مناقشة لمطالبة التحالف الشعبي الاشتراكي بتولّي مجلس الشعب سلطات الرئاسة

جلبير الأشقر
2012 / 1 / 21

قرأت باهتمام البيان الصادر عن التحالف الشعبي الاشتراكي بصدد تولّي مجلس الشعب لسلطات الرئاسة مؤقتاً، كما قرأت باهتمام مقالة الرفيق تامر دفاعاً عن الموقف الذي لخّصه بشعار “السلطة لمجلس الشعب المنتخب”، وهو يذهب بموقف التحالف الى أقصى حدّه. وبينما أقدّر تماماً مجهود الرفيق الرامي الى إيجاد سبل يستطيع من خلالها “الميدان أن يقنع الشارع” على حد تعبيره، لم أجد في محاجّته ما يلبّي تلك الغاية، ولذا رأيت أن أدلي بمساهمة في هذا النقاش، وذلك حرصاً منّي على مستقبل النضال الثوري في مصر – وإن لم أكن من المشاركين به جسدياً.

أورد ملاحظاتي على الموضوع بالتتالي، بدءاً بالاعتبارات التكتيكية المتعلقة بالمؤسسات وانتهاءً بالأمور الجوهرية المتعلقة بآفاق الثورة المصرية :

١) للتذكير فقط: تعمل قوى الأغلبية في مجلس الشعب المنتخب، ولا سيما القوة الأهم بينها ألا وهي جماعة الإخوان المسلمين، بوحي من “الإعلان الدستوري” الذي أصدره المجلس العسكري إثر الاستفتاء الذي جرى في شهر مارس الماضي. وينصّ ذلك الإعلان (المادة ٥٦) على أن يتولّى المجلس العسكري سلطات مجلس الشعب ورئيس الجمهورية حتى يتم انتخابهما. وبموجب الإعلان إذاً، يفقد المجلس العسكري صلاحية التشريع مع الانتهاء من انتخاب مجلس الشعب (المادة ٣٣) وبدء أعماله في ٢٣ يناير القادم، لكنه سوف يحتفظ بصلاحيات الرئيس حتى انتخاب هذا الأخير (المادة ٢٥).

فإن المطالبة “بانهاء الفترة الانتقالية فوراً … ونقل صلاحيات رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة إلى مجلس الشعب”، كما جاء في بيان التحالف، إنما تساوي دعوة الإخوان المسلمين إلى إعلان الحرب على المجلس العسكري، وذلك بإقرار بطلان الإعلان الدستوري الذي ما انفكّوا يدعون إلى احترامه ولا زالوا يعتبرون أن تطبيقه أولوية إستراتيجية، لا سيما وأنهم يخشون التفاف المجلس العسكري عليه. هذا وقد رفض الإخوان تقديم موعد انتخابات الرئاسة بحجة أن التقديم “قد يسبب الفوضى”، أي أنهم رفضوا التعجيل بإنهاء الحكم العسكري حتى لو وافق العسكر أنفسهم على التعجيل، فكيف تعقل مطالبتهم بالتعجيل بنزع صلاحيات الرئاسة من أيدي المجلس العسكري عن طريق الارتداد على الإعلان الدستوري؟ فإن المطلب الذي جاء في بيان التحالف يخلو من الواقعية تماماً، سيسخر منه الأخوان ويدينونه على أنه مزايدة رخيصة ومحاولة لزجّهم في صراع مع الجيش لا بدّ أن تكون له عواقب وخيمة، وقد يؤدي الى إفشال الانتقال الى سلطة مدنية وإرساء الحكم العسكري كما حصل في الجزائر في يناير سنة ١٩٩٢.

٢) إن تفضيل الديموقراطيين لنوع من المؤسسات السياسية على نوع آخر في إطار اليموقراطية البورجوازية إنما يعتمد بالدرجة الأولى على طبيعة المشهد السياسي في ساحتهم. ففي حالة من انعدام التوازن التنظيمي والمالي العميق بين القوى السياسية لصالح طرف واحد، لا سيّما أنه ديني رجعي، لا بدّ للديموقراطيين من الدفاع عن فصل السلطات كشرط من شروط الحؤول دون الانزلاق نحو الديكتاتورية. ومقابل ذلك تسعى القوة المهيمنة عادة إلى إحلال نظام برلماني، يسمح لها بإحتكار السلطات حيث يكون رئيس الجمهورية منتخباً من قبل البرلمان ومحدود الصلاحيات، ويكون الحكم الفعلي بين أيدي رئيس الوزراء المستند إلى الأغلبية البرلمانية. وهذا تماماً ما حصل في تونس حيث سعت حركة النهضة إلى حصر السلطة الفعلية برئيس الوزراء (ومن ورائه “المرشد” راشد الغنّوشي) وجرّدت رئيس الجمهورية من أهم صلاحياته السابقة بجعله منتخباً من قبل المجلس بدل أن يكون منتخباً بالاقتراع العام، وجماعة النهضة تدرك تمام الإدراك أنها لا تستطيع أن تضمن انتخاب رئيس ينتمي إلى صفوفها بواسطة الاقتراع العام. ومن المرجّح تماماً أن يسعى الإخوان في مصر إلى ما يشبه ذلك النموذج. وإذ أنهم يجتازون مرحلة انتقالية أحرج بكثير مما في تونس، يواجهون فيها الجيش بعد استيلائه على السلطة في انقلاب ١١ فبراير، رأوا أن يطمئنوه فأكدوا على أنهم لن يخوضوا انتخابات الرئاسة. وهم يستعدّون لصياغة دستور جديد ملائم لطموحهم بممارسة السلطة الفعلية في البلاد على طريقة ما توصل له زملاؤهم الأتراك في إطار النظام البرلماني في بلادهم. وقد استوعب الإخوان الدرس التركي، فنراهم شديدي الحذر من “استفزاز” مشاعر المجلس العسكري في هذه المرحلة، يقدّمون شتّى الضمانات له بأنهم لا ينوون الاستئثار بالسلطة أو الإضرار بمصالحه، ذاهبين إلى حدّ إبداء استعدادهم لتأييد إصدار عفو عام عن كافة الجرائم التي ارتُكبت في ظل المجلس العسكري. وهم يفعلون ذلك في إطار إستراتيجية تدرّجية للاستيلاء على السلطة من خلال “حرب مواقع”. في مثل هذه الظروف، يكون من الخطأ الفادح أن يطالب ديموقراطيون بجمع السلطتين التشريعية والتنفيذية بين أيدي مؤسسة واحدة، هي مجلس الشعب، ولو بشكل مؤقت، في حين أن القوة المهيمنة على تلك المؤسسة قوة رجعية لا يمكن المراهنة بتاتاً على أنها أكثر ديموقراطية من المجلس العسكري. والحقيقة هي أن القوى الدينية، وعلى رأسها الأخوان المسلمون، حريصة على الديموقراطية بقدر ما تحتاج إليها في صراعها من أجل السلطة، ولا ضمانة على الإطلاق في أنها سوف تبقى حريصة عليها لو احتكرت كافة السلطات بين أيديها. فمن غير المصلحة الديموقراطية أن يركّز مجلس الشعب الحالي السلطتين التشريعية والتنفيذية بين يديه، بل تكمن تلك المصلحة في استكمال الانتقال من نظام عسكري إلى نظام مدني من خلال إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن بحيث يخلق ذلك حداًّ أدنى من التوازن بين مؤسستي مجلس الشعب والرئاسة بما يوسّع هامش الديموقراطية (إلا إذا تمكّن الاخوان من إيصال رجل خاضع لهم الى الرئاسة).

٣) هذا ولا بدّ أن يسأل المطّلعون على الأمور ما هو القصد من المطالبة بأن ينتزع مجلس الشعب السلطات الرئاسية من المجلس العسكري بينما الكل يعلم أن ذلك لن يحصل قط؟ فإذا كان القصد من تلك المطالبة “إفهام” الجماهير “أن الإخوان يخونون الثورة ولن يحققوا مطامحها”، كما جاء في مقالة الرفيق تامر، فهناك سبل كثيرة أكثر نجوعاً بكثير لتأدية الغرض ذاته. هذه السبل تقوم على المطالب الاجتماعية والاقتصادية، من جهة، وعلى المطالب التشريعية الديموقراطية، من الجهة الأخرى، لا سيما المطالب الموجّهة ضد التعسّف العسكري والداعية الى محاسبة المسؤولين عنه، وهي تخدم غرضين معاً هما مواجهة المجلس العسكري وإحراج الحريصين على التحالف معه. فيمكن النضال ضد الحكم العسكري تماماً بدون أن يترافق ذلك بالمطالبة بحصر السلطة بين أيدي مجلس الشعب. أما أن يتصوّر أحدٌ أن ناخبي الإخوان، ناهيكم بناخبي السلفيين، يتوقون إلى وقيعة بين مجلس الشعب والجيش من خلال نقض الإخوان للإعلان الدستوري، فذلك ضربٌ من الوهم. طبعاً، لو نقض المجلس العسكري نفسه التزامات الإعلان الدستوري بالنسبة لانتقال السلطة، وسكت الاخوان عن ذلك النقض (وهو إحتمال ضئيل)، لاختلف الأمر بالتأكيد ولسهل “إحراج” الاخوان عندئذ.

٤) يزيد من خطورة المطالبة بانتزاع مجلس الشعب لصلاحيات الرئاسة من المجلس العسكري أن تلك المطالبة تدعّم الوهم الجديد الذي يهدّد مسار الثورة المصرية بعد الوهم بأن المجلس العسكري استولى على السلطة تلبية لأغراض الثورة. فالوهم الجديد هو أن مجلس الشعب هو “برلمان الثورة” ويعبّر عن الشرعية الثورية، بينما جاء انتخابه في شروط تخدم القوى المتنفذة القديمة والجديدة لدى البورجوازية المصرية، ومن تلك الشروط العامل الرئيسي في إفساد الديموقراطية إجمالاً، ألا وهو المال. وقد كادت تغيب عن المسرح الانتخابي القوى الأساسية التي شكّلت رؤوس حراب الثورة من شباب وعمال، ناهيكم بالنقص الفاقع لتمثيل النساء في المجلس الجديد وبمهزلة تمثيل “العمال والفلاحين”. لذا أكدّت في ملاحظاتي السابقة حول وضع الثورة المصرية وآفاقها على “أن مهمة اليسار الجذري في مصر اليوم يمكن تلخيصها في مواجهة الشرعيتين البورجوازيتين – شرعية النظام البائد المتمثّلة بالقيادة العسكرية وشرعية النظام الجديد المتمثّلة بجماعة الإخوان المسلمين، وهما محكومتان بالتعاون على رأس الدولة البورجوازية وتحت رعاية واشنطن – بشرعية الثورة، القائمة على تحرير إرادة الجماهير من كافة القيود وتمكينها من إبداء آرائها ورفع مطالبها مباشرة، في الشوارع والميادين، بدون أية وصاية – سواء كانت إستبدادية عسكرية أو إدّعت إحتكار تمثيل الشعب بحجة إنتخابات، إذا صحّ أنها كانت “حرّة” فانها لم تكن “عادلة” على الإطلاق!”