تاريخ الاهواز- عربستان- منذ عصر الافشار حتى الوقت الراهن ، الفصل الحادي عشر ،الحلقة الرابعة

جابر احمد
2011 / 11 / 20

تأليف : الاستاذ موسى سيادة
عرض وترجمة : جابر احمد
الحرب العالمية الاولى وتداعياتها على عربستان .
يعتبر دخول الجيوش العثمانية بقيادة " توفيق بيك الخالدي " في 2 كانون الثاني من عام 1914 ودخوله عمق الاراضي العربستانية من ناحية " دشت ميشان " عملا عدائيا وتجاوزا سافرا على الاراضي العربستانية وبما ان الشيخ خزعل يعتبر الحاكم الفعلي لمنطقة عربستان كان من واجبه ان يتصدى لأي اعتداء خارجي خاصة وانه يرتبط بمعاهدة مع ايران التي اعلنت رسميا حيادها في هذه الحرب .
بالاضافة الى ذلك اجبرته مسؤولياته وتعهداته لبريطانيا بالحفاظ على ابار و خطوط الانابيب التي تنقل البترول الخام من مسجد سليمان الى مصفاة النفط في مدينة عبدان . حيث ان معاهدة 1914 ا الموقعة بينه وبين بريطانيا تنص في حال حصول اي اعتداء خارجي على امارة عربستان فانه يستمد الدعم و العون من بريطانيا ، لذلك قام الشيخ خزعل ودفاعا عن امارته بتجهيز جيش قوي تتكون غالبية افراده من قبيلتي " كعب و الباوية " بعد ذلك طلب من حليفه الاستراتيجي بريطانيا مساعدات عسكرية ، واعتبر مسألة الجهاد ما هي الا مناورة سياسية من قبل الالمان وحلفاءهم العثمانيين ضد العرب و المسلمين وكان يعتقد ايضا ان العلماء السنة وقعوا تحت تأثير املاءات حكامهم و بالتالي أصدورا فتوى الجهاد مجبرين وتبعا لذلك اصدر علماء الشيعة فتوى مماثلة وهذه الفتوى حسب رأي الشيخ تشمل سكان العراق الذين كانوا انذاك تحت السيطرة العثمانية وانها لا تخص لا شيعة عربستان و لا شيعة ايران لان الحكومة الايرانية سبق وان اعلنت حيادها في هذه الحرب ، لذلك ارسلت السلطات الرسمية العثمانية احد رجال الدين العراقيين وهو السيد عيسى كمال الدين " الى الشيخ خزعل وعندما اجتمع هذا العالم مع الشيخ طلب منه ان يشترك بالجهاد لصالح الامبراطورية العثمانية حيث ادعى انها تدافع عن الاراضي الاسلامية. من هنا يمكن القول ان الفتوى الصادرة عن علماء الشيعة والداعية الى الجهاد ما هي الا مؤامرة خططت لها الاستخبارات الالمانية ونفذها الحكام العثمانيين
وفي اواخر كانون الثاني من عام 1914 وصلت القوات العثمانية بقيادة " توفيق بيك الخالدي " الى مدينة العمارة ، ثم اجتازت الحدود من ناحية البسيتين و بأمتداد نهر الكرخة حتى وصلت الى مسافة عشرين ميل من مدينة الاهواز وعسكرت في منطقة تسمى ابو الدعالج ، حيث التحق بها اعدد كبيرة من العشائر سواءً من سكان المدن أو الأرياف العربستانية ، من بينهم قبيلة بني لام بزعامة "غضبان البنية " بالأضافة الى قبيلة بني طرف بقيادة زعمائها من امثال " الشيخ عاصي الشرهان " و الشيخ " عوفي بن مهاوي " والشيخ " صدام بن زاير علي " وكذلك عشاير ربيعة" بقيادة الشيخ " عناية بن ماجد " وعشيرة الزرقان بقيادة الشيخ " قاسم بن علي - قسملي - يرافقهم جمع من علماء الشيعة الكبار مثل حجة الاسلام مهدي الخالصي ، وولده " الشيخ محمد " والسيد محمد بن كاظم اليزدي و الشيخ عبد الكريم الجزائري و السيد كمال الدين الحلي .
وفي 25 شباط من عام 1915 تمردت قبيلة كعب على الشيخ خزعل متهمة اياه بالدفاع عن بريطانيا الكافرة والوقوف ضد تركيا العثنانيين المسلمة ، وانتخبوا شخصية محلية من السادة يعرف بإسم " السيد جابر بن السيد مشعل البو شوكة " ليكون رئيساً عليهم .، وبذلك فقد الشيخ خزعل فرض سلطته السابقة على العشائر والشعب سواءً في الأرياف أو المدن ، وبذلك اضطر الى استنفار ما تبقى له من العشائر و اوكل قيادتهم الى ابن أخيه " الشيخ حنظل " لكي يبدأ بقمع تمرد قبيلة "الباوية" ، كما ارسل ولده الشيخ كاسب لقمع تمرد قبيلة كعب ، وقد نجح الشيخ خزعل في اخماد وقمع تمرد هاتين القبيلتين ، و على أثر تلك الأحداث ومن اجل فرض سيطرته على سائر القبائل العربية في اقليم عربستان طلب الشيخ خزعل مساعدة "الشيخ مبارك الصباح " امير الكويت الذي كان آنذاك ضيفاً لدى الشيخ خزعل في مدينة المحمرة ، و قد استجاب الشيخ مبارك لطلبه وارسل رسالة الى ولده " الشيخ جابر " تجهيز مستلزمات هذه المساعدة فماكان من الشيخ جابر الا ان قرأء هذه الرسالة على المواطنين الكويتين ، الذين رفضوا رفضاً قاطعاً طلب الشيخ جابر ، واثناءها حدثت بلبلة بين صفوفهم حتى وصل بهم الأمر الى القول " اننا لن نطيع الآوامر حتى اذا قتلنا جميعاً و ان موتنا في سبيل الإسلام اشرف لنا من الموت في سبيل الكفار ".
وفي 15 شباط من عام 1915 ارسل الجنرال " باريت " قائد القوات البريطانية المتواجدة في عربستان قوات بقيادة " روبنسون " الى جبهة مدينة الاهواز حيث و صلت هذه القوات ظهر يوم 2 آذار 1915 الى منطقة تعرف بإسم "غدير الدعي " التي تقع على مقربة من مدينة الاهواز ، وعلى الفور قامت بمهاجمة القوات العثمانية بقيادة " توفيق بك خالدي " ، ولكن فجئة انتبه " روبنسون " ان قواته تتعرض لهجوم مباغت من قبل المجاهدين من عدة اتجاهات ، وعلى اثر هذا الهجوم ضعفت معنويات الجيش الثاني عشر بقيادة" كورينك " و الذي يتكون من قوات بريطانية وهندية ، و كذلك قوات المدفعية بقيادة " روبنسون " ، وخسرت الكثير من الرجال و المعدات الحربية من بينها مدفعان و 300 قتيل وعدد من الأسرى، حيث انسحبت بإتجاه مدينة الأهواز ، و قد شارك في الهجوم بالاضافة الى القوات العثمانية يساندها 3000 مجاهد من ابناء القبائل العربية.
لقد حققت القوات العثمانية في هذه المعركة نجاحاً باهراً الا انه مع الأسف الشديد ارتكبت خطاءً فادحاً حينما قصفت بالمدافع تجمعات للمجاهدين ، رغم ذلك فقد قاتلت قوات المجاهدين بضراوة وتمكنت من أنزال ضربات موجعة بالقوات البريطانية . وفي هذا المجال يقول احد الضباط الهنود " رغم انني كنت على ظهر جواد و لكن استطعت الافلات بصعوبة من مطاردة افراد العشائر الراجلة " ..
لقد تم التأثير على القبائل العربية المنظوية تحت امرة الشيخ خزعل عبر التبليغ الديني، وكان احد المبلغين للجهاد في عربستان رجل يدعى " علوان الشويكي " الذي خطب في جامع اصفهان الجديد قائلا : " ايها الناس لقد كنت في جيش الشيخ خزعل وقد كنا متواجدين في منطقة تسمى " المارد " حيث تلقيت رسالة من العلماء الذين كانوا في منطقة " غدير الدعي " الواقعة في غرب الاهواز ، عندها عقدت حلفاً مع المجاهدين ووزعت رسالتهم على قادة جيش الشيخ خزعل ، وقد ورد في احدى هذه الرسائل ان الانجليز اقسموا فيما اذا سيطروا على العراق فإنهم سوف يهدمون العتبابات المقدسة فيها و سوف ينهبون كل ما فيها من كنوز ، ثم بعدذلك يذهبون الى مكة و سوف يدمرونها، ثم يذهبون الى المدينة و يدمرونها ايضاً، و سوف ينبشون قبررسول الله " ص " و يرسلون عضامه الى لندن " .
مع احترامنا لهذا المجاهد فإن ما يقوله هو من اجل اثارت مشاعر المواطنين الدينية لاغير ، فقد رأينا بعد انتصار الحلفاء لم تقم بريطانيا قط بمثل هذه الاعمال و انما على العكس من ذلك منحت الأديان وخاصة الشيعة الحرية لاداء عاداتهم التقليدية التي كان يتحسس منها اهل السنة ، في حين كانت عتباتهم المقدسة في العهد العثماني تنتهك و تتعرض للنهب و التخريب من قبل حكوماتها التي تدعي انها حريصة على الاسلام و المسلمين . و لم يكتفِ هذا المجاهد بهذا القدر من الكلام بل اضاف قائلاً : " عباد الله في مثل هذه الحالة كيف تبقون ساكتين وكيف ترضون بمثل هذه الأعمال ؟ " وما انتهى الرجل من خطابه حتى كبرت الناس وسالت دموعها على خدودها و قالوا" ... لا والله فالسكوت ليس من طبعنا و يحب علينا تلبية دعوة الجهاد " . ثم توجه وفد من وجهاء عربستان يضم كل من " الحاج الشيخ نور الله " و " السيد عيسى كما الدين " و " الشيخ محمد نوري " يرافقهم " الحاج علوان الشويكي و اجتمعت مع القنصل الألماني في اصفهان ، و تباحثوا معه حول رفع مشاكل العالم الأسلامي من قبل الامبراطور " ويلهلم " وعل هامش هذا اللقاء اجتمع الوفد العربستاني مع السردار " اشرف البختياري " الذي قال اثناء ذلك اللقاء ان " جميع الزعماء البختياريين يريدون صد الكفار عن حدود المسلمين " ولكن هناك عدد قليل منهم من اغراهم الشيخ خزعل بالمال ووقفوا الى جانبه وساندوا البريطانيين ومن بين هؤلاء " السردار محتشم " و " امير مجاهد " .
وفي الحقيقة ان وزر الجهاد اكثر من تحمله هم القبائل و العشائر العربية في عربستان الذي اشتركوا في هذه الحرب و ابدوا شجاعة منقطعة النظير ، حيت كانوا يعتقدون انهم يدافعون عن الإسلام و المسلمين قال قائلهم " ذبت عود على الطوب امي " ولكن في الحقيقة كانوا ضحية المخابرات الالمانية " و اسموس " و " نيدر ماير" و" الداغستاني " قائد القوات العثمانية من جهة و المخابرات البريطانية و من يساندها من العرب من جهة اخرى