من اجل ثقافة وسطية، بين تعصب الحداثة وتزمت الدين

سليم مطر
2012 / 2 / 28

ان السبب الاعظم لكل مشاكل العقلية السائدة في مجتمعاتنا في العالم العربي والاسلامي، انها منذ بدايات النهضة العصرية قبل اكثر من قرن وحتى الآن تعاني من الانقسام الحاد والمتطرف بين اتجاهين متصارعين:

ـ اتجاه التعصب الديني(السلفي ـ الطائفي)، واتجاه التعصب الحداثي(العلماني ـ الالحادي)

والطرفان يعانيان من مشكلة الانغلاق على عقيدته واعتبار ثقافته هي الاصح والاشمل والاوحد، وبالتالي تبرير الغاء الآخر المختلف، اما بتهمة الكفر والزندقة من قبل المتدينين، او بتهمة الرجعية والتخلف من قبل الحداثيين.

المتدينون قد سجنوا عقولهم في دهاليز الماضي والسلف الصالح..

اما الحداثيون فقد سجنوا عقولهم في اوهام المستقبل الموعود حسب النموذج الغربي المقدس.

الايمان بالخالق والقوى الغيبية


في البدأ، يتوجب ازالة هذه الاكذوبة الكبرى التي فرضها الحداثيون، عن (التناقض بين العلم والدين)!!

فكل تاريخ البشرية وجميع شعوبها وحضاراتها قامت على اساس الايمان بالخالق وبالقوى الغيبية. فليس هنالك حضارة واحدة لم يكن لها آلهة ومعابد.
لكن الحضارة الغربية الحديثة، ولاسباب سياسية تتعلق بالصراع مع الكنيسة، اصطنعت هذا الصراع بين الحداثة والتدين، وتمكنت من جعله فكرة مقدسة يؤمن بها جميع حداثي الارض!!

لكن تجارب الاجيال الاخيرة جعلت شعوب الغرب نفسها تدرك بأن العلم وحده لا يخلق السعادة والجنة الموعودة. فرغم كل هذا التطور المادي الكبير وهذه التقنيات الجبارة العجيبة لا زال الانسان في اوربا وامريكا، كما في باقي العالم، يعاني ذات المشاكل الروحية المعروفة: الكبت والعزلة والقلق والغيرة والخوف من المجهول. وخصوصا استمرار اهم معضلتين تواجهان الانسان منذ ان وجدت الانسانية:
المرض والموت!


البحث عن الطريق الثالث


والمشكلة الكبرى، اننا في البلدان العربية، تبنينا بشكل ساذج ومتطرف هذه (الاكذوبة الاوربية) عن(صراع العلم والدين)، وخلقنا الاحزاب وقسمنا الثقافات والمجتمعات وحفرنا الخنادق الحربية لنمارس حروبا شعواء حتى في داخل البيت الواحد بين طرفين كل منهما يعيش في كوكب مختلف ومعادي تماما للآخر: الحداثين والمتدينين!!
جميع مشاكلنا السياسية الحضارية (الثقافية ـ السياسية ـ النفسية ـ الاجتماعية) سببها الاول والاكبر والاخطر هو هذا الصراع الوحشي الهمجي بين هذين الطرفين: الحداثيين والمتديين!!!
لهذا فاننا نعتقد بان الحل الوحيد للخلاص من هذا المأزق التاريخي، يكمن في اختيار طريق ثالث يكون وسيطا وجامعا وجسرا بين هذين الطرفين المتصارعين. نحن لا نريد ان نلغي الدين ولا نريد نلغي الحداثة، بل نريد خلق تيارا ثالثا، فكريا روحانيا قادرا على ان يكون وسيطا ومهدئا للطرفين المتصارعين.
ويمكن تسمية هذا التيار بـ: (الوسطية الجديدة)..

الوسطية والروحانية

ان الميزة الاولى لهذا الثقافة الوسطية، انها تؤمن بـ(الروحانية)، ولكن ليس بمعنى(الدين). انها ابدا لا تعارض أي دين، ولكنها تترك الايمان الديني المحدد عقائديا ومذهبيا الى الاختيار الحر للشخص نفسه.

اما المقصود بـ(الايمان الروحاني) فهو اشمل من(الدين)، لانه يؤمن بأساسيات جميع الاديان،أي: (الايمان بوجود اله جبار او قوى مطلقة غامضة تتحكم بالكون).
نعم ان هذه الوسطية ليست مرتبطة بدين ولا عقيدة معينة، بل هي منفتحة على كل الاديان والعقائد الروحانية والانسانية والعرفانية والصوفية. تستلهم وجودها من كل التراث الديني والروحاني لمنطقتنا اولا ثم العالم اجمع. وتكون مصادرها المعرفية كالتالي :

ـ اديان حضاراتنا القديمة الاولى، العراقية والمصرية والكنعانية والقرطاجية، وغيرها..

ـ اساسيات الروحانية العرفانية(الغنوصية) التي اعقبت الاديان القديمة، وهي(الهرمسية المصرية) و(المانوية العراقية) والافلاطوينة الجديدة (الاغريقية ـ الشرقية).

ـ روحانيات ادياننا السماوية، القبالا اليهودية، وعرفانية المسيحية، وصوفية الاسلام..

ـ الأديان الآسيوية المعروفة: الهندوسية والبوذية والتاوية والكونفوشسية

ـ الأديان الشامانية والاحيائية(عبادة الطبيعة) في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية .

المعارف الحديثة البديلة


كذلك ان هذه الوسطية تدعو الى دراسة التيارات البدائلية الحدثة التي اصبحت تشكل تقريبا نصف الانتاج المعرفي الغربي.
فمنذ ستينيات القرن الماضي مع حركات الهيبز واليسار الجديد و(النيو ايج ـ NEW AGE)
بدأت الاجيال الغربية الجديدة تستفيق من عبودية التطرف المادي (الصناعي ـ الاقتصادي ـ العلمي) والتصنيع العسكري والنووي الجنوني وتفاقم الخراب البيئي الخطير، مما دفع الكثير من اصحاب الضمائر في اوربا وامريكا، الى التخلص من عبادة الثقافة المادية الصناعية بمسمياتها الليبرالية والماركسية، والاتجاه نحو مفاهيم بديلة للتطور والتنمية تحترم:

ـ الميراث الروحي للبشرية بدلا من العلم المادي الصناعي

ـ وتحترم الطبيعة وتقدس الانسان بدلا من الانتاج والارباح

ومن ابراز علامات هذا الموجة الجديدة، ظهور:

1ـ الحركات البيئة ومنظمات الخضر والسلام التي اصبحت الآن احزابا ومؤسات كبرى فرضت نفسها على الحكومات العالمية نفسها.

2 ـ انتشار المجموعات الروحانية بمختلف انواعها المتأثرة بصورة واخرى بالميراث الروحاني الآسيوي والانساني.

3 ـ انتشار اساليب الطب البديل الذي احدثت ثورة هائلة في العلاجات ومفاهيم الصحة. بل اقتحمت حتى اسوار (معابد) الطب الرسمي العلمي البدني الجاف والاكاديمي الذي يتعامل مع الانسان كبدن فقط مثل اية آلة بلا روح ولا تاريخ!!
فهذا الطب البديل استلهم مصادره من التقاليد الطبية الشعبية الموروثة من جميع الشعوب.

الثقافة الوسطية الجديدة


نعم اننا باختصار نريد ايجاد (ثقافة وسطية جديدة) تجمع بين الحدثة والاصالة بين الماضي والمستقبل.

نحن مع الحداثيين قادرون على على الحوار والتفاهم لاننا نؤمن بالحداثة والعلم، مع الكثير من النقد والتحفظ. فنحن لسنا ضد العلم، بل ضد الخطاب العلمي الذي يتحجج بالعلم لتبرير الالحاد ومعادات كل ما هو روحي..

كذلك نحن مع المتدينين قادرون على الحوار والتفاهم لاننا نؤمن بالله والقوى الروحانية المطلقة الغامضة، مع رفض للتعصب والانغلاق الديني والمتزمت. نحن لسنا ضد الدين بل ضد تحويل الايمان الروحاني الى عقيدة حزبية تابعة لاشخاص ومصالح ومؤسسات دينية محددة.

ان (الوسطية الجديدة) تؤمن بأن الحقيقة لا توجد في عقيدة واحدة، بل هي منتثرة اجزائها في كل العقائد مثل اللآلئ في اعماق البحر. ونحن نخوض في اعماق العقائد للبحث عن تلك الحقائق..

نريد التعامل مع العقائد الروحانية والحداثية، ليس باعتبارها متناقضة متصارعة بل على انها متكاملة مثل الدروب المختلفة التي تؤدي الى نفس المكان.
اننا ندعوا كل الاصدقاء من المثقفين والمهتمين للمساهمة بتطوير هذه(الوسطية الجديدة) النابعة فعلا من واقعنا نحن ابناء شرق البحر المتوسط بميراثاتنا الحضارية والروحانية الشرقية والانسانية..

من دون هذه الوسطية سوف يبقى الصراع الهمجي والانقسام الوحشي هو الذي يشل شعوبنا ويحجر عقولنا ويمنعنا من المشاركة بالنهضة الحضارية الانسانية..