17 ديسمبر 2010، بداية سيرورة ثورية طويلة الأمد

جلبير الأشقر
2012 / 1 / 10



]نص مداخلة قُدّمت في مدينة سيدي بوزيد التونسية يوم 18 كانون الأول الماضي بدعوة من «لجنة الاحتفال بالذكرى الأولى لثورة 17 ديسمبر 2010» [



أودّ بدايةً أن أعرب عن شكري وامتناني الكبيرين للجنة المنظّمة التي أتاحت لي دعوتُها الكريمة شرف مشاركتكم في هذا الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لاندلاع الثورة التونسية من هذه المدينة بالذات، مدينة سيدي بوزيد، مدينة محمّد البوعزيزي، مدينة الشرارة الأولى التي أشعلت لهيب الثورة فى كافة الأقطار العربية، منجزةً أروع تحقيق للقول الصيني المأثور «ربّ شرارةٍ أشعلت سهلاً».
وقد أسعدني في الدعوة التي تلقيتها أن لاحظت اعتمادكم تسمية «ثورة 17 ديسمبر» إشارةً الى يوم الشرارة الأولى للحراك الثوري، بدل «ثورة 14 جانفي» (ثورة 14 يناير) إشارةً الى يوم هروب الطاغية بن عليّ. وفي النقاش الدائر في تونس حول التسميتين – بعد اسبتعاد التسمية التضليلية والاستشراقية «ثورة الياسمين» التي سبق أن أُلقيت على انقلاب بن علي في 7 نوفمبر 1987 – أنحازُ بشدّة الى تسمية الثورة بيوم انطلاقها مثلما سمّى المصريون ثورتهم «ثورة 25 يناير». ويتعلّق انحيازي بالسبب ذاته الذي جعلني أصف ما نحن في صدده في المنطقة العربية بالسيرورة الثورية طويلة الأمد، بدل «ثورة» منجزة يريد بعض الناس اختزالها في الإطاحة برأس النظام القديم.
وفي الحقيقة، ليس هروب بن عليّ في 14 جانفي، شأنه في ذلك شأن تنحّي مبارك في 11 فبراير، سوى محطّة في سيروية ثورية لا تزال مستمرّة، بل هي مرشّحة لتستمر مرحلة طويلة من الزمن – على غرار الثورة الفرنسية التي بدأت في 14 يوليو 1789، ويتفق أغلب المؤرخين على تحديد يوم انتهائها بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ بانقلاب «18 برومير» (9 نوفمبر) 1799 الذي استولى من خلاله نابوليون بونابرت على السلطة.
وطبعاً، ليس تأكيدي على أننا إزاء سيرورة ثورية طويلة الأمد وليدَ رغبة في إسقاط النموذج الفرنسي على الثورات العربية، وأنا أتمنّى بشدّة ألا تفضي سيرورتنا الى استيلاء أمثال بونابرت على السلطة (علماً بأنه لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال في منطقة حفل تاريخها بالانقلابات العسكرية). بل يستند تأكيدي على طول السيرورة الى ملاحظة تفرض نفسها على كل من تأمّل في الانتفاضات الجارية، وهي أن محرّك تلك الانتفاضات الأساسي هو المسألة الاجتماعية – حتى في البلدان حيث واجه الحراك الجماهيري ويواجه سلطةً استبدادية، مطالباً بالديموقراطية والحريات السياسية.
وهذا الواقع يتبيّن لكل من يضع الثورات الحالية في سياق صعود النضالات الاجتماعية الذي مهّد لها على مدى السنوات السابقة، كما يتّضح بجلاء كامل لكل من يتأمل في دلالة الشرارة الأولى التي انطلقت من سيدي بوزيد. فليس استياء البوعزيزي من طبيعة الحكم السياسي في تونس هو ما أدّى به الى الاستشهاد بقدر ما هي الظروف المعيشية التي فرضت على شاب مثله أن يعتمد من أجل كسب عيشه نشاطاً اقتصادياً هامشياً هشّاً، ترمز اليه اليوم عربة البيع المتجوّل المنحوتة بالحجر التي باتت تخلّد محمّد البوعزيزي في ساحة الثورة في سيدي بوزيد.
وقد عبّرتْ عن تلك الحقيقة خيرَ تعبير الهتافات التي سادت في الأيام الأولى للانتفاضة الجماهيرية في هذه الولاية، ومن بعدها في الولايات المفقرة المجاورة التي تشكّل ما أسمته صحيفة تونسيّة يوم أمس «الحوض الثوري»، وهي تسمية موفّقة لما كان يُشار اليه بوصفه حوض بؤس، لا غير. وقد جاء هتاف انتفاضة سيدي بوزيد الأول، «التشغيل استحقاق، يا عصابة السرّاق»، صدىً مباشراً لانتفاضة حوض قفصة المنجمي في عام 2008 التي تمحورت حول قضية التشغيل. هذا وإذا نظرنا في الشعار الثلاثي، «شغل، حرّية، كرامة وطنية» الذي لخّصت به الثورة التونسية برنامجها على طريقة الثورة الفرنسية وشعارها «حريّة، مساواة، أخوّة»، وجدنا أن ما تحقق حتى الآن لا يتعدّى «الحرّية»، على أهميتها. أما المطلب الأول، «الشغل»، فلا يلوح تحقيقه في الأفق، وأما «الكرامة الوطنية» فقد تحققت نصفياً بإسقاط وصاية الطاغية على الشعب، لكنّ الكرامة تقوم أيضاً وفي المقام الأول على التمتّع بحياة كريمة، غير حياة الذلّ النابع عن البطالة والفقر.
والحال أن من أراد البحث في ما ميّز منطقتنا العربية عن سائر مناطق العالم، سعياً وراء تفسير للانفجار الثوري العظيم الذي نشهده في عموم بلداننا، لا بدّ أن يلاحظ أمرين، غالباً ما يُغفل ثانيهما. والأمر الأول، الجليّ، هو أن منطقتنا تحتوي على أكبر تركّز عالمي لأنظمة استبدادية في رقعة جيوسياسية واحدة، أما الثاني فهو أنها تحوز – ومنذ عقود عديدة – على أعلى مستويات البطالة العالمية (بما في ذلك بطالة خرّيجي التعليم العالي، وقد ارتفعت نسبتها في تونس من 5 بالمئة عند استيلاء بن عليّ على السلطة سنة 1987 الى ما يفوق 22 بالمئة اليوم).
ولا تتميّز منطقتنا بأعلى مستوى عالمي للبطالة النسائية – وهي أحد أوجه تخلّفنا البارزة – وحسب، بل تتميّز أيضاً بأعلى مستوى عالمي لبطالة الشباب والشابّات، الذين تعرّفهم الإحصائيات العالمية بأنهم دون 25 من العمر. فإن معدّل بطالة الشباب يبلغ حوالي 24 بالمئة في ما تسمّيه الوكالات الدولية «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في حين لا يتعدّى 12 بالمئة في أفريقيا جنوبي الصحراء و15 بالمئة في آسيا الجنوبية، وهما أفقر بدرجات من منطقتنا وأكثر اكتظاظاً بالسكان. وهذه الأرقام مستمدّة من الإحصائيات الرسمية التي توفّرها الدول والتي يعلم الجميع أنها دون الحقيقة بكثير. ثم إن «البطالة» هنا محصورة بالذين يعلنون أنهم يبحثون عن عمل ولم يصرّحوا بأي نشاط اقتصادي، ولو كان لساعة واحدة، خلال الأيام السابقة للإحصاء. وهذا يعني أن العدد الكبير للذين واللّواتي يئسوا من البحث عن عمل، أو يقومون بتلك الأعمال الهامشية التي يصحّ وصفها بأنها «بطالة مقنّعة»، لا يظهر على تلك الشاشة.
في هذا المعطى الاجتماعي الأساسي يكمن السرّ العميق للانفجار الثوري العارم الذي اجتاح بلداننا، إذ ينتج نقص الاستخدام القياسي عن سؤ التنمية، ويعمّقه بدوره في حلقة مفرغة تولّد التهميش الاجتماعي والبؤس المادي والمعنوي. ومن هذه الزاوية فما شهدناه حتى الآن من انتصارات في تونس ومصر وليبيا لا يعدو كونه طوراً أول للسيرورة الثورية، في بلدان ثلاثة غابت عنها الحريات والديموقراطية بدرجات متفاوتة. فالطور الأول للثورات الثلاث هو طور الظفر بالحريات السياسية وانتزاع الديموقراطية الشكلية المشروطة بتلك الحريات.
لكنّ الديموقراطية الحقّة لا تكتمل سوى إذا انضافت المساواة الى الحرية. وليس المساواة بالحقوق وحسب، وهي لا تزال مساواة شكلية لا غير، بل أيضاً المساواة بالقدرات المادّية. فإن القصور الرئيسي للديموقراطية الغربية، والذي ينعكس في أزمتها العميقة التي تنكشف في انخفاض نسبة الناخبين الفعليين من مجموع الذين يحق لهم الانتخاب، هو في أنها «خير ديموقراطية يمكن شراؤها بالمال» على حد قول أحد نقّادها الأميركيين. فإن العملية الانتخابية في هذه الديموقراطية المنقوصة والوهمية مرتهنةٌ الى حد بعيد بالمال، بما في ذلك الوسائط التلفزيونية حيث يشكّل التلفزيون أداة الدعاية الرئيسية في مجتمعاتنا المشهدية. ولا نجد محاولات للحدّ من اللامساواة الهائلة التي يُدخلها عامل المال في السياسة والانتخابات سوى في بعض الدول الغربية، حيث تضع الدولة سقفاً لتكاليف الحملات الانتخابية وتساهم في تمويلها وتوفّر للمتنافسين أوقاتاً لعرض برامجهم على شاشات التلفزيون – وهي محاولات محدودة الأثر إذا ما قيست بأهمية دور المال في السياسة، لكنّها على الأقل إقرارٌ بالمشكلة.
أما الذي حصدناه حتى الآن في تونس ومصر فهو الديموقراطية الشكلية المنقوصة بدون ضوابط لدور المال فيها، وهي على شاكلة رأسماليتنا الفاحشة. فقد شهد كلٌ من البلدين تنظيم انتخابات لمجلس دستوري، سادت فيها بشكل صارخ القدرات المالية. وقد لعبت دوراً بارزاً الموارد التي حصلت عليها الأحزاب الدينية من دول الخليج النفطية، إضافة الى تمتّعها بتغطية مميّزة من أهم شبكة تلفزيونية عربية: قنوات «الجزيرة»، التي لا يُخفى على أحد ارتباطها بأهم الحركات الدينية المذكورة وترويجها لها. ولم يقتصر عامل المال والتلفزيون على الأحزاب الدينية، بل لعب دوراً حاسماً في النتائج الانتخابية التي حققتها قوائم مثل «العريضة الشعبية» التي يتزعمّها محمّد الهاشمي الحامدي في تونس أو كتلة «حزب المصريين الأحرار» الذي يتزعمّه نجيب ساويرس، وكلّ منهما يملك بين ما يملك قناة تلفزيونية مهمّة.
ولا عجب من أن تكون الأحزاب الدينية – بمواردها الهامة التي انضافت الى الشهرة الناجمة عن تشكيلها قوة المعارضة الرئيسية خلال العقود المنصرمة (والشبكة التنظيمية الضخمة التي بنتها على مرّ السنين في مصر)، فضلاً عن استغلالها الديماغوجي للدين ودغدغدتها السهلة لعواطف المؤمنين والمؤمنات – لا عجب إذاً من أن تكون هذه الأحزاب قد أصبح هاجسها الرئيسي الإسراع في إجراء الانتخابات في كل من تونس ومصر بعد الإطاحة بالطاغية، متحجّجة بأنها تريد الإسراع في تكريس «الثورة» والحؤول دون الالتفاف عليها، بينما هي في الواقع مستعجلة لقطف ثمارها قبل أن يتمكن آخرون من منازعتها تلك الثمار.
أما حاصل الأمر فهو أن المشاكل الأساسية التي فجّرت الأوضاع وأطلقت السيرورة الثورية في منطقتنا، والتي تلخّصها خير تلخيص البطالة المزمنة القياسيّة التي تسود عندنا، كادت تغيب عن الهمّ الانتخابي، وقد سيطرت عليه إغراءات «الهويّة» الدينية والطائفية والجهويّة (بل القبلية). وقد تحكّمت بالمشهد السياسي قوى لا تختلف «برامجها» (إذا صحّ التعبير) عن واقع النظام السابق في المجالين الاجتماعي والاقتصادي سوى بالشعارات الفضفاضة والوعود الكاذبة التي اعتادها الناخبون عشيّة الانتخابات. وهي وعود وشعارات جوفاء لافتقارها لأي خطة تحقيق جدّية، بل تراهن على جهل الناخبين البسطاء. وتعتصم القوى التي سيطرت على المشهد الانتخابي جميعها بحبل المبادئ النيوليبرالية – كأولوية السوق والقطاع الخاص، وحرية التجارة – التي أدت ببلداننا الى المستنقع الذي تقبع فيه.
والحال أن مشكلة التنمية العميقة التي تعاني منها مجتمعاتنا، فضلاً عن طغيان الريع النفطي على اقتصاديات منطقتنا، إنما هي وليدة طبيعة الرأسمالية السائدة عندنا، وهي رأسمالية الربح السريع التي لا حافز لديها للتوظيف الإنتاجي طويل الأمد الخلّاق للتشغيل بنسب عالية، لا سيّما أنها تخشى ضعف الاستقرار الذي يميّز الأوضاع العربية. والحقيقة هي أن ظروف التغيير الثوري الذي نشهده، وما يرافقها من تصاعد في المطالبة الاجتماعية، من شأنها أن تفاقم امتناع الرأسمالية السائدة عندنا عن التوظيف الخلّاق لفرص العمل. فالحقيقة التي لا مناص منها هي أن تنمية اقتصادياتنا لن تتم بالاتّكال على الرأسمال الخاص، بل تتطلّب القطيعة مع النموذج النيوليبرالي وإعادة الدولة والقطاع العام الى موقع قيادة التنمية، وذلك بتسخير ثروات البلاد لهذا الهدف الرئيسي بواسطة الضريبة التصاعدية والتأميمات.
كان للسياسات التنموية التي سادت في منطقتنا بدءًا من الخمسينات حتى السبعينات، على علّاتها، أثرٌ إيجابي ونتائج اجتماعية أفضل بكثير من نتائج السياسات النيوليبرالية التي عقبتها. والمطلوب اليوم إنما هو العودة الى ما كان تنموياً في تلك التجارب بدون ما شابها من استبداد وفساد، في حين أن الأنظمة التي تلتها قامت على التخلّص من السياسات التنموية مع الإبقاء على الاستبداد والفساد، بل مفاقمة الفساد الى أقصى الحدود. والحال أن اعتياد الجماهير التعبير عن إرادتها في الميادين والساحات منذ أن انطلقت الثورة من سيدي بوزيد، إنما يوفّر أهم شروط الرقابة الشعبية الديموقراطية على تركّز طاقات الأمة بأيدي الدولة – هذا التركّز الذي لا بدّ منه كي تدخل المنطقة العربية في مرحلة التنمية بدون فساد، بعد مرحلتي التنمية بفساد والفساد بدون تنمية اللتين تتالتا منذ الخمسينات. والحركة العمّالية، لوجودها في صلب العملية الانتاجية ولتجميعها معارف وخبرات الطبقة العاملة، هي المؤهلة بامتياز لممارسة الرقابة الجماهيرية على سياسات الدولة التنموية، شرط أن تكون حركةً حرّة ومستقلّة.
ونحن نعلم الدور الحاسم الذي لعبته الحركة العمّالية، في تونس ومصر على حدّ سواء، في تحقيق الطور الأول للثورة المتمثل بإسقاط الطاغية، ثم تكنيس رموز ومؤسسات النظام السياسي القديم. فلا أحد يستطيع أن يتغافل عن الدور الأساسي الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا المجال، ولا عن دور حركة الإضرابات العمّالية التي أخذت تتّسع في ألأيام السابقة لتنحّي حسني مبارك، وقد بنت تنظيمها النقابي إثر ذلك بحيث بلغ عدد المنتسبين الى الاتحاد المصري للنقابات المستقلة في شهور قليلة ما يناهز المليون ونصف المليون.
وهنا تكمن عقدة السيرورة الثورية التي نحن في صددها: فإن الحركة العمّالية التي مهّدت نضالات نسائها ورجالها للثورتين في تونس ومصر، ولعبت فيهما دوراً حاسماً، قد غابت تماماً عن المسرح الانتخابي. غابت عنه مادّياً، إذ لا تحوز على تمثيل سياسي ولم تخض بالتالي في المعركة الانتخابية، بينما هي القوة التقدّمية الوحيدة التي تتمتّع بجذور شعبية وامتداد وطني تجعلها قادرة على التغلّب على الأحزاب المحافظة واحتلال مركز الصدارة في قيادة التغيير الثوري المنشود. وغابت عنه سياسياً، إذ كادت القوى التي هيمنت على المشهد الانتخابي تتجاهل مشاكل الطبقة العاملة ومطالبها، وقد أحالتها الى مرتبة ثانوية جداً في أحسن الحالات.
وينطبق الأمر ذاته على الحراك الشبابي، ذي المشاركة النسائية الملحوظة، الذي كان هو المبادر في إطلاق الانتفاضات والثورات ولا يزال يقف في طليعتها في كل مكان، وقد كاد يغيب تماماً هو أيضاً عن المسرح الانتخابي. فهيمنت على هذا المسرح تشكيلاتٌ سياسية يشرف عليها رجالٌ مسنّون وتنادي بنظام أخلاقي متزمّت وثقافة تجهيلية ظلامية أبعد ما يكونان عن تطلّعات الغالبية الساحقة من شبيبة الحراك الثوري.
وباختصار، فنحن نقف أمام فصام اجتماعي تاريخي بين طبيعة القوى التي مهّدت للحراك الثوري وبادرت الى تفجيره ودفعت نحو تجذيره في اتجاه تكنيس مؤسسات النظام القديم، من جهة، وطبيعة القوى التي هيمنت على المشهد الانتخابي وفازت بغالبية مقاعد التمثيل البرلماني، من الجهة الأخرى، وهي قوى التحقت جميعاً بركاب الحراك الثوري بعد انطلاقه، بل بعد انتقادها للذين أطلقوه. وهو فصامٌ بين طبيعة المشاكل العميقة التي نجم عنها الانفجار الثوري والتي يعاني منها العمّال والمهمّشون والنساء والشباب، من جهة، وبين القوى التي تتصدّر الآن المشهد السياسي والتي تحاول اختزال المعركة الى صراع بين «العلمانية» و«الإسلام» الذي تدّعي تمثيله، والذي تقدّمه على انه «الحل»، وهي بذلك تكرّس صحّة المقولة التي انتقدت استخدام الدين أفيوناً للشعب لإلهائه عن مواجهة المشاكل الأساسية التي يعاني منها.
وطالما لم يتم تخطّي الفصام المذكور، وذلك يكون في المقام الأول من خلال بناء التمثيل السياسي للحركة العمّالية ودخولها المعترك الانتخابي وصولاً الى سدة الحكم بالتحالف مع تشكيلات التنظيم الذاتي النسائي والشبابي المستقلّة، فإن أسباب الانفجار الثوري لن تضمحلّ بل سوف تتفاقم، بما يضمن أن تكون السيرورة الثورية التي انطلقت شرارتها الأولى من سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010 سيرورة طويلة الأمد حقاً.