ماهو الناسخ والمنسوخ في القرآن ؟

نهى سيلين الزبرقان
2011 / 12 / 12

يحمل القرآن بين طياته شيئ غريب ألا وهو "الناسخ والمنسوخ"، وربما من المستحيل أن تجد في أي كتاب في العالم هذا النوع من الفكر-يقال أن الكتاب المقدس هو أيضا يحمل النسخ لكن لست متأكدة من هذه النقطة- فالمتعارف عليه أن الكتب تحمل دائما فكرا متتاليا ومتجانسا ومتكاملا ولايُمكن أن ينسخ (يُلغي) آخره أوله ، أو فقرة متأخرة تنسخ ماقبلها ! لذا انا ارى أن الناسخ والمنسوخ هو أخطر شيء في القرآن، لأنه يعطيه مرونة ويجعله كتاب ذو حدين ، مثلا اذا اردوا رجال الدين الآفاقين أن يظهروا الاسلام للعالم بمظهر التسامح والبراءة والوداعة والمحبة يخرجون لك المنسوخ من الآيات مثل "لااكراه في الدين" وهلم جر، لكن في مساجدهم وخطبهم التحريضية يٌخرجون لسامعيهم الناسخ من الآيات. لذا يترأى للمرء أن هناك ازدواجية أو تناقض في الخطاب الديني. لكن الحقيقة ليست ازدواجية بل هذا راجع للناسخ والمنسوخ في القرآن وتلاعب شيوخ الدين بين آيات الناسخ والمنسوخ. كما أن الكثير من المسلمين لايعرفون كثيرا عن الناسخ والمنسوخ في القرآن، لذا لو سألت عامة المسلمين مامعنى الناسخ والمنسوخ في القرآن ؟ فلن تجد جوابا ..
لذا سأحاول اليوم شرح الناسح والمنسوخ في القرآن، وذلك استنادا لكتاب قرأته مؤخرا الا وهو"الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم" لهبة الله بن سلامة. لذا سأحاول أن أشرح قدر المستطاع فكرة الناسخ والمنسوخ.
أن معرفة الناسخ والمنسوخ تُعتبر شرطا في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث، وقد كان علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ، لا يرضون لأحد أن يتحدث في الدين إلا إذا كان عارفا وعالما بالناسخ والمنسوخ من القرآن، لماذا ؟ لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد. لذا يقول يحيى بن أكثم التميمي "ليس من العلوم كلها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضا ...، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهي إليه، فالواجب على كل عالم، علم ذلك لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرا لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضا أوجبه الله"1 و الذي قصده ابن الاكثم أن الناسخ هو الفرض أوالواجب والمنسوخ لايُعمل به (يعني انتهت صلاحيته فلم يعد يؤخذ به كفرض أو واجب).

سأعطي مثال لأوضح فكرة الناسخ والمنسوخ ، مثلا دولة تٌشرع قانوناً يوم الاثنين لكن يوم الثلاثاء تأتي وتُشرع قانون آخر يُلغي أو يُبطل قانون يوم الاثنين ، هذا هو النسخ أي قانون يوم الأثنين يُصبح يُسمى "المنسوخ" وقانون يوم الثلاثاء يُصبح يُسمى "الناسخ"

وهذا ماحدث في القرآن أي أنه تم إلغاء آيات (حكم) وتبديلها بآيات (حكم) أخرى تجعل من الحلال حراما ومن الحرام حلالا ، مثل الصلاة الى بيت المقدس، الصيام الاول، الصفح عن المشركين. بحيث نجد مثلا آية واحدة تُسمى آية السيف نسخت مائة وأربع عشرون آية (124) 2، وآية السيف هي الأية 5 من سورة التوبة (مدنية وأخر التنزيل)
"فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"
هذه الآية وحدها نسفت كل التسامح الذي كان موجودا في القرآن مثل: لكم دينكم ولي ديني، لا أكراه في الدين، فأصفح الصفح الجميل، ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعضة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ..الخ
ومن هنا نرى أن الاسلام بمفهموم آية السيف لم يعد دين تسامح أو سلام بل هو دين جهاد ، ولهذا كل الحركات الجهادية في عصرنا الحالي تؤمن وتُطبق حرفيا هذه الآية. وبمأن عامة المسلمين غافلين عن الناسخ والمنسوخ في القرآن تجدهم يستغربون أعمال هذه الحركات الجهادية ويقولون لك "هذا ليس من الاسلام " لكن الحقيقة هو من صلب الاسلام، واعمالهم آتية من تطبيق أمرالله الموجود في هذه الاية (فَاقْتُلُوا)، لذا نجد واحد مثل الحويني (الشيخ الدجال) وفي القرن الواحد والعشرين يقول الجهاد متعة، والفقر الذي تعاني منه الدول المسلمة سببه ترك الجهاد 3 !

الناسخ والمنسوخ قضية جوهرية في الاسلام، لماذ ياترى ؟

يٌحكى أن علي ابن أبي طالب دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلاً يُعْرَف بعبد الرحمن بن داب، وكان صاحباً لأبي موسى الأشعري، وقد تحلق عليه الناس [أي اجتمعوا حوله في حلقات] يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر، فقال له علي: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال له: هلكت وأهلكت. .. وأخذ أذنه وفتلها [أي فرك أذنه] وقال له: لا تقصنّ في مسجدنا بعد (من كتاب الناسخ والنسوخ لأبن سلامة). من هنا كانت أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن فعليه يتوقف الحلال والحرام أي النهي والامر ، ولهذا اهتم به الكثير من علماء الاسلام و ألفوا فيه كُتب عديدة، ويورد الداودي في طبقات المفسرين أسماء أربعة وثلاثين كتابا ألف في علم النسخ4 ، وصنفوا الناسخ والمنسوخ الى ثلاثة انواع :

1/ مانسخ خطه و حُكمه: معناه أن الآية غير موجودة في القرآن الحالي وحكمها غير موجود أيضا، مثلا كتب الدكتور سيد القمني (في كتابه الإسلاميات) عن الزهري قوله: "أخبرني أبو إمامة .. أن رهطا من أصحاب النبي (صلعم) قد أخبروه أن رجلا منهم قام في جوف الليل، يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر على شيء منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فأتى إلى النبي (صلعم) في الصباح، ليسأل النبي عن ذلك. وجاء آخرون لنفس الغرض، ثم أذن النبي (صلعم) فسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثم قال: نسخت البارحة" (انظر جمال الدين ابن الجوزي: نواسخ القرآن)
أيضا عن شريك ابن عاصم عن (زر) قوله: "قال لي أُبيِّ ابن أبي كعب: كيف تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: سبعين أو إحدى وسبعين آية، قال والذي أحلف به، لقد نزلت على محمد (صلعم) وأنها تعادل سورة البقرة أو تزيد عليها. [سورة البقرة 286 آية أي انكمشت إلى الربع] " (انظر جمال الدين ابن الجوزي: نواسخ القرآن) ، ايضا قالت عائشة: "كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي حتى مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا على ما هو الآن" (انظر جلال الدين السيوطي: الاتقان في علوم القرآن)
وعن عمر قال: "ليقولن أحدكم: قد أخذت القرآن كلَّه، وما أدراك ما كله، لقد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل أخذت منه ما ظهر" (انظر جلال الدين السيوطي: الاتقان في علوم القرآن) .
حدثنا حجاج ابن جريح، أخبرني أبي حميدة عن حميدة بنت يونس قالت: قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولي، قالت كان ذلك قبل أن يغير عثمان المصحف (انظر جلال الدين السيوطي: الاتقان في علوم القرآن) .
وعن أبي سيفان الكلاعي أن مسلمة ابن مخلد قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين من القرآن لم تكتبا في المصحف، فلم يخبروه. وعندهم أبو الكنود سعد ابن مالك، فقال ابن مسلمة: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ألا أبشروا أنتم المفلحون، والذين آووه ونصروه وجادلوا عنه القوم الذين غضب عليهم، أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون" وهي غير موجودة بالقرآن الحالي (انظر جلال الدين السيوطي: الاتقان في علوم القرآن) ....
ويورد السيوطي عن عدي ابن عدي قال عمر: "كنا نقرأ: ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد ابن ثابت: أكذلك؟ قال نعم .. وقال عمر لعبد الرحمن ابن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها. قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن" .

2/ مانُسخ خطه وبقى حُكمه: معناه أن الاية غير موجودة في القرآن الحالي لكن حكمها بقى، مثل آية الرجم حيث يقول أمامة ابن سهل أن خالته قالت: "لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم [الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة]" وهي غير موجودة بالقرآن الحالي (انظر جلال الدين السيوطي: الاتقان في علوم القرآن). وعليه الان يٌطبق حكم الرجم في الزنى بدل حكم الجلد

3/ مانُسخ حُكمه وبقى خطه: معناه أن الآية موجودة في القرآن لكن حٌكمها ألغيّ، يعني ان صلاحيتها قد انتهت منذ زمن الرسول (اي عديمة الفائدة) و وجودها بين طيات القرآن ماهو الا زيادة عدد فقط ، و نجد من هذا النوع مايقارب 500 آية (أي 500 آية موجودة لكنها نُسخت اما بالقرآن أو بالسنة)

لكن الناسخ والمنسوخ أثار اشكالية لدى القدماء والمحدثين ، حتى أن القريشيين لاحظوا هذا وقالوا " "ألا ترون إلى محمد، يأتي أصحابه بأمر ثم ينهاهم ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا، يرجع عنه غداً"
وحديثا هناك من يُسمون أنفسهم بالقرآنيين لايؤمنون بالناسح والمنسوخ ، لكن كل علماء المسلمين متفقين على ان الناسح والمنسوخ وقع في القرآن ، لانهم لايستطيعون الخروج من التناقض الذي يملأ القرآن الا بتقبل الناسح والمنسوخ ويحاولون أن يٌعطونه أسم التدرج في الأحكام أي أتت آية تُبيح وبعدها اتت اخرى تحرم وهذا يُسمونه تدرج لكن في الحقيقة هو تلاعب بعقول العامة فقط، وبدل تسمية الاشياء باسماءها أي الغاء وتبديل الحكم الأول نقول تدرج !
لكن حتى بتقبل الناسح والمنسوخ (أو التدرج كما يحلو للعلماء أن يُسمونه) أيضا يقعون في اشكالية أخرى الا وهي كيف يُمكن التوفيق بين أزلية النص القرآني الذي حُفظ في اللوح المحفوظ و الناسح والمنسوخ أي الإلغاء وتبديل آية بآية في القرآن ؟ و هناك حتى آيات تٌقر بعدم النسخ في القرآن مثلا " "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" أو "لا تبديل لكلمات الله"* أو "لا مبدل لكلماته"** . في حين أن هناك آيات أخرى تناقض هذه الآيات تماما "وإذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزِّل.." ***، "ما ننسخ من آية أو نُنسها نأتي بخير منها أو مثلها"****
ويقول د. سيد القمني عن هذه الأشكالية "فإن نزول الآيات المثبتة في اللوح المحفوظ، ثم نسخها وإزالتها من القرآن المتلو، ينفي هذه الأبدية المفترضة الموهومة (اللوح المحفوظ)"
أيضا أنا أتساءل إن كان الرسول ينسى الكلام الموحى به وهو المؤتمن على الوحي، فماذا يقال عن حفظة القرآن، ألا يمكن أن ينسوا هم الآخرين؟ واذ كان الله يحفظ كلامه فلماذا لم يحفظه في ذاكرة الرسول، ولماذا ينسيه له، بعد أن يوحي به إليه؟ ولماذا كان قد أوحى بهذه الآيات أساسا إن كان يعمد على أن ينسيها ويلغيها؟ أيضا هل يغير الله رأيه ؟ و هل وحي الله فيه مفاضلة؟ أي هل فيه شيء خير من الآخر؟

هذه لمحة وجيزة عن الناسخ والمنسوخ في القرآن، فآيات ألغت آيات، وغيرتها وأبطلتها ومحتها، وفوق كل هذا آيات أنساها الله لمحمد. وبعدها يأتون ويقولون لك أنه قرآنا مكتوب في اللوح المحفوظ، يعني أنا أتساءل هل القرآن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي بين أيدينا الآن أم هو القرآن الذي نسيه محمد أم القرآن الذي أحرقه عثمان أم ماذا ؟؟؟



أهداء الى القارئ حاتم عبد العزيز وتحية له، هو الذي حثني على كتابة هذا الموضوع.

المصادر
1
http://www.qurancomplex.org/Display.asp?section=1&l=arb&f=nwasekh002.htm&trans=
2-كتاب "الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم" لهبة الله بن سلامة
3
http://www.youtube.com/watch?v=WHmbS6AyuTU&feature=related
4
http://www.qurancomplex.org/Display.asp?section=1&l=arb&f=nwasekh003.htm&trans=
5-كتاب الإسلاميات للدكتور سيد القمني

*(سورة الأنعام 34)
**(سورة الكهف 27)
*** سورة (النحل16: 101)
**** سورة (البقرة2: 106)