حقيقة بني هلال في شمال افريقيا

الشهيد كسيلة
2012 / 3 / 9

بنو هلال قبيلة أعرابية قيسية تنتمي إلى حلف هوازن وهي من ضمن القبائل التي اعتنقت المذهب القرمطي الذي اعتنقته أغلب قبائل شبه الجزيرة العربية خاصّة وأنه أباح لها الغزو والنهب والسلب فوجدت فيه السبيل الممهد للعودة إلى ما كانت عليه من تقاليد وعادات جاهلية مثل الغزو والعيش من قطع الطريق وكان الحجيج على الخصوص هم الذين يستهدفهم هؤلاء الأعراب لأنهم يأتون من بلدان الشام وفارس وهي بلاد غنية ... وكان طريق الحج هو مقصد أولئك الأعراب وبلغ الأمر مداه بهجومهم على مكة وتخريبهم للحرم المكي واقتلاع الحجر الإسلام الذي يقدسه المسلمون ولا يصح الحج وهو خامس أركان الإسلام إلا به وبذلك تحققت لكل طرف غايته فالقرامطة حلفاء الفاطميين تحقق لهم إرباك الخليفة العباسي وبنو هلال وأحلافهم من الأعراب تحققت لهم العودة إلى النهب والسلب والغزو وهو ما درج عليه الأعراب قبل الإسلام على الخصوص.
لم يجد الخليفة سوى إبعادهم عن طريق الحج وكان ذلك بترحيلهم إلى بادية الشام وهناك استمرت غاراتهم على المدن والقرى والأرياف، يذكر الطبري عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبها كبير القرامطه في الشام, يقول:إن أهل دمشق صالحوه على دفع الأموال, وكذلك فعل أهل حمص, ثم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما, فقتل أهلها وقتل النساء والأطفال, ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم إلا اليسير, ثم سار إلى سلمية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول, ثم انخدعوا بالأمان الذي أعطاه لهم وفتحوا له أبواب المدينة," فاعمل فيهم السيف ... ثم قتل البهائم, ثم قتل صبيان الكتاتيب, ثم خرج منها وليس بها عين تطرف, وسار فيما حوالي ذلك من القرى يقتل ويسبى ويحرق ويخيف السبيل".

ولذلك تم ترحيلهم لثاني مرة وابعِدوا إلى صعيد مصر، وهناك أصبحوا على مقربة من مقر الحكم الفاطمي ويمكن أن يثيروا الشغب وأن يهددوا استقراره.
أردنا أن نستحضر هذه المقدّمة للوصول إلى جوهر الموضوع الذي نودّ عرضه وهو الزحفة المشؤومة على شمال أفريقيا في ما عرف بالتغريبة التي لا يعرف الكثير منها غير الرواية طالما أنها تروى في أسلوب بطولي ملحمي للعامّة التي لا يمكنها أن تدرك أبعاد مثل هذه الملاحم التي يقال عنها زورا وبهتانا "ملاحم شعبية"
عندما اجتمعت تلك القبائل الأعرابية وكثر شغبها في صعيد مصر صادف وأن قامت حركة سنية في أفريقية (تونس الحالية) فنادى الفقهاء بضرورة التخلي عن المذهب الفاطمي وقد وجد الأمير الصنهاجي المعز بن باديس حاكم إفريقية (تونس) في هذا التحرر المذهبي الفرصة لإعلان الاستقلال عن الخلافة الفاطمية
كان الفاطميون قد فتحوا مصر فانتقلوا إليها محملين بأموال ضخمة مما جادت به عليهم خزائن شمال أفريقيا وهي البلاد التي حكموها أكثر من قرن.
استشاط الخليفة الفاطمي غضبا وكيف يستقل عنه أمير إفريقية ، وفاتح وزيره اليازوري فأشار عليه بإرسال أعراب هلال ومن معهم من أحلاف قبلية وهذا جزاء سنمار ، حيث سلّم الخليفة الفاطمي البلاد التي صنعت منه ومن أسلافه خليفة على رأس أكبر دولة في عصرها وهو المشكوك في أصوله إلى قبيلة لا يعرف أبناؤها غير السلب والنهب نمط معيشة فقرر معاقبة البلد كله وكتب إلى الأمير الصنهاجي يهدده : "أما بعد؛ أرسلنا إليكم خيولاً فحولاً وحملنا عليها رجالاً كهولاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً" وقد أورد ذلك الحدث التاريخي الهام ابن عذاري بقوله: أباح بنو عبيد للعرب مجاز النيل، وكان ذلك ممنوعاً لا يجوزه أحد من العرب. فجازوا أفواجاً، وأقاموا بناحية برقة
لقد أغرى الخليفة الفاطمي ووزيره اليازوري أولئك الأعراب ومنح كل أعرابي دينارا قائلا لهم أفريقيا لكم بسيوفكم وحثهم على غزو أفريقيا الغنية بثرواتها التي لا تنضب فاكتسح هؤلاء برقة وطرابلس ولكن الخراب الحقيقي هو الذي أحدثوه في تونس ولمن أراد الاستزادة عليه بتاريخ ابن خلدون فهو غني عن التعريف
هذا الاكتساح المشؤوم وقع في الفترة ما بين XI و XII وكاد ان يعيد شمال أفريقيا إلى العصر الحجري
وفي الأخير نصل إلى الاستنتاجات الآتية :
1- الفتح الإسلامي للشمال الأفريقي انتهى في أواخر القرن السابع الميلادي وعلى امتداد أكثر من قرنين استقل الشمال الأفريقي سياسيا ودينيا وأصبح له أمراؤه وفقهاؤه ومدارسه وكانت العربية لغة النخبة الأمازيغية وهذا قبل وصول شراذم أولئك الأعراب
2- بين وقائع الفتح الإسلامي والزحفة الهلالية المشؤومة ما يزيد عن ثلاثة قرون فلا علاقة لهم بالفتح الإسلامي لأننا شاهدتا اليوم من ينسب نفسه إلى بني هلال ويتبجح أمام العامة بأنه من نسل الفاتحين .
3- كان أعراب هلال على المذهب القرمطي وفي شمال أفريقيا رغم جرائمهم احتضنهم المجتمع وأدمجهم بعد أن تخلوا نهائيا على حياة النهب والسلب (Le Brigandage) . في مدارس الشمال الأفريقي تعلم منهم من تعلم واعتنقوا المذهب المالكي وهو مذهب عموم أهالي شمال أفريقيا
 تخلوا تدريجيا عن لهجتهم وتكلموا عربية شمال أفريقيا وهي العربية كما تكلمها الأمازيغ (البربر) منذ بدايات انتشار الإسلام.
4- لا علاقة لأعراب هلال بالفاتحين ولا بالصحابة ولا بنشر الإسلام وهو ما يدعيه اليوم بعض من ينسبون أنفسهم إلى بني هلال.
5- يقوم البعض بالنفخ في أعداد الأعراب الذين اكتسحوا شمال أفريقيا في القرن الحادي عشر ويجعل منهم عشرات بل مئات الآلاف ويخلط بين الامازيغ المستعربين وبين أعراب بني هلال مع أن الملامح الامازيغية واضحة لدى الأغلبية الساحقة من سكان أفريقيا الشمالية
6- كما هو الحال في كل البلاد الإسلامية أسس الفقهاء لفكرة تفوق العرق العربي ولا يترددون في القول أن النبي عربي ويأتون بتلك الأحاديث الموضوعة لدعم هذه الفكرة الشوفينية التي لا ريب أن الأمويين هم أول من روّج لها أيام اضطهادهم للموالي والامازيغ بل إن البعثيين لم يترددوا في جعل النبي (ص) مؤسسا للقومية العربية/ ولذلك تعاني العامة من الشعور بالدونية ولا تقوى على الجهر بأصولها الامازيغية بل إن المدلسين والمزورين اخترعوا جينيالوجيات مضحكة للكثير من الشخصيات البارزة إلى درجة أن هؤلاء اختصروا أصول شعوب شمال أفريقيا في شخصين هما : هلال وإدريس ... الخ
7- واليوم يريد بعض الساسة البائسين أن يسلبوا الشمال الأفريقي تاريخه وان يؤسسوا هوية مغاربية تقوم على أساس الانتماء إلى قبيلة كانت تعيش على النهب والسلب ولا يتردد هذا البعض بدافع عرقي أحيانا وبسبب الجهل بتفاصيل التاريخ في كثير من الأحيان في وصف الاكتساح الأعرابي البدوي بالهجرة أحيانا وبالنزوح تارة بل إن البعض يمن على الامازيغ استعرابهم وينسب ذلك الى هؤلاء الأعراب مع أن شمال أفريقيا لم ينتظر أبدا قدوم هؤلاء الأعراب ليتعرب أو يستعرب بل كان سباقا في تأسيس مدارسه والإقبال على تعلم لغة دينه منذ أمد بعيد سابق لتلك الزحفة المشؤومة .