رأي في تشتت اليسار العربي

نبيل تومي
2011 / 12 / 5


هذه المقالة هي بعض من الرأي الشخصي كمشاركة لي في واحداً من اسئلة الملف المطروحة بمناسبة الذكرى العاشرة لولادة الحوار المتمدن موقعـنـا المتميز بشـأن معاناة القوى اليسارية في معظم الدول عربية من التشتت ....... وأنـا اقول


في مـا يتعلق بتشتت قوى اليسار والديمقراطية العربية كان ولا يزال هذا واقع يومي معاش ، وأنـها معانات عميقة في قلـب جماهير شعب العربي ، التي أنتظرت وأنتظرت الأمل المرتجى والمرحـّل ولم يغدو ذلك منال رغم أن الشعوب العربية قاطبة تواقة إلى العمل والنهج الديمقراطي الحقيقي وإلى المساواة والعدالة الأجتماعية كان من المحال الألتفاف إلى قوى اليسار والديمقراطية في خضم عمليات الأقصاء والتغيب التي مورست ضدها من قبل الأنظمة العربية قاطبة والتي بشكل وبآخر كانت أنظمة شمولية قمعية دكتاتورية ، لا تمتلك أية رؤية أو أيدلوجية للأمتثال إلى أرادات الشعوب ، بل بالعكس من ذلك كـانت السلطات والأنظمة الحاكمة تعمل بكل الجهود من أجل سيطرة الحاكم رئيس جمهورية كان أم ملك أو شيخ والأفصاح المتعمد والغير قابل للنقاش بحـكم العائلة وأبنـاء الحاكمين عامة والأدلة والأمثلة كثيرة وواضحة للعيان .



ومن الناحية الثانية كان لمبدأ الأمعان في إفقار الشعوب وتجويعـها أفرازات كثيرة في توجهات التعساء والبؤساء من القوم إلى القوة اللأمرئية والغيبيات والتقرب في المطالبة والتوسل والتضرع من أجل مساعدتـهم في أعانتهم على الحياة التعيسة وأمـا حقوقهم المهضومة تترك بسبب الخوف من بطش النظام ،كانو يتوجهوا إلى تلك القوى التي ليس في يدها مفاتيح السعادة أو تغير حال الفقراء نـاهيك إلى توجه قيادات الدينية إلى أستغلال الحالة بتقوية وجودها وتوسيع مساحة سلطتـهـا حتى السيطرة على الشريحة الكبيرة من طبقات المجتمـعات العربية المستـغَلة والمضطهدة فكريـاً وسياسيـاً وأقتصاديـاً . وكانت النتيجة التوجهات الغير مسبوقة إلى الأحزاب الدينية .



ومن الجانب الشخصي لقوى اليسار والديمقراطية العربية كان التمسك وعدم تجاوزهـا الفواصل والحدود التي رسمـتها لنفسـهـا على أنـها أحكام ثابته لا تتغير وعي المعتقدة بأنـهـا هي قائدة المجتمع وبعتبارهـا الطبقة المثقفة التي عليـهـا الأعتماد في التطور والتغير القادمين لحين أن انعزلت وأبتعدت عن الجماهير وعن حاجات الشعب الحقيقية وفي الأخير تغلبت الحالة النرجسية والشعور الفوقي لديـهـم على افعالـهم وبهذا أبتعدت عنـهم الجمـاهير حتى أنهم أظحوا غير مبالين إلى مـا يحاول اليسار فعلـه ولا حتى الديمقراطيين منهم كان على القوى اليسارية والديمقراطية والشيوعيين بالذات ( لأنهم أصحاب خبرة وتاريخ طويل في النضال العلني وفي الغالب سري ) تقديم برامج وأفكار ليبرالية جديدة وحديثة حداثة التكنلوجيـا والعولمة حداثة الفكر الشبابي التواق والباحث عن الحرية والعدالة الأجتماعية والعمل وليس الافكار والسياسة التي لم تجلب لأأبائهم سوى الويل والثبور ، فكيف لـنـا أن نطمئنهم ونكسبهم إلى جانـبـنا ، برامج وأفكار تنـاسب التغيرات والثورات والشارع النابض بالمخلصين من الشباب ، أنهُ و حتـمـاً وبكل جرئة وقاحة أستثمرالحالة تلك الأحزاب الدينية والملالي وأصحاب اللحلى الطويلة والفساتين القصيرة وغيرهم ، أستغلال جيد وبمنتهى الذكاء ، فهذه كانت فرصتهم !!! ولـكن أين نحن من كل ذالك .



ومن جملة مـا وقع به المثقف اليساري والمؤمن نظريـاً بالديمقراطية هو الأختلافات في تفسير الفكر الديمقراطي والتمسك بقوة وأصرار كل فئة أو مجموعة صغيرة كانت أم كبيرة وبعض الاحيان أشخاص متمسكين فقط بأرأئهم وبنهجـهم ولا تنازل أو حتى تنسيق بل هنالك مقاطعة وتقاطع .. ولا اكتراث لمـا يجري من حولـهـم من تحولات وتغيرات في اطر السياسية والثورية لغاية أن يصبحوا بعيدين عن متناول الجمـاهير . وهذا عبث سياسي بحد ذاته . ونستطيع القول بأنهُ من الممكن هناك نسبة مئوية صغيرة برأي لا تتجاوز عشرة إلى خمسة عشر بالمائة هي التي تؤمن بعدم جدوى النضال والأفكار اليسارية وغيرهـا خاصة بعد سقوط وخفوت الأضواء البراقة للأنظمة الاشتراكية والأتحاد السوفياتي السابق ، سيـمـا بعد الكشف عن حقيقة المساوئ التي مارستـهـا السلطات الحاكمة والتي كانت في وادِ والشعب كله في وادِ آخر .... وبتالي التراجعات التي لاحقت الأيمـان بالفكر اليقين الذي كـانت الشعوب الفقيرة تنتظره من قوى اليسار وبالأخص الأحزاب الشيوعية وأحلام الفقراء بالعدالة والخبز والأرض .

عنـدما أوقدت أولى شرارات الثورات العربية على يد بوعزيز وتفجرت براكين الرغبة في التغير وأسقطت الشعوب العربية رداء الخوف من على اكتافـهـا ونزلت إلى الساحات والشوارع مطالبة بالتغير والاقتصاص من مصاصي دمـاءها ...... لـم تتـقـدم قوى اليسار والديمقراطية بوضع برامج سريعة نـافعة ومخلصة ومنقذه تخص الثورة وهذه المرحلة ولم تنزل إلى الشارع سوى بخجل باين على محياهـا في حين كانت الجماهير الغاضبة التواقة إلى قيادتـهـا ترغب في تكسير كل القيود فقط كانت تبحث عن من يقود قطار الزحف رغم خروج الثوار تلقائيـاً وعدم وجود لجنة أو حزب أو قادة لا من اليسار ولا من اليمين ! الجميع موجود ولكن لا أحد يعـلن عن وجودة كان الجميع قـد خرج إلى الشارع من شدة الحماسة وحبـاً من الأعماق بأنتصار ودعم الثورة الرامية للتغير .

حالـمين بتحقيق الديمقراطية الحقيقية والمساواة والعدالة الأجتماعية التي حرموا منـهـا منذ ولادتهم حتى مماتـهـم ... أولـم يـكن جديراً بجميع فصائل اليسار والديمقراطية المتبعثرة والمختلفة و المنتشرة في كل مكان ولا يوحدهـا برنامج حد أدنى واحـد على الأقل ( الديمقراطية هي الحل ) هذا شعار بحـد ذاته كان يكفي لتوحيد جميع جهود فصائل وأحزاب الليبرالية واليسارية بكل أشكالـهـا على الاقل لمرحلة مؤقتة ولكن هيهات ، فعزوف كل حزب واصراره بأنه الوحيد الصــّح والجميع الآخر على خطأ زاد البلاء على بلائنـا وأبتليت الشعوب بحكام أمثال حكـام العراق والقادم في الدول العربية هو ادهى وأكبر والدليل تبوء الأسلام السياسي والتيارات الدينية والسلفية على مقاليـد الحكم والأمور بعد نجاح الثورات وأني اسمـيهـا ( ثورات الأنتكاسات الجديدة ) .



وأود أن أقول شيئ عن التجربة العراقية بـمـا أني ذكرت العراق على شكل مثال أعلاه ....



1- إن زمن المنحرفين الذين تسلطوا على رقاب الشعب العراقي لأكثر من ثلاثة عقود أدى إلى الكثير من النتائج المرعبة والأنتكاسات المستمرة .... العصابة البعثية مسخت كرامة الشعب العراقي بقوة الحديد والنار ... ثم بالترغيب وشراء الظمائر والذمم وأنتهاك الأعراض والتسقيط السياسي بطرق سوقية و همجية غير مسبوقة وملاحقة الأغلبية الشيعية الرافضة للنظام وبالأخص بعد أحداث 1991 بعد تحرير الكويت وسقوط أغلب محافظات بيد الثوار العراقيين .



2- فقدان دولة المؤسسات والقانون والتي جرد العراق من جميع أشكال الدولة العصرية الحضارية وبدأت مرحلة تـأليه الفرد وأدخال الرعب والخوف إلى قلوب الجميع بضمنهم أقرب المقربين إلى رأس السلطة ... ثم العنجهية التي مورست في السياسة الخارجية وإدخال البلاد في حروب مدمرة لا ناقلة للشعب لة بـها ولا جمل . وكانت النتأئج هي الطامة الكبرى بدخول القوات الأجنبية العراق وأحتلاله من قبل الأمريكان ، فمذا يسمى الحاكم الذي ساق البلـد إلى هذا المصير ... اقل مـا يقال بأنه غبي !



3- الغياب الطويل للمثقف العراقي واليساري والشيوعي بالذات عن الساحة بسب حملات الملاحقة و الغدر والقتل والتنكيل ... وبذلك افرغ الشعب العراقي من طبقة مهمة ملهمة واعدة وهي التي تملك الروح المنتجة للفكر والأدب والفنون والثقافة بشكل عام ... بهذا اظمـحلت روح الأبداع والأبتكار إلا مـا كان يخدم ويرفع ويقدس أسم الواحد الاحد الحاكم المستبد والدكتاتور المجنون والمهوس بحب الذات .



4- ظهور الأحزاب الدينية كقوى الأسلام السياسي الجديد وإنضواء أغلب الشيعة إليـها كنتيجة للكبت والحرمـان وانواع التعذيب ووصلت إلى السلطة أحزاب قليلة الخبرة جديدة في قيادة البلاد وتمتلك هـّم واحد كبير هو الحفاظ على الرغبة الجامحة في السيطرة وعدم قبول الآخر .



كانت بدايات الثورة الايرانية مشجعة لقوى اليسار والديمقراطية في المنطقة ولدى الشعب الايران بشكل خاص فالخلاص من النظام البهلوي كان مراد الشعب ولكن لعدم أستباق هذه القوى الظروف الموضعية والذاتية للواقع الأيراني وعدم النزول ببرامج أنية وحلول مستعجلة والتخبط في قيادة الشباب والجماهير ... أفلت زمام الأمر من يدهم وأستلبـت مخالب الملالي والمعممين الثورة وأنحرفت بـهـا صوب الوجه الدينية وتم الألتفاف على أهداف الثورة . وهذا الحاصل الأن في ما يسمى ثورات الربيع العربي ....... خوفـي كل الخوف من أن فرحتـنـا بالثورات قصيرة لا بل أنـها ثورات مقتولة في المهد بعد الولادة مباشرة !!! أتمنى أن أكون مخطئ ولكن أحساسي بالواقع الأن يقول بأنه هذه هي الفترة الأكثر والأشد ظلامية بعـد أن يستولي الظلاميين والمتخلفيين والطائفيين والمختليين عقليـاً والكارهين للحياة والسعادة والمرأة على السلطة في أغلب البلدان الثائرة والتي وضعت اللبنة الأولى فيهـا جماهير الشعب الوطنية الراغبة في الديمقراطية والعدالة ، ولـكن جاء الآخرين ليقطفوا الثمرة على صحن من شهداء الديمقراطية والحرية والعدالة الأجتماعية .... كـما يحدث في مصر وليـبيـا وتونس وغيرهـا قادم .... فأين نحن اليساريين والديمقراطين من كل هذا ياترى ؟؟؟



الشيئ الوحـيد أمـام قوى اليسار والديمقراطية العربية أن تـجد لـنفسـهـا خطابـاً جديداً ، ثـم عليـها تـوحيد العمل والنـهج كل حسب موضعهُ وموقعهُ وأن تبتـكـر أساليب حديثة لسحب البساط من قوى الظلام وخفافيش الليل الذين يصرخون بالتقوى جهاراً ويسرقون لقمة الجياع . برامج واقعية من قلب الحدث من واقع المؤلم للشعوب وأسقاطات الانظمة التي تسمرت على كراسيهـا وتحجرت في افكارهـا وتمادت في غيـهـا وأفعالـها المخزية .



عليـنا أيجاد وأكتشاف خطابـاً يـعيد الثقة أليـنـا نحن اليساريين والديمقراطيين والشيوعيين ويقبل بـنـا الشعب من جديـد عليـنـا النزول أليـهـم ونتحدث بلغتـهم وليس بلغتـنا ، عليـنـا واجب كشف حقيقة النوايـا وسطحية الخطاب الديـني السياسي الكاذب المتكالب واللاهث وراء السلطة بحجة أقامة سلطة الدين والشرع وهم في الحقيقة يرغبون في الاستحواذ على السلطة الدينية والدنيوية كالذين يبحثون للفوز بجنة السماء والأرض .... عليـنـا المواجهة بكل صدق وعدم الخوف من القادم والنتائج والمضي في النضال سوية من أجل التغير الحقيقي لمـا آلـت ألية الحالة العراقية المزرية .... عليـنـا الكـف عن المهادنـة والمجـاراة ودغدغة المشاعر ومحاولة تصويب الاخطاء هذا مـا كـنـا نفعلـه في الماضي إلى أن شربـنـا كـأس الزئوم . علـيـنـا المصارحة والمكاشفة والأعتذار عن الاخطاء بهذه البذور فقط نستطيع زرع من أجل أن يكون الحصاد مثمراً وهكذا تعودة ثقة الناس كل النـاس إلـيـنـا .



بـو عـزيـز لـم يـمت من اجل الـدّين ، بـل مـات من الجـوع وفقدان الانسانية !!!!!