مسرحية سيدتي الجميلة المصرية أفضل من الأمريكية

محيي الدين ابراهيم
2011 / 12 / 25

لاشك أن مسرحة التراث الغربي على يد المسرحيين العرب افضل من الغرب.
حينما علمت بتقديم عرض سيدتي الجميلة لفرقة أوبرا بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا، ذهبت لمشاهدة ذلك العرض الذي مازلت أتذكر كل مشاهد نسخته المصرية التي قدمها لنا الفنان القدير فؤاد المهندس والكاتب المبدع بهجت قمر رحمه الله والتي مازلت استمتع بها كلما قفز بعضها إلى ذاكرتي.
وعرض سيدتي الجميلة "النسخة الأميركية" قدمته لأول مرة في الولايات المتحدة فرقة برودواي نفسها عام 1956 على مسرح "برودواي" واستمر عرضه بعدها عدة مرات في أنحاء متفرقة من الولايات المتحدة أما هذه المرة فقد قدمته فرقة أوبرا بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا على مسرح "بيندوم" وهو اكبر واعرق مسارح مدينة بيتسبيرج.
وقام ببطولة العرض المسرحي نجم المسرح الاميركي تشارلز شوجانسي وشاركته البطولة الفنانة غلوري كرامبتون. وقام بكتابة نصه المسرحي الكاتب الاميركي آلان جاي ليرنر ووضع موسيقاه فريدريك لو-وي وقام باخراجه مخرج فرقة اوبرا بيتسبيرغ الفنان المخرج جلن كاسال.
ولكي نتحدث عن العرض المسرحي في شبه شمول لنجعل القارئ كأنه رآه يجب ان نقسم العمل الى عوامله الرئيسة بترتيب افضلها من حيث الابهار ومن حيث انجاح العرض، وعليه فأن اول ملامح الابهار والنجاح في هذا العرض هو الديكور لمصمم الديكور ميشيل حنانيا وتليه الموسيقى ثم الاخراج فأداء الممثلين فالإخراج المساعد–تحريك الكومبارس والمجاميع– وقد كان مخصصا لها مخرج خاص هو الفنان المخرج دان موجيكا ثم النص واخيراً الاضاءة المسرحية للمخرج ومصمم الاضاءة الاميركي اندرو ديفيد استرو-وسكي.
وللحديث عن الديكور على اساس انه العامل الاول في انجاح هذا العرض –من وجهة نظري– استطيع ان احكم باطمئنان شديد انه كان له العامل الرئيس في الابهار والجذب بل ويعتبر البطل الرئيس للعرض وقد استطاع ميشيل حنانيا ان يستغل كل زوايا المسرح الافقية والراسية وان يتعامل مع كل انواع فن الديكور مع قليل من التكنولوجيا الحديثة -للتحريك والتغيير- في ابراز البيئة الانكليزية حتى انك كمشاهد قد تنسى تماما انك امام عرض مسرحي من شدة ايمانك لفترة – يتداخل فيها الواقع بالخيال لصدق الديكور وروعته- بأنك تتجول بالفعل في شوارع مدينة لندن عام 1912 ولست مجرد مشاهد يجلس على مقعد تحت قبة احد المسارح وسط عشرات اخرين من المشاهدين يشاركونه نفس الاحساس.
والعرض المسرحي من فصلين، يتكون فيهما الفصل الاول من ثمانية مشاهد ويتكون الفصل الثاني من سبعة مشاهد وبين الخمسة عشرة مشهدا في الفصل الاول والثاني تتغير المناظر لاثني عشر منظرا مختلفا تعبر عن مدينة لندن بكل احياءها الفقيرة والغنية والسفارات والقصور وحدائق القصور وحتى الكنائس والخمارات القديمة.
والمدهش في الامر هو تغيير المنظر من حي الفقراء لقصر النبيل مثلاً في مدة لاتتجاوز مدة اطفاء خشبة المسرح للانتقال الى المشهد التالي وهو زمن لا يتجاوز 90 ثانية في اطول تغيير ما بين المشهد الرابع والخامس بالفصل الاول مما يجعلك لا تشعر اطلاقا بهذا القطع الزمني بين المشاهد وبعضها بعضا كما لو كنت تشاهد فيلما سينمائيا وليس مسرحاً.
وما اعتبره جديدا في ورشة العمل التي اطمئن الى وقوعها بين المخرج ومصمم الديكور هو اخراج مشهد كامل في الطابق الثاني لقصر النبيل الانكليزي، حيث صعدت البطلة جلوري كرامبتون مع حاشية القصر الى الطابق العلوي ثم قام الجميع بفتح باب غرفة النوم الخاصة بالبطلة والتي تصورنا مع فتحها ودخلوهم اليها ان المشهد قد انتهى ولكننا فوجئنا بان الاضاءة تنحصر داخل الغرفة لتظهر لنا جدران الغرفة من البلاستيك الشفاف المدعم ببصيص من الزخارف الهادئة التي لاتمنع ظهور اداء الممثلين داخل الغرفة والتي تقوم فيها البطلة بتغيير ملابسها بمعاونة النساء وتهذيب شعرها الى اخر تلك المسائل التي تنتهي بخلودها للنوم فوق سريرها لتطفأ انوار المسرح كلها بانتهاء هذا المشهد الرائع والجديد في آن واحد، والذي تم اخراجه بالكامل داخل غرفة مغلقة بالطابق العلوي للقصر وشاهدناه كاملاً دون اي عناء او ملل.
والحديث عن الديكور الذي تكلف مايقرب من مليون دولار، هو حديث لا ينتهي اذ ان مدرسة الديكور المسرحي الاميركي استطاعت ان تكسر حاجز المكان الذي كان المسرح بشكل عام اسيرا له وتحرر منه حتى دخلت اعماق المحيط كما حدث في مشهد كامل بمسرحية "دكتور صوص" بكل مافي المحيط من كائنات بحرية وكذلك تحررت منه في مشهد الطيران حول مدينة نيويورك بمسرحية "الرجل العنكبوت" والذي كنا نتصور بالفعل اننا نشاهد خدعا سينمائية وليست مسرحا، خاصة وان الرجل العنكبوت كان احيانا يطير فوق رؤوسنا.
اما الموسيقى داخل العمل فقد كانت من نوع موسيقى الاوبرا الخفيفة حيث تمتعت بالجمل الموسيقية القصيرة سريعة الايقاع ربما بما يتناسب مع الذوق الأميركي الشعبي خاصة وان العمل يحكي عن بيئة تختلف اختلافا بيئياً كلياً وهي البيئة الانكليزية عن البيئة الأميركية التي تتمتع بايقاعاتها السريعة والمتدفقة.
وربما كان تجنيب الموسيقى في العرض من ان تأخذ القالب الانكليزي هو من الذكاء بحيث اجبرت المتفرج على الاحساس بعدم الغربة وهو يشاهد نصا مسرحيا غريبا عن بيئته ومناخه.
والملفت ان الاداء الغنائي لكل الممثلين كان اداءاً حيا رغم المجهود الاوبرالى في الغناء والذي يتطلب سمات خاصة في الصوت وقوته وانتظام النفس واطمئنانه في كل المقاطع الغنائية الامر الذي يجعلك تستشعر مدى الجهد العنيف الذي يبذله الممثل فوق خشبة المسرح من حيث الاداء التمثيلي والحركي والغنائي وهو امر يبدو عسيرا، ومن ثم فأنت في كل لحظة داخل العرض تبدو مطمئنا الي اي مدى ذلك الذي تحترم فيه الفرق الأميركية الخاضعة للدولة جمهورها وتبذل في سبيل اسعاده وامتاعه كل جهد ممكن ومتاح وهي مسألة تفوق فيها المسرح الاميركي جدا من خلال فنانيه الذين سلطت عليهم الاضواء بعد ان اجتازوا بنجاح كل الاختبارات الفنية الشديدة القسوة والتزموا فيها بكل قواعد الفن الجادة والصارمة بعيدا عن المجاملات او ضغوط العائلات الفنية في دفع من لا يملك الموهبة أوالالتزام باعتلاء سدة الفن للإيمان بان ذلك ان حدث فهو يعني السقوط الكامل حيث ان الفن عند الشعوب المتقدمة هو بحق الواجهة الوحيدة التي تعبر عن الأمة بجلاء واخلاص، وعليه فقد لزم خضوعها لمراحل واختبارات عنيفة لايخرج منها إلا المؤهلون للتعبير عن وطنهم بجدية والتزام ومسئولية.
ولكن بالرغم من اداء النجوم والممثلين الرفيع والجيد وخاصة النجم تشارلز شوجانسي واداؤه الفريد الا انني لم استطع ان امنع نفسي من المقارنة بين ما اشاهده من اداء على مسرح بيندوم بمدينة بيتسبيرغ وبين ماشاهدته من اداء على مسرح فرقة الفنانين المتحدين بالقاهرة إذ وجدت نفسي اصفق في نهاية العرض ليس للنجم تشارلز شوجانسي ولكن للفنان القدير فؤاد المهندس وأدين بالأبداع ليس للنجمة جلوري كرامبتون ولكن للفنانة القديرة شويكار التي اجدها لو كان هناك بصيص من عدل فإنها تستحق عن دورها في شخصية "صدفة بعطشي" التي قامت بادائه منذ ثلاثين عاما جائزة الاوسكار عن جدارة لتميز ادائها ووصوله في هذا الدور تحديدا الى مستويات تتفوق في العطاء على المستويات العالمية، وهو امر لم يصدقه النجم تشارلز شوجانسي للأسف بل ولم يصدق معه ايضا اننا قد قدمناه في مصر ومنذ ثلاثين عاما مضت وبتفوق في الاداء يصل بالفعل الى حد العالمية ولما حاوطته باصرار اجاب بنبرة يتملكها الشك بأن النص يمكن ان تكون فيه كثير من الرؤى المختلفة خاصة ان تم تقديمه بلهجات ولغات مختلفة.
ولما بادرني بسؤاله عن امكانية رؤيته للنسخة المصرية فيديو او شركة توزيع هذا العمل في أميركا ليتسنى له الحصول عليه فلم اجد سوى الوعد بأن ارسل له نسخة جيدة من القاهرة ليحتفظ بها في مكتبته ولتكون على الاقل شاهد عيان على اننا لسنا اقل منهم فنا في مصر ولكن ينقصنا فقط اعلام جريئ وديناميكي يعبر عنا وعن وطننا بشكل صحيح في الخارج وبحضور عالمي يساوي عظمة مصر وتاريخها الفني الطويل في مجال المسرح والسينما والذي لايصدقنا فيه احد هنا في أميركا.
اما بالنسبة للنص فقد كانت به اختصارات شديدة والى جانب الاختصارات كانت الرؤية للعمل هي رؤية كلاسيكية جدا اذ لم يخرج مؤلف العرض عن الاطر الاساسية والدرامية للعمل الاصلي بعكس كاتب النص المصري الراحل بهجت قمر الذي اضاف للنص الاصلي مشاهد جديدة زائدة اعطت بعدا اخر للعمل ومن منظور مصري رفيع المستوى مثل مشهد الحارة المصرية التي كانت تقطن فيها البطلة "صدفة بعطشي" والتي ابرز فيها عظمة اداء الفنان القدير جمال اسماعيل وكذلك مشهد التحدي في منزل بروفسور الاتيكيت التي قامت بأدائه الفنانة شويكار وكل من الفنان سيد زيان والفنان فاروق فلوكس وهما مشهدان كانا بلا جدال نقطة تفوق للنص المصري عن النص الاميريكي.
وتبقى كلمة النهاية التي قدمها العرض وهي حدود العلاقة بين الرجل والمرأة والى اي مدى يجب ان تكون، وهي علامة استفهام سقط فيها النص الاميركي اذ انتهى المشهد الاخير بما لم نتوقعه اطلاقا حيث يرى بطل العرض محبوبته ماثلة امامه فيعتريه الكبرياء ويظل جامدا صلدا لايحرك ساكنا حتى تأتي "المحبوبة" التي صنعها منذ بداية العرض لتبحث عن حذائه تحت ارجل المقاعد الى ان تجده فتحمله بين يديها ثم تقف في منتصف المسافة بينها وبينه لتضع الحذاء على الارض في تأكيد منها على انها قبلت الارتباط به من خلال مفهوم الرجل عن المرأة في كونها خادمة زوجها وفي المستوى الادنى منه –في رمزية حمل الحذاء- مما سبب نوعا من الاستنكار والاستفهام لدى بعض جمهور المتفرجين وخاصة النساء الذين اعتبروا النهاية هي امتهان لكرامة المرأة ورأى بعضهم انه كان يكفي ان يرى البطل محبوبته في نهاية العرض ليتعانقا ويسدل الستار على بداية قصة حب وزواج متكافئ بين الطرفين.
وذاك جعلني اشيد بعبقرية بهجت قمر امام كثير ممن حاورني في مشهد النهاية وينتابني امامهم الفخر لان النص المصري عالج هذه القضية داخل النص منذ ثلاثين عاما بنفس الاسلوب الذي كان يتمناه المشاهد الاميركي اليوم بل وبسمو فكري راق ورفيع مما يعد بالفعل انتصاراً حقيقياً للإبداع المصري الذي –للأسف– لاتعلم عنه غالب شعوب العالم المتحضر شيئاً ومن ثم يجعلنا في اوج احساسنا بالفخر نشعر بالاشفاق على الفن في بلادنا الذي لا يجد من يقدمه الان للعالم رغم انتشار ممثلينا الاعلاميين في كل بقاع الارض.