القَصَص القرآنيّ تحت مجهر علم الآثار

نهى سيلين الزبرقان
2012 / 1 / 6

أنَّ قَصَص بني اسرائيل متواجد بكثرة في القرآن، ولقد ذكر"الله" أخبار أنبياءهم ورسلهم مع أقوامهم وهو القائل في القرآن " نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون " (سورة القصص 3 ). . لهذا كل المسلمون يؤمنون أنَّ القَصَص القرآنيّ يتميز بالواقعية التاريخية، أي أن كل ما في قَـصص القرآن من أخبار الأولين إنها حقائق تاريخية صادقة ، وان ليس فيها أي نوع من التناقض أو الاختراع، ولا أي شكل من أشكال الخيال ، ولا أي صورة من صور الرمز و الاشارة-كما في الأسطورة-، والتسليم بالمعجزات مثل أنشقاق البحر وكلام الهدهد والنملة...وهلم جر.

ويعتبر المسلمون أن هذا القصص تاريخي لأنه موجود بين طيات الكتاب المقدس ، لذا نجد أن الكثير من علماء المسلمين لجؤوا الى كتب اليهود لكي يٌفسروا قصص القرآن المتعلقة ببني أسرائيل، خاصةً أن القرآن لم يذكر بالتفصيل هذه القصص ، وأخرجها من حيز الزمان والمكان، ولم يذكر الا أسماء أشخاص مفرغة من زمنكانها وبيئتها وتاريخها ومحتواها الفكري. ولهذا وقع القرآن في أخطاء كثيرة مثل خلطه بين مريم أم عيسى وبين مريم أخت هارون وموسى !


يروي الكتاب المقدس الكثير من القصص ويحمل بين طيات صفحاته شخصيات رافقت البشرية لأكثر من ألفين سنة، كما أنه الكتاب المؤسس لليهودية وأيضا مصدر الديانات التوحيدية الاخرى (الاسلام والمسيحية). لذا كانت الناس تتحاشى التكلم عن محتواه، لكن هذا السلوك تغير بحلول عصر النور (أي في أواسط القرن 19)، حيث نشأ التيار النقدي للكتاب المقدس، وللرد على هذا التيار لجأ بعض رجال اللاهوت الى علم الآثارللبرهان على مدى تاريخية هذا الكتاب، ومدى صحته من الناحية التاريخية، وعليه تأسس "علم الآثار الكتابي"، لكنه لم يأتي بنتيجة وبقت عدة أسئلة مطروحة. أما علم الآثار الحديث حاول اتباع منهج علمي بحت ينطلق من العلم وليس من العهد القديم كما كانوا يفعلون في "علم الأثار الكتابي" حيث كانوا ينطلقون من العهد القديم ويحاولون ايجاد آثار تُثبت صحة تاريخية الكتاب. لكن علماء الاثار المعاصرين فضلوا استنطاق الكتاب التاريخي الحجري ومنه يتأكدون من تاريخ الامم السابقة ومن وجودهم، فكل ماتركوه هو أثر على أنهم عاشوا في يوم من الايام.
وهذا مافعله عالم الآثار إسرائيل فينكلشتاين والمؤرخ نيل سيلبرمان حيث فضلا استنطاق الكتاب الحجري ليتأكدا من صحة القصص التوراتي، وبعد رحلة البحث هذه كتب كتاب تحت عنوان "الكشف عن الكتاب المقدس "، وتُرجم الى فيلم وثائقي (1) رائع جدا في سنة 2005. طرح هذا الكتاب عدة اسئلة : متى و لماذا كُتب الكتاب المقدس ؟ من هم هؤولاء الآباء (أبراهيم، أسحاق، يعقوب) ؟ و متى ظهرت الديانة التوحيدية- اليهودية-؟، وهل عَبر موسى البحر، وهل هو حقيقة أم خيال؟ وهل داود وسليمان هما حقيقةً أم خيال ؟
لقد تمكنا الباحثان فلنكلشتاين و سيلبرمان من الرد على هذه الأسئلة وبدقة عالية، لأنهما مزجا بين علم الآثار و الكتاب المقدس ، فاستنطاقا كل الأكتشافات الآثارية الحديثة المتواجدة في الاردن، فلسطين، لبنان، سوريا، مصر، العراق ليثبتا مدى التوافق مع شخصيات وقصص الكتاب المقدس.

بعد مشاهدة هذا الفيلم الوثائقي الرائع أردت أن ألخص هذه الرحلة الشيقة من الاكتشافات وربطها بالقصص القرآني الذي مصدره الكتاب المقدس، وأخذكم معي لعالم الحفريات والآثار و سأقسم المقال كما قسمه الفيلم الوثائقي 1:

الجزء الأول: الآباء (ابراهيم، يعقوب، اسحاق )
الجزء الثاني: موسى وسفر الخروج
الجزء الثالث: عصر الملوك (داود وسليمان)

* الجزء الأول: الآباء (ابراهيم، يعقوب، اسحاق )
بدأت رحلة البحث عن هؤولاء الآباء (أبراهيم، يعقوب، أسحاق ) من أرض كنعان، فحسب التوراة هي أرض عاش فيها هؤولاء الآباء. و في هذه الأرض سيحاولون علماء الحفريات ايجاد آثار هذه الشخصيات. لقد طرحا هذان العالمان (فلنكلشتاين و سيلبرمان) عدة أسئلة وتتبعا الاشارات المتواجدة في الكتاب المقدس ، وكل سؤال وكل أشارة كانت تقودهما الى أجابة معينة.
تقول قصة الكتاب المقدس عن ابراهيم:
-- زمن تواجد ابراهيم هو 1800 قبل الميلاد حسب المعطيات الكتابية اليهودية (2) ، وهذه الحقبة يسميها علماء الآثار "العصر البرونزي المتوسط"
-- رحلة ابراهيم تمت من الشرق الى الغرب - أي من العراق الى ارض كنعان- واستقر في ارض كنعان
حسب التوراة أن كنعان تمتد إلى لبنان وتحوي جزءاً من مدينة صيدا الساحلية، وتمتد "أرض كنعان" جنوباً إلى غزة وشرقاً إلى نهر الأردن (3)
-- قصة سارة زوجة ابراهيم المراة العاقر التي تهب جاريتها لابراهيم
-- تذكر التوراة كثيرا الجمال في عهد ابراهيم
-- ان ابراهيم كان راعيا يعيش في وسط البلاد الكنعانية ، و اسحاق كان راعيا يعيش في في جنوب البلاد الكنعانية ، يعقوب كان راعيا ويقطن في شمال البلاد الكنعانية

ماذا يقول الكتاب الحجري وعلم الأثارعن ابراهيم؟
-- أن موقع مجيدوا يُعتبر منطقة مهمة في علم الحفريات الكتابي ، تاريخها يُلخص 7000 سنة من التفاعلات والصرعات بين القوى الكبرى التى هيمنت على المنطقة مثل مصر،بابل، والامبراطورية الفارسية. موقع ميجدوا هو عبارة عن تل اصطناعي ظهر نتيجة تراص منازل وقصور وهياكل بُنيت عبر العصور. ويُسمى هذا الموقع "هرمجدون" في العهد القديم. نجد في مجيدوا 25 طبقة كل واحدة مبنية على أنقاض الاخرى، وهذا مثال فريد في كل المنطقة، فهي عبارة عن كتاب مفتوح من العصر البرونزي الى العصر الحديدي. تقع مجيدوا-أرض كنعان- في مفترق اقتصادي استراتيجي بين مصر، سوريا، ميزوبوتامي(أو بلاد الرافدين)- تل مجيدوا يقع في شمال فلسطين ويبعد عن القدس بحوالي 90كم (4) .
تركزت البحوث على الطبقات الحجرية التى تعود الى العصر البرونزي - لأن أبراهيم عاش في هذا العصر- ، فبينت لهم الحفريات أن في فترة العصر البرونزي مجيدوا كانت مركزا اداريا وثقافيا واقتصاديا مهما (حسب الحفريات)، تحوي على منشأت معمارية كبيرة وقلاع وهياكل. ان هذه الحفريات لم تُظهر تلك الطبقات الحجرية المنسوبة لعصر ابراهيم تلك المنطقة النائية التي تليق بحياة البدو بل اعطت صورة لمدينة كان يسكنها حوالي 2000 نسمة.
-- بجانب اكتشاف التماثيل الهائلة والأثار الكثيرة حول حضارة بلاد الرافدين: الاكادية ، والسومرية، الأشورية، البابلية. وُجدت أيضا الواح - اللوحات المسمارية- مغطاة بكتابة مسمارية تعود لألاف السنين، ويعود البعض منها الى الالفية الثانية والاولى قبل الميلاد. في هذه الالواح لاحظوا اسماء مثل ابيرام-تُشبه ابرام-،يسمخال-تُشبه اسماعيل-،يعقوبال -تُشبه يعقوب- لكن ماهي الا اسماء تكررت في كل الالواح الالفية الثانية والاولى قبل الميلاد. ايضا وجدوا في هذه الألواح قصة المرأة العاقر والتى تهب جاريتها لزوجها وهي تٌشبه قصة ابراهيم وزوجته سارة.

-- لم يُعثر على أي آثار في اور-المدينة الأصلية لابراهيم- ما يدعم فرضية هجرة ابراهيم من الشرق الى الغرب، حيث تصف التوراة هجرة تمتد على الاف الكليومترات من أور - العراق- الى مصر ليستقر نهائيا في ارض كنعان.

-- أيضا يذكر الكتاب المقدس في الفصل 12 -الا وهو قصة ابراهيم- 25 مرة كلمة "جمل" وكانت لها علاقة بالاب ابراهيم وهذا جعلهم يُفكران أن الحقبة 1800 ق.م تكون غير صحيحة لأن علم الآثار يؤكد أن الجمال لم يتم اسغلالها في ارض كنعان الا بعد 1000ق.م وبلغت أوجها في 700 ق.م .

--اللوحات الاشورية أظهرت أن طرق القوافل التي تربط الجزيرة العربية بسواحل الشرق الاوسط تمر بحدود مملكة يهوذا ، هذه التجارة بلغت أو جها في القرن السابع قبل الميلاد (700ق.م)

بعد استنطاق الكتاب الحجري تبين:
-- أن في العصر البرونزي كنعان كانت منطقة مزدهرة اقتصاديا، متكونة من شبكة مدن كثيفة، ومن هنا حتما تأريخ عصر الذي عاش فيه ابراهيم هو 1800 ق.م غير صحيح تماما لان منطقة كنعان لم تكن منطقة خالية بل كانت منطقة معمورة وليست بادية.

-- أن اللوحات المسمارية أظهرت أن أسماء ابيرام-تُشبه ابرام-،يسمخال-تُشبه اسماعيل-،يعقوبال -تُشبه يعقوب- كانت أسماء متداولة ولاتمت بصلة الى الآباء (ابراهيم ، اسماعيل ويعقوب) أي هذه الالواح لاتدل على أن ابراهيم عاش في الالفية الثانية او الاولى قبل الميلاد.

-- تكررت في اللوحات المسمارية قصة المرأة العاقر التى تهب جاريتها لزوجها وهي تٌشبه قصة ابراهيم وزوجته سارة، لكن هذه القصة كانت متداولة في القرنين الثاني والاول قبل الميلاد، فأكيد هي أسطورة كانت مروية في تلك العصور.

-- أن قصص الآباء (ابراهيم، اسحاق، يعقوب) في الكتاب المقدس لاتصف مناظر و واقع القرن الثامن عشر قبل الميلاد (1800 ق.م ) ، لأنه يبدوا واضحا اننا في القرن السابع قبل الميلاد (700 ق.م ) وكثير من الاشارات في العهد القديم توافق هذا العصر، اذا هذه الأشارات لاتدلنا على العصر الذي من المفترض عاش فيه الآباء بل تدلنا على العصر الذي عاش فيه مؤلف الكتاب المقدس ، لهذا قد تكون الحقبة التي كُتبت فيها هذه القصص هي القرن السابع قبل الميلاد (700 ق.م )

* الجزء الثاني: موسى وسفر الخروج
هل حدثت فعلا قصة موسى وسفر الخروج ؟
استمرا عالم الآثار فلنكلشتاين والمؤرخ نيل سيلبرمان في بحثهما عن الحقيقة، فبعد الآباء بدأ البحث عن آثار موسى وسفر الخروج، ومادامت قصة موسى حدثت في مصر اذا البحث عن موسى بدأ في مصر.

تقول قصة الكتاب المقدس عن موسى:
-- بعد وصول ابناء يعقوب الى مصر، سكنوا مصر و عاش هناك احفادهم لطيلة 430 سنة
-- زمن تواجد موسى هو 1300 قبل الميلاد حسب المعطيات الكتابية
-- تحت قيادة موسى تم تحرير الشعب العبري من فرعون وعادوا الى أرض أسلافهم الا وهي الأرض الموعودة-ارض كنعان-
-- تم خروج موسى بشعبه في الحقبة الزمنية التي عاش فيها أول الفراعنة الملقبين ب "رمسيس " وعليه يكون الخروج تم في القرن الثالث عشر قبل الميلاد (1300 ق.م )
-- بعد خروج شعب اسرائيل بقيادة موسى من مصر مكثوا ثلاثة أشهر (3) في صحراء سيناء ، وتلقى موسى في جبل سيناء الوصايا العشر (10) ، بعدها توجهوا الى أرض كنعان لكن لما وصلوا واحة "قادش" بين صحراء سيناء وصحراء النقب، توقفت بهم الرحلة ورفضوا الدخول الى ارض كنعان ومكثوا 38 سنة في واحة "قادش". و بعد هيامهم في الصحراء دخلوا الى ارض كنعان.

ماذا يقول الكتاب الحجري وعلم الأثارعن موسى وسفر الخروج؟
-- مصر كانت امبراطورية عظيمة وكل شيئ كان يتم تتدوينه خاصةً كل ماله علاقة بالتسيير الاداري ، الاحداث الكبيرة والاحداث الصغيرة اليومية . اذا كيف لانجد أثرا لقصة يوسف الذي اصبح وزيرا للفرعون أو لقصة موسى في كتابات الحضارة الفرعونية؟
-- في المتحف المصري توجد قطعة أثرية (لوحة) تصف حملة عسكرية مصرية على أرض كنعان قام بها ابن رمسيس الثاتي "منفتاخ"، وتعطي اسم المدن الكنعانية المدمرة، وتُعتبر أول وأخر مرة تُذكر كلمة "شعب اسرائيل" في تاريخ مصر في حين أن التوراة تذكر مصر أكثر من 700 مرة ! تاريخ هذه القطعة يعود الى 1207 ق.م. اي حسب هذه القطعة أن " شعب أسرائيل" كان متواجدا في ارض كنعان.

-- أن الخروج من مصر تم عن طريق الصحراء أي عن طريق الجنوب، وبمأن قوم موسى استقروا 38 سنة في واحة "قادش" اذا البحث تركز على هذه الواحة، لكن للاسف لم يتم العثور على أي أثر يعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد ( 1300 ق.م) -تاريخ خروج موسى- ان تقنيات علم الأثار الحديثة قادرة على اقتفاء آثار بقايا ضئيلة جدا لمجموعة صغيرة من الناس لكن بالرغم من هذا لم يتم العثور على على أي أثر يدل على البقاء الطويل لأصحاب موسى في هذه المنطقة.
اذا انعدام الاثار الدالة على هذا التيهان والبقاء الطويل في هذه الواحة يدل على أن ليس هناك أي شعب مكث في هذه الواحة.
-- لاتوجد أي اشارة أثرية أو كتابية تدل على خروج مجموعة كبيرة و مغادرتها لمصر. لأن من المفرض أن القرن الثاني عشر(1200ق.م) والثالث عشر قبل الميلاد (1300 ق.م ) هما حقبتان معروفتان جدا لدى علماء الأثار لدرجة أن انعدام كل أشارة لهذا الحدث سيقضي على قصة خروج موسى من مصر.
-- بالاضافة نص الكتاب المقدس يذكر 600000 رجل خرج مع موسى أي لو حسبنا النساء والأطفال والشيوخ سنقول ان 2 مليون شخص رافق موسى في هذا الخروج ، اذا هل تستطيع أن تتخيل 2 مليون انسان لبلد كبيرة كمصر لايتعدى عدد سكانها في تلك الحقبة (القرن الثالث عشر قبل الميلاد) 3 مليون ونصف نسمة ، لو حدث هذا سيؤدي لانهيار اقتصادي واجتماعي رهيب وسيسبب مشكلة كبيرة للامبراطورية ، وبالرغم من هذا الحدث العظيم والخطير لايوجد أي تدوين لهذا الحدث.
-- تم العثور في تل عمرانة-مصر- على الواح توحي بأن من القرن الرابع عشر(1400ق.م) الى الثاني عشر (1200ق.م) كانت كنعان اقليما مصريا، اذا كيف سيهرب موسى من فرعون؟
-- لايمكن أن تٌقبل حكاية الخروج كما تُصورها التوراة أو أنها حدثت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد (1300 ق.م )

بعد استنطاق الكتاب الحجري تبين أن:
-- هذه القصة ليست تاريخية لكنها غنية بالمصطلحات الجغرافية الدقيقة، اذا هل يُمكن لهذه الاشارات الجغرافية أن تقودنا للتاريخ الذي كُتبت فيه القصة ؟ نعم هذه الاشارات ستساعدنا في تحديد الشخص الذي كتب هذه القصة ، هذا الكاتب يعرف جيدا الجغرافيا بالتحديد (المناطق، المدن..الخ). كاتب القصة يتكلم عن بلدة اسمها "بير-أتوم" بمعنى بيت أتوم وهذه البلدة تم بناءها من طرف الفرعون "نخاو الثاني" في القرن السادس قبل الميلاد (600ق.م). كل الاسماء التى ذكرها هذا الكاتب هي اسماء متعلقة ببيئة جغرافية مصرية متأخرة ، هذه البلدات لم تكن متواجدة في فترة المملكة المصرية الجديدة ، الفترة المفروض فيها خروج موسى، لهذا قد تكون الفترة التي كُتبت فيها هذه القصة هي مابين 664-625 ق.م، هذه الفترة تعتبر أكبر ملائمة مع البيئة الجغرافية لقصة الكتاب المقدس.

* الجزء الثالث: عصر الملوك (داود وسليمان)
تقول قصة الكتاب المقدس عن داود وسليمان:
-- زمن تواجد داود هو القرن العاشر (1000ق.م) قبل الميلاد ، اما سليمان هو القرن التاسع قبل الميلاد (900ق.م) حسب المعطيات الكتابية
-- نص الكتاب المقدس يصف داود كمحارب و مشيد امبراطورية عظيمة وعاصمتها أورشليم (اي القدس)
-- أن سليمان ملك الحكمة بأمتياز ومشهور لدرجة أن ملكة سبأ أتت لزيارته ولمشاهدت امبراطوريته العظيمة - قصة سليمان تُشبه قصص الف ليلة وليلة-
-- ايضا الكتاب المقدس يعتبر سليمان أعظم مشيد للمدن، حيث انه بنى الهيكل.


ماذا يقول الكتاب الحجري عن داود وسليمان؟
-- أن أورشليم-أي القدس- تعتبر منطقة مهمة للبحث عن داود وسليمان ،لانها كانت عاصمة للملكتهما العظيمتان حسب الكتاب المقدس، والسؤال الذي يطرح نفسه هل كانت مملكتهما كبيرتان كما صورتهما التوراة ؟ بعد البحوث الأثرية التي أجريت على اورشليم لم يجدوا علماء الحفريات آثارا تدل على أن منطقة اورشليم كانت عاصمة لمملكة كبيرة ومهمة ، بل كل الآثار تدل على أن اورشليم كانت في القرن العاشر قبل الميلاد (اي عهد داود) كانت بلدة صغيرة جدا ليس بها اي أبنية تدل على انها كانت عاصمة كبيرة. و كما كانت اورشليم في عهد داود صغيرة جدا كذلك هي في عهد سليمان ، لقد كانت اورشليم حسب الحفريات مجرد بلدة صغيرة لا أهمية لها.


بعد استنطاق الكتاب الحجري تبين:
-- أن في القرن الثامن و التاسع قبل الميلاد (800 ق.م ، 900ق.م) كانت في منطقة شمال كنعان مملكة تم بناءها من طرف ملك اسمه "عمري" ، ولقد وجدوا عدة آثار من بينها قصور كبيرة - بناها عمري- و تدل على أن هذه المملكة كانت قوية جدا، وليس كما تصوره التوراة على انها مملكة صغيرة وبدون أهمية، وان ملوكها منحلين أخلاقيا وملعونين. هذه المملكة كانت اراضيها خصبة ومناخها أقل حدة ، ولقد كانت مملكة مزدهرة ومتطورة وغنيىة وأكثر انفتاحا بينما مملكة-دويلة- الجنوب "يهوذا" كانت صغير وفقيرة ومهمشة. أي تقاسمت المملكتان أرض كنعان، احداهما قوية والأخرى ضعيفة وفقيرة "يهوذا" ، هذه الدويلة هي التى حرصت على تدوين تاريخ الأسرة العبرية فنسبت لنفسها كل انجازات "ملوك المملكة الشمالية المزدهرة"

الخلاصة
اذا مما سبق أستنتج العالمان إسرائيل فلنكلشتاين-عالم الآثار- والمؤرخ نيل سيلبرمان أنّ:
-- قصص الآباء(ابراهيم، اسحاق،يعقوب)، موسى، داود وسليمان لا تعبر عن واقع تاريخي لهذا نلاحظ الكثير من التدخلات الألهية والخوارق والبطولات. بل هي قصص بدأ تأليفها في القرن السابع قبل الميلاد (700 ق.م ) .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كُتبت هذه القصص؟ ومن كتبها ؟
ان علم الآثار و البحث التاريخي دل على أن في القرن الثامن والتاسع قبل الميلاد كان هناك على أرض كنعان مملكة شمالية "أسرائيل" و دويلة جنوبية "يهوذا" ، وتحدهما امبراطوريتان عظيمتنان الآشورية والمصرية حيث كان الصراع على أوجه بين هذان الامبراطوريتان. ففي أواخر القرن الثامن احتلوا الآشوريين مملكة اسرائيل (شمال كنعان) ، وعليه فرت جماعات كبيرة من هذا الاحتلال الى دويلة يهوذا (أي الى اروشليم). وهكذا قضى الأشوريون على أحلام وطموحات الممملكة الشمالية وبقت يهوذا لوحدها لأدارة الموروث الأسرائيلي. فبعد نزوح سكان المملكة الشمالية كبرت دويلة يهوذا واصبحت في وقت قصير دولة كبيرة لكن ملك آشور أخضعهم لسلطانه، وهذا الخضوع اعطى لدولة يهوذا ازدهارا اقتصاديا لاسابق له حيث تُظهر كل الحفريات على وجود دولة في يهوذا لأول مرة في أواخر القرن الثامن (800ق.م). وفي القرن السابع قبل الميلاد (700 ق.م) حكم يهوذا ملك شاب يُسمى جوشيا، ونتيجة صرعات آشورية داخلية انسحب الأشوريون من المشرق ، فراود هذا الملك الشاب جوشيا حلم غير معقول الا وهو التحصل على اقليم مملكة أسرائيل الشمالية القديمة و توحيد شعب اسرائيل في مملكة كبيرة تضم الشمال والجنوب. فما قصة داود وسليمان ماهي الا صورة للمملكة الموحدة التي يريد جوشيا تأسيسها في المستقبل.
ويذكر مؤلفي التوراة أن جوشيا قام بأشغال في هيكل أورشليم وأثناء هذه الأشغال تم أكتشاف كتاب يُدعى " كتاب الشريعة" -شريعة موسى- (هل فعلا وجد جوشيا هذا الكتاب ؟ لا أحد يعلم الحقيقة ؟) ومنذ ذلك الوقت وحد جوشيا مركز العبادة وجعله اورشليم وتم تدمير كل مناطق العبادة في الأرياف، حيث اصبحت اورشليم مركز العبادة الشرعي ومنع التعبد في أي منطقة ماعدا اورشليم. لقد كان يحتاج جوشيا لتحقيق حُلم الوحدة الى سلطة مركزية والى توحيد الدين ومركز العبادة أي لابد من عبادة اله واحد و في مكان واحد الا وهو اورشليم.
أن جوشيا كان حلمه مشروع تأسيس مملكة موحدة كبيرة، لكن مصر كانت أكبر حاجز له لتحقيق حلمه ، لذا اراد أن تكون قصة مثل قصة موسى (5) والتى تُبين ان بأمكان شعب ضعيف أن يهزم امبراطورية كبيرة ويتحرر كما فعل موسى حيث خلص شعبه من قبضة فرعون وهذا بفضل رعاية الله والشريعة. فقصة موسى والخروج ترمز لقصة تحرر ،ولايكون التحرر كاملا الا أن تكون لهذا الشعب شريعة . أن الشريعة ستلعب دورا مركزيا في توحيد العبرانيين ، وهي وثيقة تحالف مقدس تربط العبرانيين. ومنذ ذلك الوقت اصبحت الشريعة وطرق نقلها ودراستها تٌمثل العمود الثاني لليهودية.
وعليه أن الكتاب المقدس هو كتاب مؤسس لليهودية و يحكي تاريخا وطنيا لليهود من عصر الاباء الى الملوك فهو يحكي تاريخا قوميا. فلم يُوحى لهم من السماء لكن بدأ تأليفه في قلب هضاب مملكة يهوذا الجنوبية في القرن السابع قبل الميلاد (700ق.م). انه يروي قصة ميلاد أمة و هوية يهودية ويعبر عن احلام وطموحات هذه الامة المستقبلية. وما قصص ابراهيم واسحاق ويعقوب الا حكايات أسطورية-رمزية- كانت تٌروى في أرض كنعان، فكانت قصة يعقوب (يعقوب لٌقب بأسرائيل) متداولة في الشمال وقصة ابرام في حبرون (الوسط) وقصة اسحاق في بئر شبعة (الجنوب). هؤولاء الآباء يرمزون الى اقليم جغرافي الا وهو اقليم المملكة الموحدة-حلم جوشيا-، وأن ربطهم بعلاقة نسب ماهي الا فكرة مخترعة من طرف مؤلفي العهد القديم او التوراة الذين ارادوا أن يُعطوا انطباعا بانه يوجد علاقة بين هؤولاء الأباء في كتابتهم لتاريخ الامة اليهودية الموحدة مستقبلا- لذا نجد في التوراة نصوصا بعضها مرتبط بالمملكة الشمالية "اسرائيل" والبعض الآخر بالمملكة الجنوبية "يهوذا"-. انه كان حُلم مملكة يهوذا بقيادة جوشيا الذي كان يحلم بتوحيد أرض كنعان تحت راية مملكته خاصةً بعد ضعف الاشوريين واهمالهم لمناطق الشمال، لكن فرعون مصر"نخو" قتل جوشيا قبل أن يتحقق حٌلمه بالمملكة الموحدة . والى اليوم مازال اليهود يعتقدون أنه سياتي ملك من سلالة داود لتحقيق حلم الملك جوشيا.


هذه هي الحقيقة يامسلمين الأنبياء ابراهيم ، لوط، اسحاق، يعقوب، يوسف، موسى ، داود، سليمان الموجدون بين صفحات القرآن ماهم الا شخصيات مخترعة من طرف مؤلفي الكتاب المقدس، وقصصهم تحكي ملحمة تاريخية لشعبهم، اي هذه القصص هي أساطير - فنتازيا- وليست قصص تاريخية ..
هل يوحي الله بشخصيات وهمية ويدعي انهم انبياءه ورسله اللذين بعثهم للناس؟ أيعقل هذا ؟
ايضا أنا اتساءل متى ستسمح السعودية بالكشف على آثار مكة و المدينة أين عاش محمد ؟؟ ومتى سيكتشف المسلم متى بُنيت الكعبة ؟ ومن هم سكان هذه المنطقة ؟؟ ولماذ الأعتماد على كتب رواها مؤرخي العصور الأولى للاسلام وليس على حفريات-اي آثار- لتأكد من مدى صحة محمد وقرآنه والعصر الذي عاش فيه ؟

المصادر
1- فيلم وثائقي تم إنتاجه سنة2005 ، يستوحي أفكاره من كتاب للباحثين فلنكلشتاين-باحث علم الآثار- والمؤرخ نيل سيلبرمان. وتم تقديمه عبر القناة الفرنسية - الألمانية
arté
**اسم الكتاب بالأنجليزية
"The Bible Unearthed"
authors: Israel Finkelstein and Neil Asher

**اسم الكتاب بالفرنسية
"La Bible dévoilée"
Auteurs: l archéologue Israël Finkelstein et l historien Neil Asher Silberman

رابط الفيلم الوثائقي
http://topdocumentaryfilms.com/the-bible-unearthed/

2
http://en.wikipedia.org/wiki/Abraham
3
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%86%D8%B9%D8%A7%D9%86
4
http://fr.wikipedia.org/wiki/Megiddo
5- قصّة موسى الذي ألقته أمّه في اليمّ وحمله الماء إلى من رعاه ثمّ صار قائدا وهي في الأصل قصّة الملك سرجون الأكادي الذي حكم بين سنوات 2279 و2334 قبل الميلاد- أنّ مؤلفي التوراة أخذوا القصّة وأسقطوها على شخص موسى...