الاكراد وحكايتي الطويلة معهم!

سليم مطر
2012 / 1 / 14

منذ سنوات وانا اؤجل كتابة هذا الموضوع عن تاريخ علاقتي مع الاكراد، انسانيا وفكريا. وطالما طالبني العديد من اصدقائي الاكراد ان اكتب مثل هذا الموضوع، ليكون ردا على مزاعم المتعصبين القوميين واعلامهم الذي لا يرحم، اذ نجحوا بتصويري وكأني وحش خرافي امضي وقتي بالتهام الاطفال الاكراد، وان جميع مصائبهم السياسية والاقتصادية والبيئية والصحية والنفسية والجنسية، سببها(سليم مطر)!
اخيرا حسمت قراري وخصوصا بعد الحاح الاخت(ام آزاد) وهي سيدة كردية عراقية من اهالي دهوك مقيمة هنا في سويسرا، وصديقة قديمة للعائلة.

فترة الطفولة

اولى ذكرياتي عن الاكراد تعود الى بدايات طفولتي، ربما بعمر الاربع سنوات في حي الشاكرية الطيني في اطراف بغداد، اذ لا زالت ترن تلك الجملة البعيدة الغائمة التي كنت احيانا اسمعها من امي:
(( بيت الاكراد.. الله خليهم، والله ناس طيبين))!
وهي تقصد احدى العوائل الجارة، علما بأن حي الشاكرية يقطنه اساسا المهاجرين من الجنوب وبالذات ابناء العمارة. كذلك تلك الـ(الهوسة) التي سمعت الناس يرددونها بنوع من الطرافة: ( طركاعة لفت برزان بيس بأهل العمارة)! ومعناها: ( مصيبة تحل على برزان لانه آذى اهل العمارة)! بسبب الضحايا الجنود من ابناء العمارة الذين كانوا يقتلون بتلك العصيانات المسلحة في شمال الوطن. ومن المعلوم انه في ذهن غالبية العراقيين ان المشكلة ليست بين(الاكراد والعرب)، بل بين(البرزانيين والحكومة).
اما تعرفي الاول والحقيقي لشخص كردي، فهو الطيب الذكر(كاكا حسن) صديق ابي، وكان عريف في الشرطة في بغداد حيث حانوت ابي. اتذكر(كاكا حسن) بعيونه الآسيوية الصغيرة وضحكته الطفولية الجميلة التي تجعل عينيه تستحيلان الى نقطتين. وكان في كل مرة عندما يذهب باجازة لزيارة عائلته في السليمانية، يوعدني بأن يجلب لي دبا كرديا صغيرا. ولكنه عندما يعود يعتذر بأن ام الدب رفضت لأنه لا زال رضيعا، فيعوضني بهدية قنينة عسل او قطعة نقدية(درهم). ولازلت حتى الآن كلما سمعت ضحكة طفولية اتذكر (كاكا حسن) وانتظر الحصول على الدب الكردي او قنية العسل!
اما اول حكاية سمعتها عن تاريخ الأكراد، فمن ابي ، إذ سردها عشرات المرات لزبائن المقهى. يقول بأنهم مثل كل شعوب الارض اصلهم عرب، حيث ان جدنا آدم نفسه كان يتكلم عربي. لكن الناس عندما تفرقت وتباعدت المسافات بينها اختلفت لغاتها. اما الاكراد، حسب ابي، فيعود اصلهم الى قصة حصلت قبل قرون طويلة. كان هنالك حب جارف بين شاب وشابة من عشيرتين عربيتين متخصامتين، وعندما ارادا الزواج على سنة الله ورسوله، جوبها بالرفض التام. فما كان منهما الا ان قررا الهرب الى منطقة الجبال شمال العراق التي كانت خالية من البشر حينذاك. وهناك قرءا بينهما الفاتحة وعقدا المهر، ثم(كرد) الشاب زوجته، أي عاشرها، لهذا سمي اسلافهم(اكراد) لأن ابيهم كرد امهم. ومع الزمن انتشرت بين اجيالهم لغة بعيدة عن العربية بسبب عزلتهم في الجبال.
هذه الحكاية الشعبية الخرافية الطريفة، فيها الكثير من المعاني. فيما بعد عرفت انها ليست من تأليف ابي، بل يوردها المؤرخ البغدادي العباسي (المسعودي). قد يفسرها البعض بأنها تعبير عن نوع من العنصرية والاستعلاء العروبي، ولكني اعتبرها بالعكس، هي تعبير عن رغبة شعبية صادقة بأعتبار كل شعوب الارض تعود لنفس الاصل الانساني المشترك. بالذات بالنسبة للأكراد باعتبارهم اخوة للعرب يعودون لنفس الاصل. وهذه الفكرة مشتقة من تلك الحكاية الواردة في التورات التي تقول بأن جميع الشعوب اصلهم من بابل، وكانوا يتكلمون نفس اللغة البابلية، لكن بعد دمار برج بابل تفرقوا و(تبلبلت) السنهم! اما كلمة(كرد) فلم اجد في القاموس العربي أي علاقة بين فعل(كرد) و(تزوج او عاشر)، بل وجدت معاني : ابعد وطرد وقطع. واسم(كرد) يعني(اساس العنق)!

فترة المراهقة

في هذه الفترة بين الصف الخامس الابتدائي حتى الثالث متوسط، حيث كنت اعيش في حي السعدون والبتاوين وسط بغداد، كنا مجموعة من الاصدقاء من مختلف الجماعات العراقية. هناك (عماد بطو، الكلداني التلكيفي)، الذي رغم انه كان اشقر بعيون خضراء ولكن ملامحه زنجية تماما بجبهة ضيقة وشعر مجعد وانف عريض وشفاه غليضة، فكنا نطلق عليه(انسان نيادرتال). وكان يعشق احسان عبد القدوس ونزار قباني ويحدثنا دائما عن غزواته الغرامية والبطولية التي يؤلفها بخياله. ثم (تحسين التركماني، التلعفري) وكان رومانتكيا يمضي وقتي بكتابة رسائل ملتهبة الى حبيتيه. وهناك (عوديشو الآثوري) الذي يمتلك صوتا رقيقا يغني به اجمل الاغاني الهندية. وهنالك خصوصا(عادل بابان) من عائلة كردية بغدادية، وهو الوحيد الذي كان فينا غنيا، فيدفع عنا لفات العمبة، وخصوصا لي انا اذ كنت من اقرب اصدقائه. وكان يعشق السينما المصرية ويمضي وقته بتقمص شخصيات الابطال، فتارة يصبح شقيا عريكا مثل(فريد شوقي ورشدي اباضة)، وفترة مغامرا لعوبا مثل(احمد رمزي وحسن يوسف)، وفترة شقندحيا فكاهيا مثل(عبد السلام النابلسي واحمد مدبولي). وهو اول من حدثني عن العصيانات الكردية وعن اجداده الذين نزحوا من السليمانية منذ اكثر من قرن ليقيموا في بغداد ويشاركوا بصنع الدولة العراقية.
وفي هذا العمر ايضا وقعت انا بعشق(خانزاد) وهي فتاة كردية عشتارية خلابة تشتغل في (بيت القادر). رغم اني فشلت ان احصل منها حتى على لمسة عشق عابرة، الا انها كانت اول أمرأة جعلتني انا المراهق المحتار، احترق ليل نهار بشهوات خيالي الجامح واحلم بالساعة التي سوف اذوب في احضانها الواعدة المحمومة، واتيه مخبولا بين جبال كردستانها الخلابة.

فترة الشباب الاول

اما في اول الشباب فقد ابتلشت منذ سن الرابعة عشر بتمردي ضد الله واعلان الحادي الصبياني، حتى اصبح الناس يتهموني بالشيوعية وانا بعيد عنها. لكن في عام 1973، في (ثانوية الكندي المسائية) ، في شارع ابو نؤاس، تعرفت على(لطفي حاجي) وهو شاب كردي انيق جميل هارب من دهوك لأنه شيوعي ومطارد من قبل جماعة البرزاني. هو اول من عرفني مباشرة على الفكر الماركسي واعطاني كتاب(الدولة والثورة) لمؤلفه الرفيق المرحوم(فلاديمر بن اليتش بن لينين)! وكان (لطفي) يعشق اجواء الادباء حتى انه خلال فترة وجيزة تعرف على غالبية ادباء بغداد وخصوصا الشيوعيين، وهو الذي اخذني الى حانة، اقصد الى مقر اتحاد الادباء في ساحة الاندلس، وهناك اكتشفت الخمرة قبل اكتشاف الادب!
من خلال صديقي (لطفي) ايضا تعرفت الى فكرة السفر الى اوربا، لانه بعد بضعة سنوات هاجر الى فرنسا، ورحنا نتكاتب على امل ان اهاجر اليه. وكانت المرة الاولى في حياتي التي اتبادل فيها الرسائل مع صديق. وبعد سنوات عديدة التقينا في اوربا.
مع انتمائي للحزب الشيوعي تعلمت ان اقدس القضية الكردية، فهي قضيتنا الاولى والكبرى بصورة تكاد ان تتفوق على باقي قضايا الوطن واهمها قضية الدفاع عن الكادحين. وكنا نتثقف بصورة دائمة بتفاصيل القضية الكردية ونفتخر بأن سكرتير حزبنا(عزيزي محمد) كردي، وكنا نسميه تحببا(ابو سعود)! بل كنا نفتخر ان غالبية قيادتنا كانوا من الاكراد. وكنا جميعا نحلم باليوم الذي سنترك فيه المدن ونصعد الى الجبال لنشارك اخوتنا الاكراد ثورتهم المقدسة!
في هذه الفترة ايضا تعرفت الى(حسين) وهو من اكراد خانقين، ورفيقي في الحزب. كان وجهه يميل الى الشقرة وملامحه تشع طيبة وجديه. رغم انه كان عاملا في سوق الشورجة، الا انه كان ايضا مثقفا متابعا للفكر الماركسي خصوصا، ولا يكف عن قراءة كتاب ماركس الفلسفي(ضد دهورنك)، تخيلو!!! كما كنا طيبي القلب ومضحكة لقادتنا الفلاسفة الاشاوس!! كان حسين من ضمن آخر الاصدقاء والرفاق الذين ودعتهم يوم هجرتي من بلادي نهاية عام 1978.
في حقبة الهجرة ازدادت عشرات الاضعاف اهمية القضية الكردية بالنسبة لنا نحن الشيوعيين وعموم اليساريين العراقيين، حيث اصبحت هي هدفنا الاول والاكبر. إذ انتشرت فكرة المشاركة بالعصيان المسلح في جبال الوطن على امل الزحف على بغداد واسقاط نظام صدام!
بل اتذكر جيدا ظاهرة انتشار موجة قوية بين الشيوعيين يمكن تسميتها بظاهرة(الاستكراد)، أي أن يبلغ التعاطف لدى الرفيق(العربي او التركماني او المسيحي) حدا بحيث يعلن عن ايمان او تضامن بأنه(كردي)، ويسرد قصة ربما حقيقية او مفتعلة كيف ان اهله من اصل كردي.!! قد شملتني انا شخصيا هذه الظاهرة. اتذكر عند هجرتي الى ايطاليا عام 1981 حيث كانت الحرب العراقية الايرانية مستعرة واخبار معانات الاكراد وحروبهم متفاقمة، فتصاعدت في اعماقي حماسة التضامن والشيمة بحيث اني أعلنت للجميع بأن عائلتي من اصل كردي مستعرب، كنوع من التحدي ومن اجل اغاضة اعضاء السفارة العراقية في روما الذين كانوا يطاردونني.

فترة جنيف

عند هجرتي الى جنيف نهاية عام 1981 بدأت الامور تتغير بصورة بطيئة. اتذكر ان بين اقرب اصدقائي كان(احمد الملا) وهو شاعر رقيق طيب القلب، ومعجب الى حد العبادة بأدونيس. وهو كردي ابوه (ملا) في احدى جوامع كركوك، ويكتب شعرا بالعربي والكردي. وهنالك اصدقاء أكراد آخرين مثل(حسن) الشاب المسرحي الطيب القلب، وغيرهم.
وفي اواسط الثمانينات نظمنا اكبر تظاهرة في جنيف تضامنا مع الاكراد في معاناتهم من نظام صدام. وفي هذه التظاهرة كاد ان يقتل صديقي(عدنان ـ ابو صارم) برصاصة طائشة من احد موظفي القنصلية العراقية.
وكان تمسكنا بالقضية الكردية من الشدة والاخلاص، بحيث اننا تغاضينا تماما عن الاخبار الواردة عن المذابح التي راحت تمارسها الميليشيات القومية(الطلبانية والبرزانية) ضد الشباب العرب المنضوين تحت راية (انصار الحزب الشيوعي).
لكن الصدمات الحقيقية بدأت عندما بدأنا نلاحظ ظاهرة غريبة اخذت تنتشر بين اصدقائنا الاكراد: راحوا يرفضون فكرة انهم عراقيين ويستنكفوا عن التحدث معنا بالعربية. بل الذي اخذ يجرحنا اكثر اننا رحنا نسمعهم يقولون للأوربيين:
ـ نحن لسنا متخلفين مثل العرب البدو، بل نحن نختلف تماما، فنحن آريين مثل الاوربيين، بل حتى ديننا الاصلي هو الزرادشتية، اما الاسلام فهو دين العرب الهمج!
يعني، راح ينطبق عليهم المثل الطريف: (مثل القرعة اللي تتباها بشعر اختها)!
حينها بدأنا نتهامس ونشكوا بيننا بألم عن هذا التغيير في سلوك اخوتنا الاكراد.
مع هذا فقد بقينا على علاقة وطيدة معهم، ولكن النقاشات بيننا راحت تصبح اكثر حدة وحساسية، وخصوصا حول مسألة الانتماء للعراق وقظية كركوك. وكان اشد ما يغيضنا، انهم تناسوا تماما كل تضامن العراقيين بمختلف اصولهم، مع القضية الكردية، وراحوا يخاطبونا بكل قسوة وتجريح:
ـ انتم العرب، حاربتونا وشردتم شعبنا واغتصبتم نساءنا وووو، بحيث اصبحنا بالنسبة لهم كلنا عرب همج بدو وقتلة بعثيين صداميين!
هكذا فجأة راحوا يتناسون كل هذا السنوات الطويلة من الاخوة والتضامن والتشارك في كل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية. وان هنالك ملايين الاكراد يعيشون بسلام واخوة في مدن عربية مثل بغداد والموصل وحتى في الجنوب. بل تناسوا بأن هنالك الكثير من الاكراد، بل قبائل كردية بكاملها، كانت مع نظام البعث. وان ضحايا مذابح الاكراد فيما بينهم لا تقل عن مذابح النظام ضدهم.
لدي حكايات كثيرة تصور مدى التأثير الخرافي لهذا الفكر القومي العنصري على غالبية الاكراد، ولكن الحمد لله ليسوا جميعهم. خذوا مثلا هذه الحكاية الطريفة. اتذكر صديقنا(ع) وهو رجل كردي عراقي طريف ومحبوب من عراقي جنيف، ومعروف بطرائفه ومقالبه الكثيرة. كان رجلا شعبيا محدود الثقافة وبعيد عن عالم الكتب. لكني ذات نهار، اتذكر في اوائل التسعينات، رأيته يحمل كتابا ضخما وهو يسير عند المحطة. فناديته وتسالمنا وتمازحنا،وسألته عن ماهية هذا الكتاب الذي بين يديه، فاجابني ساخرا:
ـ اسمع استاذ سالم، هذا الكتاب ما يفيدتكم انتم العرب.. هذا كتاب نبي الاكراد!
فضحكت مستغربا وقد ازداد فضولي لمعرفة كتاب نبي الاكراد! وبعد الحاح كشف لي غلافه، واذا بعنوانه العربي:(هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الالماني(نيتشه) وهو كتاب فلسفي ـ شعري جدا، ولا يفهمه الا المتضلعين بالفلسفة. وليس له اية علاقة لا بالاكراد ولا بالزرادشتية ولا هم يحزنون، بل استخدم المؤلف اسم زرادشت بصورة رمزية وسطحية من اجل تسجيل حكمه الوجودية المتمردة!
هكذا اذن والى هذه هذا المستوى اثر الفكر القومي العنصري والساذج على اكراد طيبين بسطاء امثال صديقا(ع)، بحيث انهم راحوا ينسبون للاكراد كتبا وانبياء وفلاسفة ليس لهم اية علاقة بهم. لكن رغم هذا التأثير القومي العنصري، الا ان صديقنا(ع) بعد سنوات اصبح حاجا وعاد الى الصلاة وتزوج عربية من الموصل! وهذا ما حصل للغالبية الشعبية من الاكراد، لأنهم رغم كل جهود القوميين العنصريين يعودون الى اصولهم الطيبة الوطنية والدينية.
ثمة حقيقة وطنية انسانية يوما بعد اتعمق باكتشافها، وتجعلني اتفاءل واقتنع بأن التاريخ القريب لا بد ان يهزم العنصرية القومية الكردية كما هزم العنصرية القومية العربية المتمثلة بالبعث:
هذا التمازج الرائع بين القوميات العراقية الذي نجده في اصول الغالبية الساحقة من العراقيين. فكم وكم من الاصدقاء لدي، نساء ورجال، عندما اتعمق في سؤالهم عن اصولهم اكتشف بانها مزيج من عربية وكردية وتركمانية، بالاضافة الى الفئات العراقية المختلفة. وانا شخصيا على ثقة تامة وعندي دلائل على ذلك، بان في اسلافي من طرف امي وابي، لا بد ان يكون هنالك اكراد وتركمان وسريان وصابئة ويزيدية بالاضافة الى العرب.. فانا بكل بساطة احس باني عراقي.. انسان فقط. ولهذا امقت العنصريين كما هم يمقتوني..

لهذا فأن مشكلتي لم ولن تكون ابدا ابدا مع الاكراد بل مع الاحزاب العنصرية..

تحياتي الى جميع اصدقائي الاكراد: عمي كاكا حسن، واحبائي عادل بابان ولطفي نوري حاجي وحسين الخانقيني واحمد الملا... واصدقائي الحاليين الكاتب(جلال جرمقا) واختي الطيبة(ام آزاد) واختي العزيزة(أيـ... الهماوندي)..

الى جميع الاكراد حتى الذين يعادوني، كل الصداقة والمحبة..