شيزلونج صرخة ثورية للشباب على مسرح الشباب

محيي الدين ابراهيم
2011 / 12 / 21

يقول الفنان شادي سرور مدير مسرح الشباب المصري في كلمته القصيرة التي تصدرت النشرة الإعلانية -flyer - لهذا العرض:
منذ أن شرفت بتولي إدارة مسرح الشباب وأنا يراودني حلم إقامة ورشة للشباب المولع بالمسرح ليصبحوا نواة حقيقية، وبالفعل أصبح هناك هذا الكيان الذي أطلقنا عليه أسم "ورشة حلم الشباب" لتفريغ طاقات الشباب في كل مجالات الفن المسرحي، ومن ثم تقديمهم للوسط الفني نجوما مصريين للمستقبل.
هذه هي رؤية الفنان المصري الجاد شادي سرور، وهي رؤية متميزة ينظر فيها شادي سرور إلى غد هذا الوطن ونهضته بمنظار إيمانه بقيمة الشباب المصري، هؤلاء الذين استطاعوا التغيير ويصرون على وثبة مصر لأفاق المستقبل كأعظم ما تكون الأمم، رؤية جادة ومسئولة من فنان مصري مخلص تحمل مسئولية مسرح الشباب في أدق لحظات مصر الحضارية هذه الأيام.
نحن إذن أمام شباب موهوبين لورشة فنية طموحة ولسنا أمام فنانين محترفين، وبالرغم من ذلك فقد أثبت هؤلاء الشباب أنهم على قدر من الوعي والفن تضعهم – لاشك - في صفوف الفنانين المحترفين.
ومسرحية شيزلونج هي أقرب لفن الكوريغرافيا choreography منها إلى الارتجال المسرحي لكونها عملاً فنياً إبداعياً استطاع فيه المخرج الشاب ( محمد الصغير) أن يبرز الدراما التي يريد أن يبثها في عقل المتلقي من خلال كثير من التابلوهات أو التشكيلات الجماعية الراقصة بالجسد رسمها بعناية بواسطة الممثلين الشباب على خشبة المسرح ليعطي بذلك بعداً تعبيرياً أقرب إلى لوحة تضم الموروث الثقافي والحضاري وكذا ملامح واقعنا المعاش وما يحمله من تغيير ثوري تحياه مصر اليوم بعد ثورة 25 يناير 2011 ، فالمخرج أحيانا يستعيض عن النص المكتوب بالكلمة إلى نص تشكيلي يصل به إلى ما هو أعمق من تأثير الحوار المكتوب في وجدان المشاهد وأعتقد - في تقديري - أنه نجح في ذلك، بل وأعطانا من خلال هذه المحاولة الجادة شكلا جديدا من أشكال المسرح، يجمع بين التعبيرية والواقعية، الأساليب التقليدية والحديثة، بحيث لم يفقد معها المسرح جزءا من منهجه بل أضاف عليه – دون شك - ملمح نور يزيد من وهجه وتألقه.
البطولة هنا في مسرحية "شيزلونج" جماعية وليست فردية وهي لمجموعة من الشباب، يتقدمهم الشاب الفنان "أحمد مجدي" في دور الطبيب النفسي الذي يؤمن بعلاج مرضاه النفسيين بطريقة "السايكودراما" وتعني – أكاديمياً - مسرحية درامية جماعية تحاول إخراج الشخص من عزلته النفسية، بل وتقدم له أسلوباً عملياً للعلاج بدلاً من الأسلوب الشفهي المتبع في وسائل العلاج النفسي التقليدية وحيث يكون الشخص المكبوت نفسياً هو بطل العرض المسرحي، والمعالج يقوم بدور مخرج العرض أما الأشخاص الآخرين فيقومون بتقديم الأدوار المساعدة التي تتصل بالبطل مثل أدوار الابن أو الابنة أو الزوجة .. الخ، وهو ما يتفق تماماً مع عرض مسرحية " شيزلونج" الذي تفوق فيه أبطاله الشباب: وليد الهندي. محمد خطاب. بلال علي. محمد أنور. بسام عبد الله. ريهام سامي. مصطفي أحمد. لقاء الصيرفي. حمدي أحمد. حمدي التايه. سارة درزاوي. مصطفي خاطر. رانيا عبد المنصف. ياسمين فهمي . إسماعيل السيد . عمرو بهي. رامز سامي.
يتضح مما سبق أن العرض عبارة عن تابلوهات منفصلة يترجم كل تابلوه فيها أزمة معينة عاشها أو يعيشها بعض أفراد المجتمع وتأثروا بها حتى عجزوا بمفردهم عن حلها ليؤدي بهم هذا العجز إلى العيادة النفسية، ويجب التركيز هنا على كونها عيادة نفسية لعلاج المرضى النفسيين وليست مستشفى مجانين، فالمجنون فاقدٌ للوعي أما المريض النفسي فهو عاقل ولكن تحت ضغط عصبي حاد لا يقوى بمفرده على الخروج من أزمته النفسية، ومن ثم فالمشكلات هنا مدركة ويبحث لها المريض عن حل بعكس المجنون الذي لا يدرك مرضه بل ولا يعيه ويتصور أنه سيد العقلاء.
من هذه النقطة يبرز ذكاء المخرج " محمد الصغير" الذي مزج " فن الكوريغرافيا" بالسايكودراما واستثمرهما معاً في إطار ثوري مسرحي بغلاف كوميدي مُتقن لا يخلو من الارتجال ليسخر – عن عمد - من قضايا معقدة داخل مجتمعنا وتحيط بنا وتكاد تأكلنا وتمتص أحلامنا في محاولة منه لحلها أو استئصالها من جذورها لينجو بخسارته لها المجتمع ومستقبل هذا البلد. لقد سخر محمد الصغير مع أبطاله بالفعل وبرعوا في سخريتهم الواعية والنظيفة الخالية من الإسفاف أو القذف وسخرنا معه وضحكنا جميعا في هذا العرض ضحكاً أشبه بالبكاء، وسط مشاعر امتلأ بها الضمير بحتمية التغيير، وضرورة الانتماء، قبل أن يغرق الكل.
الديكور بسيط يتمثل في صور معلقات مع صور لشخصيات مثل إنسان يرفع رجليه إلي أعلي وآخر في وضع يتسم بالغرابة أو ربما غير مفهوم مع ملابس وأزياء متواضعة إلى جانب بعض الإكسسوارات التي ترمز لكل مرحلة من مراحل الوطن قديمة وحديثه: خرز، شال، طرحة، سبحة، طربوش، وبعضها افتراضي كالكومبيوتر والموبايل والمترو والميكروباس وخلافه وهي مسألة ربما كان القصد منها التحايل ليظهر العرض وكأن به ديكوراً ولكني أجد – في تقديري – أن هذا الأمر - الديكور والملابس - هو أفقر ما في العمل المسرحي، ولا يحمل أي نوع من أنواع الإبهار أو حتى بصيص من وهج ولولا براعة أداء الممثلين وتجاوبهم الجماعي الذي تغلبت عليه روح الحب والتفاهم والتعاون لفقد العرض قيمته رغم ما يحويه من أخلاص.
الممثلون الشباب كانوا في غاية التوهج والتألق والحماس، كانت خشبة المسرح أشبه بميدان التحرير يوم 25 يناير، كان الفنانين الشباب يصرخون بإخلاص لحتمية التغيير، يخرجون فرادى فيعلن كل فرد منهم ببراعة عن أحد سلبيات هذا الوطن فيبدع في إعلانه منفرداً، ولا فرق هنا في الإخلاص والإبداع بين شاب أو شابة ممن يقف على خشبة المسرح، ثم يخرجون جماعة فيقدمون تشكيلا فنيا متقناً بالصورة والجسد ليعلنون من خلالها عن أزمة اجتماعية حادة داخل المجتمع المصري، وقد أعجبتني جدا تلك التشكيلات الجسدية التي عبرت عن الميكروباس والمترو وأيضا عن مصير الثورة المصرية وما آلت إليه، وكذلك تلك الجملة الاستعراضية الرائعة التي قدمها الشباب على خشبة المسرح عن قضية النوبة ومصريتها وقيمتها وحضورها وحضارتها والتي كادت تغيب عن وعي المصريين المعاصرين وكأن النوبة خارج النسيج المصري رغم كونها جزءاً أصيلاً من نسيج القلب والشريان، كان التفاهم والتزامن بين الممثلين في تقديم هذه التشكيلات رفيعاً وحرفياً إلى أبعد الحدود.
من أهم مشاهد هذا العرض ( ماستر سين ) هو مشهد النهاية، مشهد التلاعب بتمثال نهضة مصر وهو مشهد عبقري جسدت مصر فيه تلك الشابة المصرية النوبية ريهام سامي التي تمتلك قدرات راقصة بالية، فصار تبديل وتغيير تمثال نهضة مصر من حال إلى حال يبدو انسيابياً وسلساً، وقد أراد المخرج أن يصور لنا من خلال هذا المشهد عمليات التحول الفوضوي الذي يعيشه المجتمع المصري، فتارة غربيا وتارة يساريا وتارة إسلاميا ثم ماجنا فعروبياً أو لا شئ على الإطلاق، وفي النهاية يوضح المخرج أنه لا يصح إلا الصحيح فيعيد تمثال نهضة مصر إلى ما كان عليه أسداً قوياً رابضاً في استسلام لمصر التي تقف جواره مرفوعة الرأس وكأنها تقول في كبرياء أنه لا سبيل للنهوض إلا بالتشبث بالأصالة، بكل ما هو مصري، التشبث بكوننا مصريين.
يبقى لنا كلمة وهي أن هذا العرض يحمل وجوها سيكون منها نجوما مصرية تملأ سماء المستقبل، لاشك أن الجميع أبدع وأخلص ولا فروق فنية بين واحد وآخر، ولكن هكذا هو قدر الله في خلقة، فيمنح هذا قبولاً عند الناس فيصير نجماً لامعاً ويحرم آخر من ذلك القبول رغم قيمته الفنية فلا يحظى بالنجومية، وعليه فقد كان وسط هؤلاء الشباب الرائع من يحمل هذه المنحة الربانية، أحس به الكثير من المشاهدين، أحسها المشاهد تجاه شباب بعينه ليس متميزاً إطلاقاً عن بقية أقرانه من الناحية الفنية أو الإبداعية ولكنه ممنوحاً وهذا أمر لا نملكه، ومن ثم سنرى حتماً في المستقبل القريب أن هذا العرض قد جسد طموح الفنان شادي سرور من خلال ورشته الفنية الجادة " أحلام الشباب" في أن يقدم اليوم لمصر نجوم الغد بكل تأكيد.