تقنيات أسلوبية في قصيدة (بيان الطفل الفلسطيني الثائر ) للشاعر جمال حبش

عمر عتيق
2011 / 11 / 27

تقنيات أسلوبية في قصيدة (بيان الطفل الفلسطيني الثائر ) للشاعر جمال حبش
من ديوان صليل القوافي


ترصد الدراسة محورين متكاملين ، وهما الإيقاع والتصوير ، وعاين المحور الأول المستوى الإيقاعي للقصيدة في المسارين الخارجي والداخلي . وتأمل المحور الثاني المستوى الفني وبخاصة البناء الاستعاري وتقنية التناص . ولا يخفى أن الدراسة الأسلوبية لا تخلو من طقوس الاختيار على الرغم أن الأسلوبية منهج يتحرك في محيط من الضوابط والمعايير ، وطقوس الاختيار هي التي قادتني إلى الاكتفاء بالمحورين اللذين أشرت إليهما .


المستوى الإيقاعي
للقصيدة العمودية مساران إيقاعيان ، خارجي يتمثل بالوزن والقافية ، وداخلي يشمل حزمة من التموجات الإيقاعية التي تسهم في رفد الإيقاع الخارجي المعياري .
أولا : الإيقاع الخارجي
1- الوزن : جاءت القصيدة على البحر الكامل ( متفاعلن ) ، وعلى الرغم من أن الكامل وزن مفرد يتكون من تكرار تفعيلة واحدة إلا أنه لا يقل إيقاعا عن البحور المركبة التي تتكون من تتابع تفعيلتين كالطويل الذي يأتي في المرتبة الأولى، إذ يشغل ثلث المساحة الإيقاعية للشعر العربي ،والبسيط والكامل يشغلان المرتبة الثانية في موسيقى الشعر العربي . وتعود القيمة الإيقاعية للكامل لكثرة الحركات فيه ، ولعل هذا الكم العددي للحركات هو الذي سوغ لبعض العروضيين أن يسميه كاملا . وهو الوزن الوحيد الذي يتوافر فيه ثلاثون حركة ،وكلما زاد عدد الحركات زادت درجة الإيقاع ، وكلما زاد عدد السواكن ضعف الإيقاع .
واللافت أن الشاعر قصر اختياراته الإيقاعية على نغمتين وهما ( متفاعلن ب ب – ب - و ومتْفاعلن - - ب - ) على الرغم أن وزن الكامل يتيح للشاعر تنويعا أكثر مما ورد في القصيدة ، ولعل السبب في اكتفاء الشاعر بنغمتين دون غيرهما يعود إلى تماثل الدفقات الشعورية وتتابعها في أبيات القصيدة انطلاقا من أن الإيقاع وليد المعنى والعاطفة ، ولو حوت القصيدة تموجات وجدانية وتفاوتا في البنية النفسية لسمعنا نغمات موسيقية أخرى . ولا يخفى أن شيوع نغمة متْفاعلن( - - ب - ) التي تنبثق عن النغمة الرئيسة ( متفاعلن ب ب – ب - ) يضفي على القصيدة تنوعا إيقاعيا مائزا ؛ لأن هذا الاختيار الإيقاعي يحول السبب الثقيل إلى سبب خفيف

2 – القافية : أبرز ملامح صوت الراء الساكنة(الروي ) هو التكرار، كذلك هو صوت مجهور يتذبذب الوتران الصوتيان في إنتاجه، وهو من الأصوات المائعة الرنانة التي تتسم بوضوح سمعي أكثر من نظائره من الصوامت الأخرى ؛لأنه ينتمي إلى مجموعة أشباه الحركات وهي الراء واللام والميم والنون. وقبل الشروع في رصد التشكيلات الإيقاعية للقافية ينبغي أن أنوه إلى خروج بعض ألفاظ القافية عن النسق الإيقاعي الذي ارتضاه العروضيون ، فقد أصاب النسق الإيقاعي في غير بيت من القصيدة ما يسميه العروضيون سناد التوجيه وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد ، ومن اليسير أن يشعر المتلقي باختلاف النسق الإيقاعي لألفاظ القافية حينما يسمع اختلافا في حركة ما قبل الروي المقيد ، نحو ( أثَرْ ، كثُرْ، منتثِرْ ) على سبيل المثال .
واستئناسا بتعريف الخليل بن أحمد للقافية بأنها آخر حرف من البيت إلى أول ساكن مع الحرف الذي يسبق الساكن ، فإن إيقاع القافية لا يقتصر على صوت الروي وحده بل يمتد على المساحة الإيقاعية التي حددها الخليل ويمكن رصد التشكيلات الإيقاعية للقصيدة على النحو الآتي :
1 – الإيقاع المماثل لصوت الروي : وهو تردد صوت الراء مجاورا للروي ، نحو قوله : ( الدرر، الشرر ، المجترر ) ، ولا يخفى أن تكرار صوت الروي يضاعف درجة إيقاع القافية ، ويحولها من مستوى إيقاعي إفرادي إلى مستوى إيقاعي مزدوج .
2 - الإيقاع المتقطع : وهو تردد صوت ما مجاورا لصوت الروي في كلمة القافية في عدد من الأبيات ، نحو تردد صوت الفاء في ألفاظ ( خفر ، غفر ، تفتخر ، الحفر ، كفر ، الحفر ) ، ويحقق هذا التردد ثنائية إيقاعية تتوزع على نغمة الهمس ( الفاء ) ، ونغمة الجهر ( الراء ) ، وبهذا يصبح الإيقاع أكثر تنوعا مما يضفي على إيقاع القافية تموجات إيقاعية . ولا يقتصر الإيقاع المتقطع على تردد صوت مفرد نحو ما أشرنا إليه ، بل يمتد ليشمل مجموعات صوتية متجانسة في ملامحها الصوتية ، نحو تردد مجموعة الأصوات الصفيرية المجاورة للروي في تسعة أبيات من القصيدة نحو الصاد والسين والشين في ( ننتصر ، سينكسر ، للبشر ، منتصر ، المحتشر ، الأشر ، بشر ، تعتصر ) ، ويمنح هذا التردد مساحة القافية إيقاعا جديدا مساندا لإيقاع الروي الرئيس ، إذ يتوزع الإيقاع بين الصفيري والمجهور التكراري ، وكذلك تردد الأصوات المفخمة في ثلاثة عشر بيتا ، نحو : ( ننتصر ، الحضر ، الخطر ، المنتظر ، منتصر ، المصطبر ، يختطر ، تحتضر ، منتظر ، الحضر ، مضر ، حضر ، تعتصر )
3- الإيقاع الصرفي : وهو تردد وزن صرفي يوفر قدراً كبيراً من التماثل الإيقاعي؛ فالقوافي التي جاءت على وزن (مفتعِل - بكسر العين أو فتحها ) تشكل ثلث أبيات القصيدة نحو: ( المنتظر ، مدخر ، منتثر ، منهمر ، منتصر ، منفجر ، المصطبر ، مستتر ، المنهمر ، مستعر ، المحتشر ، مزدهر منتظر ، المعتبر ، المجترر ، للمؤتمر ، مدخر ، المستقر ) وتتكرر فيها وحدتان صوتيتان، وهما الميم والتاء، كما توفر ضابطاً إيقاعياً للحركات التي يقتضيها الوزن الاشتقاقي، فتتابع الضمة والسكون والفتحة والكسرة لا يتردد بانتظام إلا في القوافي التي يجمعها وزن صرفي واحد. وكذلك الأمر في كلمات القافية التي وردت على أوزان ( تفتعل ) نحو : تفتخر، تحتضر، تعتصر ... الخ . وكلما تردد وزن صرفي في حزمة من الأبيات اكتسبت مساحة القافية وحدات إيقاعية جديدة .
4- الإيقاع التكراري : وهو تكرار لفظ القافية في عدد من الأبيات ، نحو تكرار المنتظر ( بفتح الظاء وكسرها ) ، ولا يخفى أن تكرار لفظ بعينه أو تكرار مادة لغوية بصيغ اشتقاقية مختلفة في كلمات القافية يقتضيه أمران ؛ الأول : وجداني يتمثل في كثافة إحساس الشاعر بدلالة اللفظ المكرر ، ورغبته في تثبيت وتوكيد دلالة اللفظ المكرر . والثاني : سياقي دلالي تقتضيه البنية الدلالية للبيت .

5- إيقاع أصوات الطبيعة : وهو صوت من أصوات الطبيعة، يدل عليه لفظ القافية ، نحو تردد ألفاظ ( زأر ،سينكسر ، منهمر ، منفجر ) ، فالزئير والانكسار والانهمار والانفجار أصوات طبيعية تؤدي وظيفتين في مساحة القافية ؛ الأولى : إيقاعية إذ يندغم صوت الطبيعة مع صوت الروي ، فيصبح الإيقاع طبيعيا ولفظيا ، أو لنقل يصبح خارجيا مستمدا من وقع سمعي لصوت الطبيعة نستحضره أثناء تلقي القصيدة ، وداخليا ناجما عن صوت الروي .
ثانيا : الإيقاع الداخلي :
1- إيقاع الأصوات المفردة : وهو تردد صوت ما في بيت واحد أو في عدد من الأبيات ، وينجم عن هذا التردد تشكيلات إيقاعية داخلية ، ويمكن أن نرصد عددا منها على النحو الآتي :
1-الإيقاع الصفيري الذي تجسد في قوله :
هبوا لصد الغاشمين عن الحمى صهيون في حصن القداسة قد ظهر
سحقا لكل المدبرين عن اللقا اليوم مسجدكم لعزته زأر
إما يهب المؤمنون لنصرتي إني سأهوي والصليب سينكسر
فقد ترددت الأصوات الصفيرية ( الصاد والشين والسين والزاي ) أربع عشرة مرة في حنايا الأبيات ، ولا يخفى أن هذا المستوى العددي يوفر إيقاعا صفيريا مائزا على المستويين الأفقي والرأسي للقصيدة ، كما أن الإيقاع الصفيري لا ينفصل عن الحالة النفسية للشاعر ، إذ إن أصوت الصفير تنسجم مع الشعور بالتوتر والترقب ، ويكشف عن شحنات نفسية ذات وتيرة متصاعدة ، فالبناء الصوتي الإيقاعي ينبع من البناء النفسي ، وينصهران معا فيغدو الفصل بينهما أمرا عبثيا ومخالفا لأصول تلقي التجربة الشعرية . ولعل ملامسة الدلالة المركزية للأبيات المتقدمة تثبت العلاقة التكاملية بين الإيقاع والمعنى ، فالشاعر يستنجد ويستصرخ ويحرض ويحث ويتوعد ... وكلها دلالات تشكل بنية نفسية متجانسة اقتضت تشكيلا صوتيا محددا .
2-الإيقاع التكراري : لو تأملنا قوله :
القدس قد صرخت فماذا ننتظر قم يا أخي إني أرانا ننتصر
قم يا أخي وانهض وكبر آية الله أكبر صرخة لا تندحر
قم يا أخي فالقدس قد صرخت بنا صرخات طهر تستغيث بلا حفر
لتبين لنا أن صوت الراء تردد في معظم مفردات الأبيات السابقة ، ومن المعلوم أن الراء صوت تكراري ، وملمح التكرار فيه يتناغم مع تكرار حزمة الدلالات التي حوتها الأبيات ، فالشاعر يكرر دلالة الحث والتحريض ( قم يا أخي ) ويكرر دلالة الصراخ ، كما أن تردد النغمة التكرارية للراء في المستويين الأفقي والرأسي للأبيات يسهم في إبراز الإيقاع الرئيس للقصيدة وهو روي الراء ، فلم يعد صوت الروي محصورا في كلمة القافية بل امتد إيقاعه على المساحة السياقية للأبيات . من المفيد أن نشير إلى أن اللغويين رصدوا في الدرس الصوتي الحديث أبرز الملامح الدلالية للأصوات المفردة بعد أن استقصاء المواد اللغوية للمعاجم فوجدوا أن صوت الراء يغلب وروده في الكلمات التي تدل على الحركة والاضطراب والغضب والشدة ، وهي دلالات توافرت في معاني النهوض والصراخ والتكبير والاندحار والاستغاثة التي حوتها الأبيات السابقة .
واستئناسا بما تقدم بيانه من علاقة الأصوات المفردة بالمعنى السياقي يمكن رصد مزيد من التشكيلات الإيقاعية لتردد أصوات محددة نحو الإيقاع الاحتكاكي والمجهور والمفخم ومحاولة ربط التشكيل الإيقاعي بالتشكيل الدلالي .
2 -إيقاع الشطر الأول
تشكل نهاية الشطر الأول في القصيدة العمودية محل وقف واستراحة يقل زمنها عن الوقف والاستراحة في نهاية البيت ، وتكاد تقترب القيمة الإيقاعية لنهاية الشطر الأول من القيمة الإيقاعية لنهاية الشطر الثاني ، أي : الروي . وعليه فإن توافر تماثل إيقاعي في نهاية الشطر الأول يشكل رافدا إيقاعيا داخليا ، ولو تأملنا نهاية الأشطر الأولى الآتية :
هبوا لصد الغاشمين عن الحمى
سحقا لكل المدبرين عن اللقا
والكعبة الأولى يحاصرها العدا
ها هم ( بني ) صهيون مقصدهم بدا
( طوبى ) وغفرانا لمن لبى الندا
لبيك يا رمز العقائد والمنى
.......... وكذلك انتهت أشطر أخرى بكلمات ( الحمى ، الدما ، العلى ، الفدى ، يُرى ، أرى ، كفى ، الردى ، اللقا ، جرى ، الصدا ، المنى ) لتبين لنا أن ثلث أبيات القصيدة تنتهي أشطرها الأولى بصوت الألف المقصورة أو الممدودة ، ولا فرق في الوقع السمعي بين المقصورة والممدودة ، وهذا يعني أن للقصيدة قافية داخلية تسهم في إبراز الإيقاع الداخلي. ولعل استقلال معظم الأشطر التي أشرنا إليها من الناحية الدلالية ، واستغناء المعنى الجزئي لها عن المعنى الكلي لسياق البيت يعزز من القيمة الإيقاعية لصوت الألف في نهاية الأشطر ، انطلاقا من أن إيقاع الألف يشكل نهاية لمعنى جزئي .
3-الإيقاع التركيبي : وهو تكرار جملة أو أكثر في أبيات متتابعة ، ويأتي هذا النوع رأسيا وأفقيا ورأسيا وأفقيا معا ، أما الرأسي فيمثله قوله : (ألقي به صوب الطغاة وأتقي ) الذي تكرر في سبعة أبيات متتابعة ، وشغل مساحة الشطر الأول من الأبيات السبعة . وإذا علمنا أن الضمير في شبه الجملة ( به ) يعود إلى لفظ ( سلاحي ) في بيت سابق أدركنا حاجة الشاعر إلى تكرار التركيب الذي يحوي الضمير العائد على السلاح ، وهي حاجة وجدانية فكرية تشغل ذهن الشاعر وتلح عليه ولا يملك الانفصال عنها حتى يفرّغ الشحنات النفسية التي اقتضت التكرار . ولا يخفى أن التكرار ليس حلية لفظية بل هو قرين المعنى ، وكل تكرار لا يخدم المعنى المركزي المشبع بالأبعاد النفسية هو تكرار لا قيمة له . كما تكرار التراكيب ينطوي على بعد إيقاعي بارز ، إذ إن تكرار وحدات لفظية كبرى في عدد من الأبيات المتتابعة يحقق تماثلا لفظيا ينجم عنه وحدات إيقاعية متماثلة .
أما التكرار الأفقي فهو تكرار جملة أو أكثر في سياق البيت الواحد ، نحو قوله :
إني أناشدكم ولكني أرى عذرا لكم أني أناشد من كفرْ
فالوحدات الصوتية للفعل ( أناشد ) تشكل إيقاعا مكررا ، كما أنها تنطوي على بعد دلالي نفسي يكشف عن شعور الخيبة والألم من انكسار شوكة العرب والمسلمين في الدفاع عن حمى الوطن والمقدسات .
وأما التكرار الذي تتداخل فيه الوحدات الصوتية رأسيا وأفقيا ، فيمثله قول الشاعر :
القدس قد صرخت فماذا تنتظر قم يا أخي إني أرني ننتصر
قم يا أخي وانهض وكبّرْ آية الله أكبر صرخة لا تندحر
قم يا أخي فالقدس قد صرخت بنا صرخات طهر تستغيث بلا خفر
فقد تردد أسلوبا الأمر ( قم ) والنداء ( يا أخي ) أفقيا ورأسيا مما وفر للأبيات المتتابعة شبكة من العلاقات الإيقاعية والدلالية ، فالألفاظ المكررة تعد رابطا إيقاعيا داخليا يتجاوز الرابط الإيقاعي المعياري وهو الروي . كما يصور هذا الرابط الإيقاعي أبعادا وجدانية نهض بها أسلوبا الأمر والنداء اللذين أفادا الالتماس والحث والتحبب . ويجسد دال لفظ الصراخ الذي تكرر أربع مرات في الأبيات المشار إليها انسجاما بين إيقاع صوت الصراخ ذي التوتر الصوتي العالي والبنية النفسية التي لا تقل توترا وانفعالا .


المستوى الفني

لا تخلو القصيدة من البناء الاستعاري التشخيصي الذي يعيد صياغة عناصر الوجود ، ويلغي ثنائية المادة والروح ، ويهب الحياة لمن لا حياة له ، وهو بناء استعاري يقوم على الأنسنة ، نحو قوله : ( القدس قد صرخت ) ، و( مسجدكم لعزته زأر ) و ( الصخرة العظمى تئن رمالها ) .... الخ ، وهذه الأبنية الاستعارية ليست وشاحا فنيا جماليا فحسب ، بل هي صدى وجداني يصور حالة نفسية تأسر وجدان الشاعر ، وبخاصة أن الصور الاستعارية ذات وقع صوتي يتناسب مع الصخب الوجداني الداخلي ؛ فالقدس سيدة تصرخ ، والمسجد يزأر ، وقبة الصخرة تئن ... وما الصراخ والزئير والأنين إلا أصوات تمور في وجدان الشاعر ... ذلك الوجدان الذي يمتزج فيه ملح الحزن ورحيق الأمل وبريق الحلم .
وإذا كانت الصورة الصوتية قد أسهمت في رصد البنية النفسية للشاعر فإن الصورة اللونية لا تقل تأثيرا وإثارة في رفد السياق الدلالي والبعد النفسي ، ففي قوله :

خطوا حدود الأرض من نزف الدما هذا مداد النصر جرح أو قدر
فتجللت أرض الرباط توهجا قنديلها قاني الدما من جرح غِرْ
وغدا نزيف الصاعدين إلى العلى طهرا زكيا في الروابي منتثر
تتجلى الصورة اللونية الحمراء التي تختزل قدسية دماء الشهداء ، إذ يتجاوز اللون الأحمر دلالته المرتبطة بالدم إلى عناقيد دلالية مجازية تحوي أبعادا فكرية وعقائدية ، فقد أضحى الدم حدودا لجغرافيا الوطن في قوله : (خطوا حدود الأرض من نزف الدما) ، وبهذا التحديد يصبح الاقتراب من حمى الوطن محرما كحرمة دماء الشهداء. وما دامت خريطة الوطن محددة بهذه القداسة اللونية فإن النصر مكتوب بلون الدم ، ولعل ارتباط النصر بالدم من خلال التركيب التصويري ( هذا مداد النصر ) يكشف عن رؤية فكرية في حنايا القصيدة . وتتوالى الأبعاد الجمالية للصورة اللونية معتمدة على بناء تكاملي ، فبعد أن حققت دماء الشهداء النصر تحتفي الأرض بذلك النصر وتبدو عروسا مجللة متوهجة بقناديل حمراء، وتٌخرج روابي الأرض زينتها أزهارا طاهرة زكية رمزا لدماء الشهداء .
وتضيء حنايا القصيدة أيقوناتُ تناصٍ تشكل خلايا دلالية وعناقيد دلالية ، ويتوزع التناص في غير موضع من القصيدة على تناص ديني وتاريخي وسياسي ، وكل شكل منها يوفر صورة ذهنية ترسم هالة قداسة تارة ، أو ترسم ظلال غضب وتوتر تارة أخرى . أما التناص الديني فيتجلى في قوله : ( والكعبة الأولى يحاصرها العدا - والصخرة العظمى تئن رمالها ) ، وهو تناص يحيل المتلقي إلى آية الإسراء والمعراج ، ويشكل منبها دينيا ومثيرا عقائديا إلى واجب المسلمين جميعا تجاه
القدس ، فهي القبلة الأولى ومعراج محمد عليه السلام ، ولا يخفي أن هذه الدلالات التي يحويها التناص الديني توسّع من دائرة المتلقين للقصيدة .
وفي القصيدة تناص ديني مذهبي ، عمد إليه الشاعر ليسخر ممن نصبوا أنفسهم أوصياء علينا وذلك في قوله :
والكل قد رفع الشعار مرددا إني لمهدي عليكم منتظر
ولا تخفى الإيحاءات المذهبية والسياسية التي يثيرها المهدي المنتظر .
وقد يأتي التناص دينيا تاريخيا نحو قول الشاعر :

قدسيتي وقف وأنتم حرزه بمشيئة الرحمن مذ عهد عمرْ
ففي الشطر الأول تناص ديني فقهي يتضمن تحريم التنازل عن جزء من الوطن انطلاقا من أن فلسطين أرض وقفية . وفي الشطر الثاني تناص تاريخي يندغم مع التناص السابق من خلال الصورة الذهنية التي تتشكل من دلالات العهدة العمرية المقدسية .
ومن التناص السياسي الذي يشكل وشما في الذاكرة الفلسطينية ، قوله :
سحقا لشارون اللعين فقد دنا نسْك الطهارة فارجموا هذا القذر
وهي إشارة إلى تدنيس شارون ساحات الأقصى ، ودلالة زمنية على اندلاع الانتفاضة . ولا أرى أن وظيفة التناص هو تسجيل الحدث بذاته ، بل التأكيد على ديمومة المخاطر التي تهدد قدسنا . ومن التناص السياسي الذي يشكل خلية عاطفية حية في الوجدان الفلسطيني قول الشاعر :

قد قال ذا رمز "الجمال محمد " فقضي لدرته ( الخلود ) على الدرر
وفيه تناص صريح على استشهاد محمد جمال الدرة الذي أضحى أيقونة وطنية في ضمير الإنسانية .
بقي أن أشير إلى تقنية عنوان القصيدة ، فعلى الرغم أن العنوان ( بيان الطفل الفلسطيني الثائر ) قد حقق انسيابا نفسيا في جسد القصيدة وكثافة دلالية في خاتمة القصيدة وبخاصة في الأبيات الثلاثة الأخيرة إلا أنني أزعم أن العنوان لم يعد كلمة دالة أو "جملة مفيدة" ، بل إن العنوان تقنية فنية قبل أن يكون تركيبا إنشائيا على اعتبار أن العنوان في الشعر وغيره عتبة يقف عليها المتقي قبل ولوجه إلى عالم النص ، وعتبة للشاعر كذلك يدخل منها حاملا في الوعي واللاشعور الاستحقاقات الدلالية والنفسية للعنوان ، وعليه فإن العنوان الذي ارتضاه صاحب القصيدة تغلب عليه الصفة الإخبارية أكثر من السمة الفنية ... وقد يكون صاحب القصيدة أدرى من ناقدها !!