الإستراتيجية الامبريالية لمكافحة الثورات

البديل الاشتراكي
2011 / 12 / 9

تقدم وسائل الإعلام الحكومات الامبريالية كحكومات داعمة وحاضنة للثورات الديمقراطية في العالم العربي، ويعزز هذا الاعتقاد احتجاج الأنظمة الدكتاتورية واتهامها هذه الحكومات بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية لبلدانها وسعي بعض القوى المناوئة للدكتاتورية إلى الاستقواء بالدعم الخارجي. وقد ساعد هذا اللبس على إضعاف البعد المعادي للامبريالية في هذه الثورات وقيام شبه تحالف غير معلن مع القوى الامبريالية في هذه الثورات الديمقراطية، إما بشكل واعي من قبل القوى البرجوازية الليبرالية كتعبير عن التقاء مصالحها مع مصالح الامبريالية، أو بشكل غير واعي من قبل القوى الثورية، كتعبير عن وهم "حياد" الامبريالية في تحديد مسار الثورات الديمقراطية. يتطلب هذا الوضع من القوى الثورية المعادية للامبريالية بدل جهد نظري وسياسي اكبر لتوضيح العداء الامبريالي للثورات الديمقراطية وكشف أشكال تدخل القوى والمؤسسات الامبريالية للتأثير في الأحداث لحرف الثورات الشعبية عن مسارها الديمقراطي. وسنتناول هنا بعض أشكال التدخل الأمريكي في الثورة التونسية والمصرية، لتسليط الضوء على إستراتيجية الأمريكية لمكافحة الثورات.
خطة "الدبلوماسية الشعبية"
"بات الوضع أكثر تعقيداً الآن. يجب علينا أن ندخل في العمق، فخرائط التأثير التي نعمل عليها يجب أن تخصص لكل بلد، أو بصراحة، لكل مدينة. يجب أن نستعلم عن كل مدوّن وعن كل شخصية مؤثرة في تلك المجتمعات. وعملنا لن يتوقف هنا، إذ يجب أن ننتقل من مستوى إلى آخر، تماماً كمن يقشر بصلة، فنتعرّف مثلاً إلى الفئة التي يؤثر عليها هذا المدوّن وهل هؤلاء الناس هم الهدف الذي نريد أن نصل إليه؟".
بهذه العبارات تشرح مساعدة وزيرة الخارجية لشؤون الدبلوماسية الشعبية جوديث ماكهيل، الخطة الجديدة للدبلوماسية الأميركية في بلدان "الربيع العربي" التي تغير اسمها من قسم "العلاقات العامة" التابع لوزارة الخارجية إلى قسم "الدبلوماسية الشعبية" المندمج بالنشاط السياسي والعسكري والاستخباراتي لوزارة الدفاع.
لا يختلف نظام اشتغال "الدبلوماسية الشعبية"عن نظام اشتغال المارينز، إلا من حيث مجالات التدخل والفئات المستهدفة، فهي تتشكل من "فرق للتدخل" شبيهة بفرق المارينز. ويبدو من المفيد التذكير بأن ميزانية قسم «الدبلوماسية الشعبية» التابع للخارجية الأميركية هو بيد وزارة الدفاع. ففي عهد جورج بوش، ومواكبة لسلسلة الحروب التي شنّها تباعاً، تحوّل العمل «البروباغندي» (وهو الاسم الأصلي لعمل قسم «الدبلوماسية الشعبية») إلى وزارة الدفاع وقد بلغت ميزانية «التواصل الاستراتيجي» في البنتاغون إلى 900 مليون دولار في عهد اوباما بعدما كانت 60 مليوناً في بداية عهد بوش.
ومواكبة للأحداث المتلاحقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تم تعزيز قسم "الدبلوماسية الشعبية" بسبعة نواب مساعدين لوزيرة الخارجية، توزعوا على المكاتب الإقليمية. ستة منهم سيساهمون بنحو أساسي في جعل "الدبلوماسية الشعبي" تساهم في صنع القرار السياسي داخل الوزارة، أي رسم الخطط السياسية القريبة والبعيدة المدى في الوزارة وفقاً لكمية المعلومات التي يجمعونها من أهل البلد ومؤسساته. والمنصب السابع هو إعلامي بحت، ولن يقتصر دور هذا الأخير على التواصل مع الإعلام «التقليدي» (صحف وتلفزيون وراديو) بل سيركز على النشاط الالكتروني ـــــ الإعلامي. وخصوصاً عبر التعاون مع شبكات المدونين والناشطين على مواقع "فايسبوك" و"تويتر".
التدخل في "سوق الأفكار"
في تقرير لها أمام «مجلس العلاقات الخارجية» ، تحدّثت ماكهيل عن التغيرات التي طرأت على دائرة «الدبلوماسية الشعبية» بغية استيعاب التحولات ومواجهة التحديات في بلدان العالم العربي. وقد شددت ماكهيل على ضرورة تغيير طريقة عمل الدبلوماسية الأميركية ونقلها من إطار العمل مع السياسيين والقادة العسكريين والاقتصاديين (أي رأس الهرم) إلى الاحتكاك بالشارع والمواطنين مباشرة لمعرفة تطلعاتهم واكتشاف أهدافهم.
خطة العمل في تونس
على رأس فريق، ضمّ كبار الموظفين في الأقسام السياسية والاقتصادية والتربوية والإعلامية ـــــ معظمهم ممن خدم في العراق وأفغانستان ـــــ توجهت ماكهيل الى تونس بعد الثورة ب 6 أسابيع، وبتعليمات واضحة من وزيرة الخارجية الأميركية: "اخرُجوا إلى الناس، انتشروا بينهم، استمعوا لهم، اعملوا على الأرض" أما الهدف فهو «استكمال ما حققته الولايات المتحدة لغاية الآن ومساعدة السفارة الأميركية على التحرك سريعاً جداً عند الحاجة» وفي تعريفها للفريق الدي رافقها في زيارتها لتونس تقول ماكهيل:
«هو فريق التدخل السريع، الذي سيكوّن صلة وصل بين السفارات والوزارة فيلغي العقبات البيروقراطية، و سيسرّع العمل على الأرض ويمهّد لإتمام الخطط البعيدة الأمد».
و بعيدا عن الأضواء، عقدت رئيسة الدبلوماسية الشعبية لقاءات مع ناشطين شباب وممثلين عن المجتمع المدني وهيئات المدارس والجامعات وصحافيين من مختلف الوسائل الإعلامية التونسية.
والحاضر الدائم في كل هذه اللقاءات كانت هي مؤسسات المجتمع المدني التي تعوّل الإدارة الأميركية عليها كثيراً «لتنفيذ الارتباط الأمريكي بتلك الدول المتحركة بأسرع الطرق" تقول.ماكهيل، التي التقت «نحو 65 ناشطاً على مدى 6 ساعات»، استنتجت منهم أن "التونسيين فخورون بثورتهم ولا يريدون أن يسلبهم إياها أحد، لا الولايات المتحدة ولا أي بلد آخر"، وتضيف «لكن اذا تخاطبنا معهم وشاركنا في بلورة أفكارهم، فسنمضي قدماً في تحقيق أهدافنا هناك».
وعن ردّ فعل التونسيين وطريقة تعاملهم مع فريق الوزارة، توضح ماكهيل أنها واجهت الكثير من معارضي السياسة الأميركية الخارجية إضافة إلى عدد كبير من الحذرين والمشككين في نيات التعاون، لكنها تقول «هذا الأمر سيستمر وسنواجه تلك الفئات من الناس دائماً، لكني مقتنعة بأن ما نفعله هو الصواب». وفي هذا الإطار، يتبيّن أن ماكهيل لا تؤمن مثلاً باستطلاعات الرأي حول السياسة الأميركية الخارجية، وهي «لا تدع الأرقام السلبية تحبطها، بل تتخطاها وتستمر بنفس السياسة والعمل.
وردّاً على سؤال عن «الدبلوماسية المتعددة الأطراف» كشفت ماكهيل أن إدارة باراك اوباما باشرت اعتماد هذا النوع من الدبلوماسية المتعددة في تونس ومصر. وتشرح أنهم بصدد التعاون مع أطراف أخرى في أوروبا وأميركا اللاتينية للعمل في تلك البلدان.
ويشبه المسؤولون في الخارجية الأميركية نشاط "الدبلوماسية الشعبية" في تونس ومصر، بالجهود الأميركية التي بذلت «على مدى سنوات» لدعم "شعب جنوب السودان على استكمال "استقلاله"
الامبريالية و"التدخل الإنساني"
تحت ذريعة "إنقاذ شعب ما من طاغية» أو «تخليص جماعة ما من مجزرة» أو «الدفاع عن حقوق الإنسان» تتدخل القوى الامبريالية عسكريا في بلد يقع تحت طائلة تهديد المصالح الامبريالية. وفي بلدان أخرى تتدخل القوى الامبريالية خلف ذريعة حماية " الشرعية" (ساحل العاج) أو "الاستقرار" (هايتي). وقد يتم تفويض مهام التدخل إلى قوى إقليمية أو حكومات عميلة كما حدث في البحرين،حيث سيتم خنق الثورة بواسطة قوات درع الخليج تحت إشراف القوات السعودية أو كما حدث في ليبيا أو يخطط له في سوريا مع الحكومة التركية.