جماعة العدل والإحسان: تحول ديمقراطي أم تكيف ليبرالي

البديل الاشتراكي
2011 / 12 / 9

ليست المرة الأولى التي تغير فيها جماعة العدل والإحسان عقيدتها، لكن التغيير هذه المرة يتجاوز حدود الاجتهاد الداخلي لتكييف العقيدة مع المشروع السياسي،بل يطال العقيدة والمشروع السياسي. تبدو مراجعات جماعة العدل والإحسان، ككل المراجعات السياسية، مجرد تغيير في الخطاب، لكن صخب موج البحر غير ممكن دون حركة المد والجزر وتكسر الأمواج نفسها بعد ارتطامها بالصخر. ويبدو أن هذا هو حال جماعة العدل والإحسان، فليس صخب خطابها حول الديمقراطية والدولة المدنية سوى صدى تكسر موجتها على صخرة الثورات العربية بعد أن فعلت حركة المد والجزر في الصراع الطبقي فعلها .
ازدواجية الخطاب
في البداية لا بد من التمييز بين شقين في"الخطاب السياسي الجديد" لحزب جماعة العدل والإحسان، شق موجه إلى الداخل دون أهمية وشق موجه إلى الخارج يكتسي أهمية بالغة، وهو ما سنركز عليه لتسليط الضوء على حجم واتجاهات المراجعة السياسية لجماعة العدل والإحسان.
تريد قيادة حزب جماعة العدل والإحسان، من خلال خطابها السياسي الجديد، توجيه رسالة سياسية قوية إلى القوى الامبريالية وبشكل خاص الإدارة الأمريكية مضمونها، أن لا خوف من "حكومة إسلامية" قد تخلف الحكومة الملكية في حال سقوطها. فهي حكومة تعترف بالليبرالية الاقتصادية وتحترم الاتفاقيات الدولية وتضمن استمرار مؤسسات الدولة. ولأنها تدرك أن الليبرالية الاقتصادية تقترن بالنسبة للغرب الامبريالي،على مستوى الخطاب على الأقل، بالليبرالية السياسية، فان قيادة جماعة العدل والإحسان، تبدي استعدادا سياسيا كبيرا للتكييف مع الديمقراطية البرجوازية في اشد نسخها رداءة.
من الدولة الإقطاعية إلى الدولة البرجوازية
بما أن الليبرالية الجديدة تعني من بين ما تعنيه تحرير الدولة من وظائفها الاقتصادية والاجتماعية، فان التكيف مع هده الليبرالية يفرض على جماعة العدل والإحسان، على الأقل مؤقتا، التعايش مع الدولة البرجوازية ، وهي تبدي استعدادها لتحرير مفهوم "الدولة الإسلامية" من طابعها الديني لإضفاء طابع "مدني" على مؤسساتها وبعض مصادر شرعيتها، بما يسمح من جهة، بتخليص القوى المدافعة عنها من تركة الاستبداد والتسلط والقمع التي خلفها التطبيق العملي لهذا النموذج في السعودية وإيران وأفغانستان، ومن جهة أخرى باكتساب مشروعية شعبية وديمقراطية هي في أمس الحاجة إليها في مرحلة سقوط الدكتاتوريات. "الدولة المدنية هي دولة الحريات العامة والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والقرار المستقل والتداول السلمي على السلطة ودولة الاختيار الحر للشعب ودولة الانتخابات النزيهة وفصل السلطة والمساواة أمام القانون وصيانة المال العام وتقسيم الثروة الوطنية على أسس الكفاءة والفعالية والحاجة".(الحمداوي عضو أمانة الدائرة السياسية للجماعة في استجواب مع موقع هسبريس الالكتروني).
وهي تبدي نفس الاستعداد للتعايش مع النظام السياسي البرجوازي الليبرالي خلال مرحلة تاريخية وسياسية طويلة والقبول بالانتقال السلمي من النظام الديمقراطي إلى نظام "الخلافة الإسلامية"، مع الوعد بان لا يكون نظام الخلافة في المستقبل "نظام حكم شمولي تسلطي تتركز من خلاله السلطة في يد فرد واحد الذي تجب طاعته طاعة عمياء وتنقاد إليه "الرعية" انقياد القطيع " وان يتصف هدا النظام الإسلامي بصفة"الرشد" وان يرتكز على "السيادة الشعبية" وان يكون سلميا رافضا لكل "عدوان تجاه أي شعب من شعوب العالم كيفما كانت ديانته أو قوميته."(نفس المصدر).
أما نموذج "الخلافة الراشدة"التي تنشد جماعة العدل والإحسان قيامها، بعد مرحلة الديمقراطية البرجوازية الليبرالية، فهو بمثابة " تكتل فدرالي بين دول مدنية مستقلة وديمقراطية " شبيه "نموذج معاصر له هو الاتحاد الأوربي أو الولايات المتحدة الأمريكية" (نفس المصدر).
ضمن هذا السياق ادن يجب تفسير استعمال الجماعة لمفهوم "الدولة المدنية" والإطناب في الخطاب حول الديمقراطية و الحريات الفردية والجماعية، التعددية، الانتخابات، والتداول السلمي....
فبعدما كانت هذه المبادئ حتى الأمس القريب، مخالفة للدين الإسلامي ودخيلة على هوية الأمة أصبحت الان ركنا من أركان "الإسلام الليبرالي". والهدف طبعا هو الحصول على صفة " الإسلام المعتدل" لنيل امتياز تمثيل الإسلاميين الليبراليين المقبولين كشركاء في الإستراتيجية الامبريالية لمكافحة الثورات بعد انهيار إستراتجية "مكافحة الإرهاب" التي أسقطت الثورات العربية آخر أوراقها.
إن الإحالة الضمنية أو الصريحة إلى النموذج التركي، من قبل قيادات جماعة العدل والإحسان، له دلالة سياسية واضحة في التوجه الجديد لهذه الجماعة.
ومن المفيد التذكير بتجربة سقوط الأنظمة البيروقراطية في بلدان أوربا الشرقية، التي بسقوطها سقطت آخر أوراق إستراتيجية " مكافحة الشيوعية". وقد كانت "الأحزاب الشيوعية البيروقراطية" هي الأخرى مستعدة للتخلي عن "عقيدتها الشيوعية" مقابل نيل صفة " الأحزاب الديمقراطية" الذي يمنحها امتياز المشاركة في إعادة بناء الرأسمالية إلى هذه البلدان باسم الديمقراطية.
من الجهاد ضد الشيطان إلى الشراكة مع الشيطان
لا تعني الديمقراطية بالنسبة لحزب العدل والإحسان كما بالنسبة لكل الأحزاب والتيارات الإسلامية ، القضاء على السيطرة الامبريالية وإسقاط سلطة البرجوازية العميلة لها وانجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطي، بل تعني في أقصى حدودها، تجديد بنود الشراكة مع الامبريالية.
ولكونها تدرك أن الإستراتيجية الامبريالية الجديدة لتجديد سيطرتها على المنطقة تمر عبر التحالف مع "الأحزاب الإسلامية المعتدلة" فهي تبدي استعدادا للشراكة مع الشيطان الأكبر شريطة تخلي هذا الأخير عن دعم الشيطان الأصغر . يقول ارسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة جوابا عن سؤال"هل الثورات العربية الحالية تعد وسيلة إضعاف للغرب المتسلط على خيرات الشعوب المظلومة والمقهورة؟":
"بمنطق العقل وبعد النظر، فإن الغرب سيكون رابحا من انتفاضة الشعوب المستضعفة إن قطعت الأنظمة الجديدة بصدق صلتها بعهد الظلم والنهب والاستبداد والاستفراد بالقرار، لأن العلاقات سيعاد ترتيبها على المصالح المشتركة ... وعلى الاحترام المتبادل.نحن ندعو إلى علاقة متوازنة تكون مصلحة شعوبنا المحدد الرئيسي لها من جهة، ويكون التعاون والمصالح المشتركة المتوازنة، تحت نظر الشعب، هي عنوان المرحلة الجديدة في علاقتنا بالغرب، لا علاقة غالب ومغلوب وناهب ومنهوب
"(حوار منشور على موقع الجماعة).
وقبله صرح مرشد الجماعة بشكل واضح عن استعداده السياسي للتعاون مع الامبريالية :
إن "حساب المصالح على المدى الطويل" يقول عبد السلام ياسين، "سيدفع الغرب إلى التعاون مع الإسلاميين لكونهم ورقة المستقبل"
(عبد السلام ياسين : "أسلمة الحداثة")
وبتجميع مختلف حلقات مسلسل "المراجعة السياسية" يمكن تركيز التحول النهائي لجماعة العدل والإحسان فيما يلي: حزب سياسي إسلامي على شاكلة أحزاب العدالة والتنمية في تركيا ومصر، مستعد للعمل تحت سقف دولة برجوازية، ليبرالية المظهر، رجعية المضمون، متعايشة مع الامبريالية وفي خدمة مصالحها على المدى الطويل.
للجماعة دينها وللمضطهدين دينهم
إذا كانت جماعة العدل والإحسان قد أبانت عن استعداد سياسي لتغيير عقيدتها والاجتهاد استجابة لمتطلبات القوى الامبريالية، فإنها لا تبدي نفس القدر من الاستعداد والاجتهاد للاستجابة لهموم وتطلعات المضطهدين والمستضعفين. الاجتهاد الوحيد المتضمن في خطابها هو توجيه رسالة، بلسان مرشدها، إلى رجال الأعمال والبيروقراطية الإدارية لطمأنتهم على مصالحهم وامتيازاتهم في ظل "الحكومة الإسلامية". فهي " لن تدشن مسيرتها بتفكيك الجهاز الاقتصادي والإداري... أو تسريح الطاقم السياسي والإداري والثقافي".
وبصرف النظر عن احتمال قيام "حكومة إسلامية" في حال سقوط "الحكومة الملكية"، لان ذلك ليس رهينا برغبة جماعة العدل والإحسان مهما قدمت من تنازلات، بل رهين بالشكل الذي ستنفجر فيه أزمة النظام والظروف السياسية التي ستعقبها والاختيارات التي ستقدم عليها القوى الامبريالية من جهة، و بدرجة تنظيم الشعب ووعيه بمصالحه وبوزن القوى الديمقراطية ووضوح مشروعها الديمقراطي من جهة أخرى. بصرف النظر عن توفر شروط هذا الاحتمال، فان ما يجب استنتاجه هوان جماعة العدل والإحسان، ليس من مصلحتها ولا يدخل ضمن أهدافها المساس بالمصالح الاقتصادية للبرجوازية المخزنية أو القضاء على المافيا المخزنية .
كل ما تنشده الجماعة هو استبدال قيادة سياسية بقيادة سياسية جديدة دون القضاء على النظام ككل. إن "قومة" جماعة العدل والإحسان إذا كانت تستهدف القضاء على تحكم الملكية بالسلطة فهي لا تهدف إلى تحكم المضطهدين والمستضعفين والمسحوقين في السلطة والثروة، أي القضاء على أسباب الاستبداد والفساد واستغلال وهدر كرامة الإنسان.
فهل يستوي دين جماعة العدل والإحسان، دين الحزب والدولة، دين التعاون مع الامبريالية وحماية مصالح الرأسمالية، مع دين المضطهدين والمستغلين والفقراء، دين التحرر من الوصاية و الاستغلال والاضطهاد والتمييز؟ إن دين جماعة العدل والإحسان قد يوصل قيادتها إلى الجنة ( السلطة) لكنه قطعا لن يوصل قاعدتها إلى الجنة، ليس بسبب كفرها بالدين، بل بسبب كونها لم تكفر بقيادتها وهي تعلن صراحة عن استعدادها لحماية مصالح الرأسمالية التي أقامت جهنم فوق الأرض وتعهدها بالتعاون مع الامبريالية التي تعذب وتعاقب الشعوب قبل يوم الحساب مقابل ربح رهان الوصول إلى السلطة ولو على حساب مصالح وحقوق المستضعفين والمستعبدين.... وهذا اشد من الكفر.