلك إيقاع السهرة ويصبح الجو العام أكثر حرارة وسخونة حيث ستصل "النجمة" ذروتها حين يتم أداء كلام يحتوي على إشارات حسية حميمة وإباحيات من باب المحاكاة الساخرة فقط وهو ما يسمى في تونس "الشعر الاخضر" او "الفن الأخضر" الذي سيكون مقتصرا في هذه الحالة على البالغين.
تقول الفنانة التونسية زُهرة الأجنف التي أصدرت لحد الآن ثلاثة ألبومات غنائية وجديدها في الطريق، إنها قد عاشت هذه الأجواء الفنية الشعبية وهي صغيرة وبريئة في قرية جنوبية نائية، ورغم ذلك فقدْ تفهمتْ تلك الطفلة مغزى تلك السهرات الاجتماعية، وزادَ في قيمتها عندها ذلك الغموض الرهيب والألغاز المحيطة بها وارتسام إشارات غريبة على كل الوجوه المتغيرة والسعيدة والمسالمة.
سيحاول عرض "رقصة الخطيفة" استلهام وإعادة "تمثيل" هذه الأنماط الموسيقية الشعبية التونسية الفريدة الموغلة في القدم، ولكن بشكل معاصر وحديث مُتماشٍ مع التقدم الذي يشهدهُ العالم اليوم، قامتْ زُهرة الأجنف بوضع لمساتها الفنية عليه بدءاً من الكلام والأشعار المعدة للغرض وأغلبها من تأليفها، مرورا بالتصور الموسيقي والتوزيع الذي ينتظم العرض - وهي أستاذة موسيقى ومتحصلة على شهادة أكاديمية في الموضوع - وليس انتهاءاً بصوتها القوي المتمكن والمتمرس بهذا النمط من الغناء التونسي شديد الأصالة والمحلية، معتمدةً على خبرتها الطويلة في هذا المجال الصعب، إضافة إلى ما كوَّنتْهُ من جمهورٍ مستمعٍ لها ومُتابعٍ استطاع راغباً العودة معها إلى واحات الفن العتيق البدوي الجنوبي الأصيل مُتلفعاً برياح التجديد ومُتزيناً بألوان الحداثة.