محروس سليمان ومصريون أضاءوا وجه مصر

محيي الدين ابراهيم
2011 / 12 / 26

لم يكن يتوقع الكاتب والمترجم المصري الكبير محروس سليمان صاحب أهم الترجمات العربية للكتب الأجنبية التي تلقي بكثير من الضوء على مجتمعاتنا العربية وجذورها وتاريخها، وعلى رأسها كتاب الجذور الإسلامية للرأسمالية للكاتب الأميركي بيتر جران، أكرر انه لم يكن يتوقع أن خطاباً يكتبه لصديق عمره الكاتب والناقد المصري الكبير توفيق حنا في نوفمبر عام 1996 بأنه سوف يتم نشره في عام 2011 ، ولكن هي الأقدار دوما حين تمنحنا بصيص نور فتدفعنا من خلاله ودون عناء للعثور على مثل هكذا خطاب شخصي بين صديقين شاركا بالفعل في صناعة فجر مصر الجديد لنجد فيه ومن خلال عفوية الكتابة بداخله لكونها عفوية الحب بين صديق وصديق، إثبات حالة تاريخية على مصريين انتموا بكل ما يمتلكونه من طاقة لمصر، فأحبوها وأحبتهم، بحثوا في كنوزها فأعطتهم من بهائها، آمنوا بها ومن ثم لم يولوا وجوههم شطر طائفة أو قبيلة أو مذهب، بل ولوا وجوههم شطرها، شطر وجه مصر، مصر درة تاج الكون، مصر التي إن أحبها أحد كتبت له الشهرة وكتب له الخلود، مصر الوطن، أم العجائب وحيث أهم عجائبها الكونية أنها إذا تغيرت تغير العالم وإذا أضاءت، تضئ الدنيا وتلمع.
كان ذلك في احد أيام شهر مايو 2011 حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون، والأستاذ توفيق حنا لمن لا يعرفه هو أحد أعمدة النقد في مصر وهو أول من قام بنقد أعمال نجيب محفوظ حيث كان صديقه الحميم وكذا هو أستاذ عمالقة كبار على رأسهم الشاعر الكبير "أمل دنقل" والشاعر الكبير " عبد الرحمن الأبنودي" وغيرهم وهو أول من قدمهما لساحة الثقافة العربية وهم في حداثة أعمارهم، منذ أن كانوا صغارا في مدارس محافظة قنا الابتدائية هذا على سبيل المثال لا الحصر، أقول أنه حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون دائما ما يجمعنا الحوار حول حب مصر، ولا أدري كيف صار بيننا هذا الدستور القوي الذي يحكم علاقتنا منذ زمن بحيث تهيمن علينا وعلى أحاديثنا .. مصر، فنذهب سويا ( هو وأنا ) في غيبوبة عشق مصرية بين حواريها وموالدها ومقاهيها وفدادين قراها ونجوعها.
قال لي: تصدق يا محيي!! .. عثرت اليوم على خطاب قديم أرسله لي صديقي محروس سليمان عام 96، خطاب ذكرني بمصر، مصر الأخرى، ذكرني بشوارعها وناسها الطيبين، ذكرني أيضا ( بقهوة الزلع ) في باب الخلق حينما كان يأتي الكاتب الكبير صلاح عبد الصبور – وكان وقتها مدرسا للغة العربية في إحدى مدارس القاهرة - ليقرأ لنا ملحمته الرائعة الفتى زهران، ثم انتبه الأستاذ توفيق وأردف قائلا: الأهم من ذلك يا محيي محروس نفسه، محروس في الخطاب يحكي لي عن معاناته الإبداعية في ترجمة كتاب بالفرنسية عن شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي، ويتخلل الخطاب عدة شخصيات مصرية كثيرة شاركت بالفعل في صناعة فجر مصر منهم على سبيل المثال ما ورد في الخطاب، صبحي شكري مدير تحرير جريدة وطني و الحسيني عطا، وغيرهم، وهنا وجدت نفسي مدفوعا لأن اطلب من الأستاذ توفيق إرسال هذا الخطاب لي، ليس لقراءته فحسب بل لأشارك في تعميمه لإيماني بأنه عينة عشوائية صالحة تبرهن على مدى إخلاص أبناء مصريون مبدعون في حب مصر بصمت جاد معطاء وحيث لم يكن حوار هؤلاء عبث، أو أحاديثهم أو حتى مشاغباتهم فارغة، بل كانوا قامات عالية تدفعنا لان نتأملهم وننصت ونتعلم كيف يكون الحب لمصر والوطن، وكأنهم في صلاه بقدس أقداس هذا البلد الطيب. ولنقرأ الخطاب.

عزيزي توفيق: سعدت كثيرا بقراءة خطابك مرات ، لقد التقيت بصديقنا العزيز صبحي شكري إلا ""وهرينا فروتك" بكل الخير طبعا فأنت الصديق الوفي والمصري المثالي في كرم أخلاقك وودك في علاقاتك مع الجميع. ولازلت أحس واشعر كيف كنت في جلساتك معنا تخص جميع الأصدقاء بأحاسيس الود والحب في صدق وبساطه، وهذه سجيتك كمصري أصيل. هل تذكر لقاءات باب الخلق في قهوة "الزلع" في الخمسينات عندما كان يتجمع عدد كبير من الأصدقاء، وكنا ننتقل فى الشتاء وخصوصا فى رمضان إلى الفيشاوي. أنها ايام ولت ولكنها لا تنسى وأصبحت من ذكريات الماضي الجميل. هل تذكر الشاب الهادئ الرقيق المشاعر صلاح عبد الصبور الذى امتعنا بزيارتنا فى قهوة الزلع وقرأ علينا قصيدته الخالدة "الفتى زهران" وكان لايزال مدرسا واظنه كان زميلا للشيخ كامل ابو العينين فى مدرسته ولم يعرف بعد على النطاق العام كشاعر مرموق؟ إنها الذكريات الجميلة التي تختزنها الذاكرة.
أما حبك للخريف حتى في أمريكا لعل ذلك راجع لحبك لخريف مصر فى الاصل فهو امتع فصول السنة كما تعلم، ولكن اين الرفقه من الأحباب والأصدقاء؟ فقد انفرط العقد. هل نطمع ان نراك هذا الشتاء اذا سنحت ظروفك فأديب ديميتري عازم على النزول من فرنسا لزيارة مصر خلال ديسمبر القادم او يناير، واذا سمحت ظروفك فسوف نسعد بلقائك كثيرا.
شكرا لاهتمامك بقلقى بشأن هجرة الابناء وللعلم انا متفق تماما مع رأيك فقط اطلب من الابناء قبل الهجرة ان يفكروا كثيرا وبأناه وعن ابنى وسيم فهو يريد الهجرة الى نيوزيلاندا وهى بلد صغيره سكانه نحو ثلاثة ملايين امكانياتها الاقتصاديه محدوده. استراليا اكثر تطورا منها. وهذه الظروف يمكن ان تكون ميزة لمجتمع هادئ ولكن هل هذا المجتمع يوفر فرص عمل مناسبه له كمهندس علما ايضا ان زوجته موفقه فى عملها كمقدمة برامج بـ N.T.V ولن تجد مثل هذا العمل هناك وهى لاتستطيع ان تكف عن العمل وهذه فى حد ذاتها مشكله. على اية حال هذه حياتهم والقرار لهم اولا واخيرا ونرجوا التوفيق لجميع الشباب وكما تعلم الظروف في مصر صعبه إلى حد ما.
اما عنى فأنا مثلك فلولا القراءه لأصبت بالامراض وقراءاتى متنوعه مع التركيز على الاجتماع السياسى والسياسة ومتابعة السياسة العالميه.
وقد اعجبنى خلال قراءاتى كتاب لأستاذ اكاديمى امريكى هو "بيتر جران" واسم الكتاب "الجذور الاسلاميه فى الرأسماليه – مصر 1760- 1840" وللمؤلف وجهة نظر جديدة الى حد كبير فهو يرى ان بداية النهضة المصرية ليست بمجيء الحمله الفرنسيه او حكم محمد على بل يرجع ذلك الى فترة اسبق فى القرن الثامن عشر "عهد على بك الكبير" ثم تعرضت لفترة جمود حتى مجئ الحمله التى لاينكر المؤلف اثرها لكنها ليست المؤثر الاساسى ثم تعود حركة النهضه تتابع تقدمها فى عهد محمد على. والكتاب مرجع كبير الحجم ورجع المؤلف للبرهنه على نظريته الى كيف التراث فى تلك الفتره بل قرأ المخطوطات وعاش فى القاهره خمس سنوات لجمع الماده واستغرق الكتاب نحو عشر سنوات او اكثر. وقد درس الفتره التى تناولها من جميع الزوايا الثقافية والعملية بكل فروعها تفصيليا وجوانبها الماديه والاقتصاديه والاجتماعيه. وتناول بالدراسه التفصيليه شخصية الشيخ حسن العطار استاذ رفاعه الطهطاوى لان هذا الشيخ عاصر حركة النهوض فى القرن الثامن عشر وامتد به العمر الى عصر محمد على (توفى 1830) وشارك فى النهضه فى مرحلتها الاولى ومرحلتها الثانيه وهذا هو سبب اختيار المؤلف له.
على اية حال لقد ترجمت هذا العمل الهام فى تقديرى بكل استمتاع واهتمام فمثلا سافرت الى سوهاج للحصول على مخطوط من مكتبة رفاعه الطهطاوى.
اما الآن فقد اقتربت من الانتهاء من ترجمة كتاب من تأليف عدد من الاكاديميين الامريكيين واسمه "الاسلام والسياسه والحركات الاجتماعيه" والملفت للنظر ان اكثر من 90% من مؤلفات علماء الاجتماع والاجتماع السياسي والتاريخ فى امريكا تتناول بشكل مباشر او غير مباشر الحركات الاسلاميه. ويتناول هذا الكتاب الفترة الاخيره من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين فى مصر والشمال الافريقى مع التركيز على الجزائر وشمال نيجيريا والسودان والثورة الفلسطينية والثورة الايراينة والمسلمون فى الهند وباكستان. ولكن المشكلة تكمن في اين نجد الناشر الذى يهتم بنشر مثل هذه الاعمال الجاده والاكاديميه لأن الأربح للأسف هذه الأيام هي الكتب الساقطة السوقيه الضاره وكتب الجنس ويلى ذلك الكتب الاخرى. على اى حال اننى اشغل وقتى بطريقه مفيده واستمتع بهذا النشاط كما احاول افادة الاخرين قد طاقتى.
اشكرك ياصيدقى العزيز من كل القلب على ردك الفورى ويسعدنى دائما ان احظى بقراءة خطاباتك بانتظام.
الصديق صبحى شكرى بخير والصديق الحسينى عطا يبعث لك بتحياته وسلامه.
ختاما لك حبى وودى من كل القلب.
والى اللقاء فى خطاب قادم.
3 / 11 / 1996
أخوك محروس سليمان