قراءة جديدة لموقف القرآن من الخمر

رياض حمادي
2011 / 12 / 17

عقل المؤمن مبرمج وفقا لمسطرة الشرع (المقدس), وهي برمجة نظرية أكثر منها برمجة عملية يغلب عليها الأقوال لا الأفعال. أي أن المؤمنين غالبا ما يدافعون عن حكم من الأحكام بأنه محرم لكنهم لا يجتنبونه أو حلال وواجب لكنهم لا ينفذونه. موضوع مقالنا مثال على ذلك والغناء مثال آخر فكثير من الذين يستمعون للغناء والموسيقى يؤكدون أنها محرمة شرعا !!
السؤال الغلط الذي يسأله الكثيرون هو : هل الخمر محرمة ؟ وجوابهم القاطع المانع هو : نعم .

هذا المقال لن تكون مهمته إثبات العكس كما لن تكون مهمته تأكيد الحكم المسبق. إنما سيطرح مفهوم آخر للحلال والحرام ممثلا بمثالنا – الخمر – وسيخلص بالأدلة إلى أن أمر الخمر – تحليله وتحريمه - متروك للفرد المؤمن لا للشرع (المقدس)! وهذا الاستنتاج – لعمري - قد يكون غير مسبوقا, كون الحكم السائد هو تحريم الخمر شرعا وهناك اتجاه آخر يحاول إثبات العكس.

منهج التحليل والتحريم :

التحريم هو المنع أو الامتناع سواء عن النفس الفردية أو عن الجماعة لكن لفظ " حرام" أو "محرم" اكتسب معنى مقدس يفيد الثبات عند جماعة المؤمنين. وسبب التحريم – باختصار- هو وقوع الأذى والضرر سواء على الفرد أو على الجماعة أو كليهما, فإن وجد الضرر كان مدعاة لبقاء حكم التحريم وإن لم يوجد الضرر ارتفع الحكم. فهل الخمر يندرج ضمن إطار هذه القاعدة السببية ؟!

الامتناع عن شرب الخمر تاريخيا وقرآنيا:
أولا : الأحناف:

كان الأحناف أول من حرَّم أو امتنع عن شرب الخمر – وغيرها من الطقوس والسلوكيات المنحرفة كعبادة الأصنام - بوازع من العقل والتجربة ذلك أنهم رؤوا مضار شرب الخمر واحتمال وقوع الأذى والضرر على الفرد والجماعة ونظرا لما أحدثه إدمان الخمور من وقوع مثل هذا الضرر في مجتمع ما قبل الإسلام. ونستنتج من امتناع الأحناف عن شرب الخمر بأن الإنسان العاقل لا يحتاج إلى إرشاد وتوجيه من الوحي فمصدر وحي الإنسان العاقل هو العقل.

ثانيا: مرحلة المقارنة الأولى:

المرحلة القرآنية الأولى كانت مرحلة مقارنة بين أنواع الأطعمة والأشربة والتمييز بينها سلبا وإيجابا فيما إذا كانت طيبة أو غير طيبة, فيها منافع أو أضرار وهكذا, وترك أمر تعاطيها أو الامتناع عنها للمتلقي. مثال أول على ذلك الآية :

{وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }النحل67 – مكية وترتيب التنزيل 70

الآية تقارن بين نوعين من منتجات ثمار النخيل والأعناب , خمرًا مُسْكِرًا في مقابل رزقا حسنا /طعامًا طيبًا. كانت هذه الآية مدعاة لأن يتوقف عندها البعض متأملا ويتوقف بالتالي عن تعاطي الخمور المسكرة طالما وأنها النقيض المقابل للطعام الطيب الحسن. لنلاحظ هنا أنه لم يتم التطرق صراحة إلى ذكر الخمر بالاسم أو إلى أنه شراب غير طيب واكتفى بذكر كلمة " سكرا" أي مسكراً.

ثالثا: مرحلة المقارنة الثانية :

مرحلة مقارنة أيضا لكنها أكثر تفصيلا فهي تذكر الخمر بالاسم وتذكر بعضا من مضاره في مقابل منافع اجتنابه وعدم تعاطيه لكنها لا تطلب – صراحة - الامتناع عن الخمر بل تترك أمر تقرير مصيره إلى المستهلك أو المتلقي.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }البقرة219 مدنية وترتيب نزولها 87

ولنلاحظ بدء الآية بذكر المضار – إثم كبير - قبل المنافع .

رابعا: المرحلة الثالثة اقتران الخمر بالشيطان :

في هذه المرحلة من مراحل الحد من تعاطي الخمور يقترن فيها الخمر مع الشيطان ويصفه بأنه رجس, وبضرورة تجنبه في إشارة واضحة إلى أن الشيطان هو المحرض على تعاطيها وذلك لزيادة التحريض وتشجيع المدمنين على تركها ومن اجل تحقيق بعض أهداف أخرى تفصلها الآية التي تليها :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة90
وكذلك الآية:
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }المائدة91 مدنية وترتيب النزول 112
الآية تفصل الأضرار الواقعة عند تعاطي الخمور وهي: العداوة والبغضاء بين الناس والصد عن ذكر الله وعدم الصلاة نهائيا أو عدم أدائها في أوقاتها. مع التنويه إلى أن هذه الأضرار تحصل حتى في حال عدم شرب الخمور عند كثير من الناس الذين لا يتعاطون الخمور.

الملاحظ في الآيتين المتتابعتين السابقتين, وكذا في جميع الآيات, التي تتناول شأن الخمر أنها لم تذكر أو تشير إلى أي عقاب دنيوي أو أخروي على شارب الخمر (*) كما أن الآيات تختتم بطلب مؤدب وليس بأمر صريح بترك شرب الخمر. تأمل :
"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"
"كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ "
" لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
" فهل أنتم منتهون " ,

هذه الخواتيم تحيل أمر تقرير مصير شرب الخمر إلى المستهلك ( العاقل المتفكر المفلح ) والخاتمة الأخيرة كأنها طلب استفهامي مفاده : متى ستنتهون أو ستقلعون عن تعاطي الخمور؟! وهو طلب مؤدب يفيد أهمية وضرورة الإقلاع عن شرب الخمر لكنه لا يجعل منه أمرا ملزما أو حكما عاما قاطعا وإلا لكانت صيغة التحريم قطعية وواضحة وصريحة مثل :
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النحل115

منهج التدرج:

خاتمة الآية تحيل أمر تعاطي الخمر أو التوقف عن تعاطيها للمتلقي فهو وحده القادر على تحقيق الضرر أو منعه من خلال التحكم في تعاطيه. جدير بالملاحظة أن آيات الخمر نزلت على نحو متدرج في فترة امتدت على نحو تسع سنوات. هذا المنهج المتدرج في التعامل مع مشكلة إدمان الخمر يعد منهجا قرآنيا حكيما في كيفية الحد من العادات المتأصلة إذ لا يمكن البت فيها وعلى نحو قاطع بآية وحكم ملزم وفي فترة قصيرة محددة.

الآيتين الأخيرتين هما الدليل الذي يستند إليه دعاة تحريم الخمر, وهم بحكمهم هذا ينفون منهج التدرج ويقولون بوجود حكم عام ملزم في مسألة الخمر. وأنا أرى أن حكم الخمر في القرآن حكم خاص وليس حكما عاما. فهناك مسائل لها حكم خاص مثل شرب الخمر دون حكم عام. لكن مجموع الأحكام الخاصة التي نزلت في شرب الخمر يمكن أن تكون بمثابة حكم عام لا يهدف إلى تحريم الخمر بقدر ما يهدف إلى الحد من إدمانه. ولا صحة للقول بنسخ الحكم الأخير للأحكام السابقة , لأن القول بالنسخ إهدار لمنهج إصدار الأحكام وإلغاء للمنهج المتدرج المتبع في إصدار الأحكام. فهذه الآية – من سورة المائدة - خطوة أخرى وليست أخيرة للحد من إدمان الخمور وليست حكما قاطعا فيه. وعليه فآيات الخمر هي أحكام جزئية يمكن أن تشكل أحكاما خاصة لعلاج مسائل مشابهة لها في الحالة للحد من إدمان الخمور .

إذا لم يكن الخمر حراما فهل هو حلال؟!

الجواب على ذلك متروك للمتلقي فهو وحده الذي يحدد ويجعل من الخمر حلالا أو حراما. فإن تحقق الضرر من وراء تعاطيه للخمر فقد اقترف حراما وإن تعاطاها بشكل لا ضرر فيه على صحته وعلى محيطه جعل منها حلالا .

فلنسأل سؤالا آخر. هل الخمر من الطيبات ؟!
وكجواب سريع : هو من الطيبات والخبائث!

الخمر ليس من الخبائث لكنه في نفس الوقت وبشكل عام ليس من الطيبات. مع ذلك لا يمتنع أن يكون من الطيبات إن حقق فائدة لمتعاطيها دون أن يلحق به أو بغيره الضرر. إذ أن القرآن نفسه قد أكد على وجود هذه الفائدة " وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ " فجعل الخمر من الطيبات أمر مرهون بعقل متعاطيه. والطيبات هنا هي كل طعام أو شراب يغلب منافعه وفوائده على مضاره والخمر يحمل احتمال تحول متعاطيه إلى مدمن ومن ثم يشكل خطرا على الفرد والمجتمع. فهل في قدرة الفرد المتعاطي أن يجعل منه شرابا طيبا فقط ؟! إذا استطاع تحقيق هذه المعادلة جعل من الخمر طيبا لذاته (ذات المتعاطي) وليس طيبا في ذاته ( ذات الخمر).

الشرع لا يهدف إلى إلغاء الأشياء في ذاتها وإنما يهدف إلى إلغاء ما يترتب عليها من أضرار فالحرمة ليست في ذات الشيء وإنما في ما يمكن أن ينتج عنه من أضرار سواء على الذات أو المجتمع أو كليهما. وهو في سبيل ذلك يتبع أسلوب البتر – وإن على نحو تدريجي - أو الحلول القصوى فالشرع يُشَرِّع للمجتمع وليس للفرد ومن ثم كان طبيعيا أن يأخذ بالحل الذي يتناسب مع أغلبهم. وهو هنا يأخذ بمنهج المنع لا بمنهج الحل الوسط الذي ليس في متناول الجميع. لكن هذا الحل الوسط - القادر على تلافي الأضرار - ليس بالمستحيل. باختصار, القرآن يهدف إلى تلافي أضرار إدمان الخمر وليس إلى تحريمه في ذاته وهو من أجل ذلك وضع منهجا متدرجا للحد من تعاطيها وجعل أمر تقرير مصير الخمر النهائي بيد المتعاطي أو المتلقي المؤمن . وجعل منهج التحريم مرتبط بوجود الأسباب فإن أمكن تلافي وقوع الأضرار انتفى التحريم وارتفع الحكم بانتفاء وغياب أسبابه. ولنلاحظ مجددا عدم وجود عقوبة دنيوية أو أخروية على شرب الخمر. أما الحكم بالجلد فهو حكم اجتهادي تعزيري على أيام عمر بن الخطاب. (*)

إن الضرر المترتب على تعاطي الخمر قائم على أساس "الاحتمال أو المحتمل " والمحتمل كل " ما يعتقد الجمهور أنه ممكن " والممكن يستطيع أن يكون مفارقا للواقع التاريخي (ما كان) أو للممكن العلمي (ما يجب أن يكون). فهناك احتمال كبير في وقوع الضرر مع إدمان الخمور وهناك احتمال في عدم وقوعها في حال عدم الإفراط في شربها وهو أمر مرهون بسلطة المتعاطي على نفسه وعلى شهواته. من هنا كانت الآيات منذ بداية تعاملها مع مشكلة الخمر تضع هذين الاحتمالين في الحسبان فتركت أمر البت فيه منوطا بالمتلقي ولم تعمد إلى صياغة حكم مانع قاطع فيه.

______________________________________
(*) لما كَثُرَ الناس في شرب الخمر جمع عمر الصحابة واستشارهم ماذا نصنع ؟ فقال عبدالرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون جلدة فأمر به عمر كعقوبة على شرب الخمر .