نقد منظور النهج الديمقراطي لمسالة جبهة الطبقات الشعبية

البديل الاشتراكي
2011 / 12 / 8

سواء تعلق الأمر بمخلفات ازمة الرأسمالية التي من بين مظاهرها، تعميق التناقض بين منطق الربح ومنطق تلبية الحاجيات والحقوق الاجتماعية الأساسية لقطاعات شعبية واسعة أو تعلق الأمر بالشروط السياسية التي تخوض فيها الشعوب المواجهة مع أنظمة دكتاتورية وقمعية. فان وحدة الشعب، على الأقل في المراحل الأولى من هذه المواجهة، تبدو حاسمة من اجل إسقاط الدكتاتورية وتوفير شروط أفضل لتعميق المسلسل الثوري وتحويله إلى مسلسل للتغيير الديمقراطي والاجتماعي. ولعل هذا ما جعل شعار"الشعب يريد إسقاط النظام" شعارا موحدا لقطاعات و طبقات اجتماعية مختلفة وتيارات وقوى سياسية واجتماعية متناقضة. لكن إذا كانت هذه الوحدة شرطا ضروريا لا يمكن الجدال بشان ديناميته السياسية والمعنوية في مواجهة أنظمة قمعية مستعدة لشن حرب دموية ضد شعوبها للحفاظ على تحكمها بالسلطة والثروة، فإن طمس التناقضات بين مكونات هذه الوحدة،لا يقود فقط إلى إفراغ المسلسل الثوري من مضمونه الاجتماعي،بل يقود أيضا إلى إعادة إنتاج الدكتاتورية.
"وحدة الشعب" و"جبهة الطبقات الشعبية"
إن وحدة الشعب شيء وجبهة الطبقات الشعبية شيء آخر والخلط السياسي بين هذين المستويين هو جوهر الخلاف حول التكتيك الذي يجب أن يسلكه اليسار الجذري داخل حركة 20 فبراير.
ولتفادي تشويه التكتيك السياسي الذي ندافع عنه وتشاركنا في الدفاع عنه بعض مجموعات اليسار الجذري، وبعيدا عن المزايدات والمشاحنات اللفظية وردود الفعل التي رافقت النقاش حول هذه المسالة، سنسعى إلى توضيح وتفسير منظورنا السياسي ومنهجيتنا العملية، بغض النظر عن قدرتنا على تسييدهما كخط عام لليسار الجذري.
نحن مع وحدة الشعب في كفاحه ضد الاستبداد، لكننا حريصون بنفس القدر، على وحدة واستقلالية الطبقات الشعبية في كفاحها من اجل التحرر الديمقراطي والاجتماعي. وبصيغة أخرى أكثر تبسيطا، نحن مع أية صيغة سياسية، بغض النظر عن تسميتها، تسمح بتوحيد فعل وحركة قطاعات عمالية وشعبية واسعة في المعركة التي يخوضها الشعب بمختلف طبقاته وأطيافه ضد النظام المخزني. لكن المسالة ليست بهذه البساطة، حينما يتعلق الأمر بالجواب عن سؤال مع من؟ وكيف؟ وعلى أية قاعدة سياسية؟
جبهة شعبية موحدة على أية قاعدة سياسية ومع من؟
إذا كان المقصود هو تجميع القوى الاجتماعية والسياسية التي تتعارض مصالحها موضوعيا مع النظام والكتلة الطبقة السائدة من اجل عزل المافيا المخزنية وبناء ميزان قوى لصالح التغيير الديمقراطي، فان تشكيل جبهة شعبية واسعة، كشكل من أشكال التحالف بين مختلف القطاعات الشعبية المستغلة والمضطهدة، من شغيلة وفلاحين فقراء وشرائح من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة المتضررة، هي مسالة ضرورية، بل تبدو حاسمة، على الأقل خلال المراحل الأولى من المواجهة المباشرة بين الشعب والنظام. هناك ادن ضرورة موضوعية لجبهة شعبية واسعة، أو على الأدق، جبهة عمالية وشعبية.
لكن مسالة الجبهة الشعبية الموحدة لا تختزل في تحديد قاعدتها الاجتماعية، بل لا بد من تحديد مهامها ومكوناتها السياسية وعلاقتها بباقي قوى المعارضة السياسية والاجتماعية، وهنا يكمن جوهر اختلافنا مع الرفاق في تيار النهج الديمقراطي حول هذه المسالة. فالجبهة الشعبية، من منظور الرفاق في النهج الديمقراطي، أو على الأقل كما نفهم تفسيرهم لها، تجد ترجمتها العملية في بناء "تحالف سياسي" على قاعدة "برنامج حد ادني ديمقراطي واجتماعي" مع القوى السياسية والاجتماعية التي من مصلحتها وضع حد لحكم المافيا المخزنية واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية (ديمقراطية الواجهة واللبرالية المتوحشة).
وسواء من خلال صيغتها (تحالف سياسي مفتوح) أو من خلال مهامها السياسية (برنامج ديمقراطي حد أدنى) فان الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة، ستكون مرغمة خلال مرحلة كاملة، على تأجيل مصالحها و تذويب تناقضاتها مع باقي طبقات ومكونات الشعب إلى مرحلة لاحقة، حيث ستجد المصالح والتناقضات الطبقية تعبيرها بشكل واضح وناضج. وفقط خلال هذه المرحلة، يمكن للطبقة العاملة والجماهير الشعبية إشهار رايتها واستحضار مطالبها الخاصة كطبقة والتدخل كقوة سياسية مستقلة لحسم تناقضاتها مع باقي الطبقات.
وعلى ضوء تجربة حركة 20 فبراير، يبدو، على الأقل لحد الآن، أن هذا المنظور يتجسد في البحث عن بناء تحالف مع التيارات السياسية المعارضة للنظام (تحالف اليسار الديمقراطي وجماعة العدل والإحسان) باعتبارها الممثل السياسي للشرائح العمالية والقطاعات الشعبية التي لها مصلحة موضوعية في وضع حد للنظام المخزني وسياساته الاقتصادية والاجتماعية اللاشعبية. وتشكل أرضية 20 فبراير والمجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير، الصياغة البرنامجية والهيكلة التنظيمية لهذا التحالف الجبهوي.
ولعل هذا ما يفسر تأجيل تيار النهج الديمقراطي، لمهمة تجميع وتوحيد قوى اليسار الجذري(القوى الاشتراكية) خلال هذا النضال الشعبي، باعتبارها مهمة مؤجلة إلى مرحلة يبرز فيها التناقض بشكل موضوعي بين اليسار الجذري وباقي قوى المعارضة.
مع الإصلاحيين: التحالف المؤقت ممكن، جبهة سياسية دائمة غير ممكنة
إن وجود قوى سياسية واجتماعية في موقع المعارضة، لا يعني بالضرورة كونها في تناقض تناحري مع النظام. فقد شكلت أحزاب "الكتلة الديمقراطية" والمركزيات النقابية الموالية لها، معارضة سياسية للنظام في فترات معينة، لكن موقعها في المعارضة لم يمنعها من التوافق مع النظام والتحول إلى أحزاب حكومية في ظل نفس النظام.
صحيح أن السياق السياسي مختلف، حيث يمكن في سياق نهوض شعبي أن تعرف قوى المعارضة السياسية أو قسما منها، حالة تجذر، لكن حدود ومدى هذا التجدر لا ترسمه تناقضاتها الظرفية مع النظام، بل ترسمه طبيعتها الطبقية وأساسا طبيعة قياداتها السياسية والمصالح الطبقية التي تهيكل مشروعها السياسي. وبتطبيق هذا المعيار الطبقي على القوى المفترضة كشريك لتشكيل جبهة سياسية واجتماعية، وعلى ضوء التجربة العملية لحركة 20 فبراير، يمكن أن نستنتج عجز هذه القوى، بسبب طبيعتها الطبقية وطبيعة مشروعها السياسي،على الذهاب بعيدا في معارضتها للنظام،فهي عاجزة عن الذهاب إلى حد خلق ازمة سياسية وخوض مواجهة مفتوحة مع النظام، لكونها لا تعارض النظام بهدف إسقاطه وتفكيك أركانه، بل بهدف انفتاحه للاندماج فيه،(وهي عاجزة حتى عن ذلك).أما "دعمها" لحركة 20 فبراير، فهو دعم محدود ومشروط بسقف سياسي لا يتجاوز حدود تناقضاتها الظرفية مع النظام.
و إذا كان من مصلحتها الارتكاز على حركة الجماهير،فهذا لا يعني كونها ستشكل سندا سياسيا دائما أو يجب استبعاد انقلابها على حركة الجماهير في حال تقدم هذه الأخيرة في التشكل كقوة سياسية مستقلة. إن هذا ما يفسر رفضها ومقاومتها الشرسة لكل تعبير سياسي مستقل في مظاهرات حركة 20 فبراير وحيادها السلبي أو انحيازها الموضوعي إلى جانب النظام، في المواجهات التي يخوضها الطلبة والمعطلين والجماهير العمالية والشعبية بشكل مستقل وعلى قاعدة مطالبها الخاصة.
خلافا لمنظور النهج الديمقراطي، نحن لا نستبعد فقط إمكانية بناء جبهة موحدة ودائمة مع التيارات الإصلاحية، بل نعتبر التحالف الدائم مع هذه القوى يشكل عائقا أمام إمكانية تشكيل جبهة شعبية مستقلة سياسيا عن النظام والطبقات السائدة، و ضررا سياسيا بالغا بالنسبة لمعركة المضطهدين.
وبدل الرهان على التيارات الإصلاحية لبناء قطب شعبي لمواجهة الاستبداد والرأسمالية الليبرالية، نحن نراهن على التنظيم الذاتي للجماهير العمالية والشعبية. هذا هو منظورنا ومنهجيتنا لتشكيل جبهة شعبية موحدة، ومهمتنا كثوريين مناهضين للرأسمالية، هو النضال من اجل أن تشكل جماهير الشغيلة (بالمعنى الواسع للكلمة وليس بالمعنى العمالوي) العمود الفقري لهذه الكتلة الشعبية الموحدة.
إن منظورنا الطبقي لمسالة الجبهة الشعبية الموحدة،لا يعني استبعادنا لكل التحالفات الممكنة، بل يعني أن التحالفات التكتيكية، هي بطبيعتها تحالفات مؤقتة وجزئية لا نجاز مهام محددة، وليست اتفاقا سياسيا على قاعدة أرضية سياسية وبرنامجية مشتركة، ناهيك عن إطار تنظيمي موحد.
بصيغة أخرى، نحن لا نرفض التحالفات المؤقتة مع التيارات الإصلاحية إذا كانت هذه التحالفات ممكنة أولا، وضرورية ثانيا، من اجل بناء ميزان قوى لصالح نضال الجماهير الشعبية ومتى كانت هذه التحالفات عاملا مساعدا على تنظيم حركة الجماهير الشعبية وتحترم استقلالية تنظيماتها الذاتية ولا تقف عائقا أمام تطور معركة الجماهير نحو أفق القطيعة مع النظام والطبقات السائدة.
لكن ما هي الفائدة، من زاوية مصلحة الجماهير الشعبية ومعركتها، من تحالفات دائمة مع قوى سياسية مستعدة للتوافق مع النظام أكثر من استعدادها لإسقاطه، هذا ناهيك عن التحالف مع قوى مستعدة لعزل حركة الجماهير أكثر من استعدادها لعزل المافيا المخزنية؟.
إن ما نرفضه في منظور النهج الديمقراطي لمسالة الجبهة والتحالفات بشكل عام، ليس السعي إلى استغلال كل التناقضات الثانوية الموجودة بين هذه القوى والنظام، بل المرفوض هو طمس التناقضات الرئيسية الموجودة بين مصالح وتطلعات الطبقات الشعبية والمصالح والتطلعات الطبقية التي تدافع عنها هذه القوى.
إن كون هذه التناقضات لا تجد تعبيرها بشكل واضح في الشروط الراهنة، فان مهمة اليسار الجذري ليست هي إخفاء هذه التناقضات خلف شعارات الوحدة، بل إن مهمته ومبرر وجوده هو بالضبط التعبير عن هذه التناقضات وتوضيحها، أي التعبير عن المصالح والتطلعات الطبقية المستقلة للجماهير الشعبية الكادحة والمضطهدة في كل المعارك السياسية ضد النظام.
كما أن الخلاف مع القوى التي ينشد تيار النهج الديمقراطي بناء جبهة موحدة معها، ليس فقط خلافا حول طبيعة المجتمع والدولة والنظام الديمقراطي، بل هو أيضا خلاف حول المهام المباشرة وشكل وأدوات وإستراتيجية النضال.
لا يعني هذا مرة أخرى، رفض كل تحالف مع القوى المستعدة للنضال ضد النظام والرأسمالية الليبرالية، بل يعني رفض أن يكون هذا التحالف مقيدا ببرنامج سياسي وشروط تنظيمية، كما هو الحال مع تجربة التحالف الداعم لحركة 20 فبراير. وبدل البحت عن وحدة وهمية وشكلية قابلة للانفجار في أية لحظة، يمكن البحث عن اتفاق فعلي على قاعدة مطالب مباشرة وملموسة ومعارك مشتركة، مع احتفاظ كل فريق بحرية المبادرة، دون قيود سياسية أو تنظيمية، للدفاع عن مشروعه السياسي وفق ما يراه ملائما من شعارات ومبادرات واليات.
وأخيرا، هناك من يعتبر أن الخلاف بين الديمقراطيين الإصلاحيين واليسار الجذري، هو خلاف حول البديل الاجتماعي، وليس خلافا حول الديمقراطية، ومادام الأمر كذلك في نظرهم، فان "وحدة" المعركة الديمقراطية، تبرر قيام تحالف سياسي مرحلي بين الفريقين حول "برنامج ديمقراطي" بهدف توفير شروط تشكيل كتلة شعبية واسعة تمتد قاعدتها من البرجوازية الصغيرة والشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى إلى الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة لمواجهة النظام.
لكن هل يتلاءم الهدف (تشكيل كتلة طبقية واسعة لمواجهة النظام ) مع الوسيلة (تحالف سياسي واسع)؟. إن انخراط قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة والشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى في المعركة الديمقراطية، لن يتأتى في نظرنا، من خلال التحالف مع التيارات الديمقراطية الإصلاحية، بل سيكون ثمرة توسيع دائرة النضالات و قدرة الكتلة العمالية والشعبية على لف مختلف القطاعات الاجتماعية حول رايتها السياسية المستقلة في المعركة الديمقراطية. هنا بالضبط يوجد مركز التحالفات وقاعدة بناء جبهة عمالية وشعبية واسعة.
لكن هل توجد في المغرب قوى سياسية ترتكز على قاعدة عمالية وشعبية ومن مصلحتها توسيع التعبئة وتجدير النضال ضد النظام والبرجوازية المخزنية ؟ إن قوة سياسية كهذه لا وجود لها في الشروط الراهنة على الساحة السياسية المغربية، بل يشكل بناء هذه القوة المهمة الرئيسية لقوى اليسار الجذري، وهي مهمة لا يمكن تحقيقها بالوحدة مع قيادات اليسار الإصلاحي، بل بتجاوزها كقيادة سياسية في المعركة الديمقراطية نفسها.
مع الإسلاميين الرجعيين لا تحالف لا جبهة سياسية
تطرح مقاربة تيار النهج لمسالة الجبهة عدة مشاكل، أولها النظر إلى جماعات الإسلام السياسي فقط من زاوية معارضتها للنظام وليس من زاوية موقعها في مسلسل الصراع الطبقي ككل. فالتيارات الدينية الرجعية رغم كونها تعارض النظام، فهي تقف على مستوى الصراع الطبقي إلى جانب البرجوازية وليس إلى جانب الطبقات الشعبية. ولا بد من التذكير بان كل هذه الجماعات قد تشكلت، ليس فقط من خارج الحركة العمالية وحركة التحرر الوطني، بل في تعارض معها، وهو ما يجعلها،بسبب أصلها الطبقي وليس العقائدي، في موقع المعارض والمعادي لمشروع التحرر الديمقراطي والاجتماعي.
إن غياب تحليل طبقي لطبيعة التيارات السلفية وتأسيس المواقف السياسية من هذه التيارات على قاعدة تناقضاتها الرئيسية أو الثانوية مع النظام،وليس على قاعدة تناقضها الأساسي مع الطبقات الشعبية، يقود عمليا إلى دمج هذه القوى الطبقية المعادية لمشروع التحرر الديمقراطي والاجتماعي في أدوات وحركة النضال ومن بنيها جبهة الطبقات الشعبية.
ليس المشروع الاجتماعي الرجعي للجماعات السلفية هو فقط ما يجب الصراع ضده، بل أيضا الوجود السياسي لهذه الجماعات داخل التنظيمات الشعبية. وطبعا لا يعني هذا حمل السلاح لاستئصال هذه القوى، بقدر ما يعني تسليح الحركة الجماهيرية بسلاحها الطبقي ( الوعي الطبقي، التنظيم الذاتي المستقل والبرنامج السياسي) وتحضيرها للدفاع عن منظماتها وأدواتها، بما في ذلك بناء أدوات الدفاع الذاتي، حال انقلاب الجماعات السلفية ضد المنظمات الاجتماعية والديمقراطية. ويجب التذكير بان التيار الرجعي الذي تمثله جماعة العدل والإحسان، قد عمل منذ بداية تشكله على اختراق الحركة الجماهيرية وتدمير وتخريب أدوات نضال الجماهير وتزييف وعيها السياسي. فهل يشكل هذا مجرد تناقض ثانوي يمكن حله بشكل ديمقراطي أو عن طريق الحوار..؟
إن عدو عدوي ليس دائما صديقي، كما يتوهم الرفاق في تيار النهج. فأعداء النظام ليسوا بالضرورة أصدقاء الشعب بل قد يكونون أكثر شراسة في ممارسة عدوانهم على الشعب من النظام نفسه.
إن النظر إلى حزب سياسي من زاوية قاعدته الاجتماعية أو تموقعه الظرفي في الخريطة السياسية، غير كافي و لا يسمح ببناء تكتيك سياسي يأخذ بعين الاعتبار مختلف حلقات مسلسل الصراع الطبقي. فقد عرف التاريخ تشكل عدة أحزاب على قاعدة اجتماعية شعبية ومواقف سياسية معارضة، لكن بقيادة برجوازية ومشروع سياسي رجعي. وقد أكدت معظم هذه التجارب، خاصة أكثرها دموية ومأساوية، أن الحاسم في بناء تكتيك سياسي إزاء قوى سياسية من هذا النوع ليس هو قاعدتها الاجتماعية أو تموضعها السياسي الظرفي، بل الحاسم هو علاقتها السياسية والعملية بمجموع الطبقات المتصارعة، وأساسا علاقتها بالطبقة السائدة ومؤسسات الدولة من جهة، وعلاقتها بالطبقات الشعبية ومطالبها ونضالاتها وحركاتها من جهة أخرى. لان العلاقة مع النظام قد تكون ظرفية وجزئية، أما العلاقات الطبقية فهي علاقات دائمة وشاملة. وبتطبيق هذا المعيار الطبقي والتاريخي على الجماعات السلفية، سنجد أن معارضتها للامبريالية والطبقات الحاكمة معارضة ظرفية وجزئية، أما معارضتها للحركة العمالية والديمقراطية فهي معارضة دائمة وشاملة.
وإذا كانت الشروط السياسية الحالية ( مستوى المواجهة مع الطبقات السائدة وغياب الطبقة العاملة كحركة اجتماعية مستقلة وضعف تنظيم القطاعات الشعبية) تسمح للجماعات السلفية بهامش كبير للمناورة السياسية، فانه مع تغير هذه الشروط ستزيل هذه الجماعات "قناعها" الظرفي لتكشف عن وجهها الطبقي السافر. فهي لا تمثل عائقا كبيرا أمام بروز حركة عمالية وديمقراطية فحسب، بل هي مؤهلة لتكون الحصان الأخير الذي ستركبه الطبقات السائدة والامبريالية في الحرب الطبقية الدائمة ضد الحركة العمالية والشعبية.