4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 25

محمد علي الشبيبي
2011 / 10 / 21

4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 25
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

هذه الحلقة الأخيرة من (ذكريات معلم). لابد أن أقدم جزيل شكري لجميع الأصدقاء الذين كتبوا لي وأبدوا ملاحظاتهم والذين تذكروا معلمهم ودوره في وضع اللبنات الأولى في طريقهم طريق العلم والأدب وكتبوا رسائلهم وهي تعكس الوفاء الأصيل لمعلمهم. شكري الجزيل للجميع
الناشر



1-11-1970 المربي المربي علي الشبيبي في طريق عودته إلى عائلته من مدرسة "أبو سفن"، طريق ترابي لا يمكن السير فيه ً خلال موسم الأمطار ولا صيفا تحت أشعة الشمس الحارقة، هكذا تعاملت السلطات الاستبدادية في مختلف العهود مع المربي الراحل لكسر إرادته ومعنوياته دون أن تأخذ بنظر الاعتبار تقدمه في العمر! لكنه ظل صامدا بفكره ومحبا لمهنته التي أحبها وتمنى لو أطال الله في عمره ليواصل مهمته التعليمية والتربوية.

شرق وغرب/2
في عراقنا الحبيب تم إعدام خونة جواسيس مخربين. وعلى أثر إعدامهم أعلنت سوريا تأثرها لمقتل العقيد عبد الكريم نصرت. وقالوا انه قتل على يد صبي له به علاقة غير بريئة! في عراقنا في هذا العصر لا يستطيع احد أن يصل إلى سر وحقيقة الذين يصلون إلى الحكم. ولكن حين يفشلون أو يحتل الحكم من هو أقوى منهم، تظهر حكايات لا يستطيع احد أن يجزم بصحتها! ثم حدث في 27/1 انشقاق في صفوف الفدائيين. وفي 20/2 إعدام وجبة أخرى من الجواسيس عندنا، أكثرهم مسلمين.
وعرض الشخصية اللامعة عزيز الحاج في تأريخ نضال شيوعيي العراق والذي انشق عن حزبه في السنوات الأخيرة، وسمى منظمته القيادة المركزية. ظهر وكأنه في ندوة، ولكنها عبارة عن اعتراف بسوء تصرفه في قيادته، وأدانها بشكل مهين، وطعن الأحزاب الشيوعية وحركة البرزاني.
وأذيع بيان الهيأة القومية احتجاجاً على ما أذاعه الملك حسين من موافقة على مقترحات الدول الأربع من الحل السلمي لمشكلة الشرق الأوسط، وإسرائيل إنها أيضا تبدي الرفض.
نحن نعرف رأي حزب البعث حول تلك المقترحات، والتي يرفضها أيضاً الفلسطينيون.. وأحد أركان الحزب –فؤاد الركابي-، سبق له أن ذكر حسين بما يجعل العراق وحزب البعث بالذات لا يؤيد حسين بل ويتهمه. وقد جاء في الكراس المعروف بـ "الحل الأوحد" (تتالت المعلومات تؤكد لنا إن هناك فئة مرتبطة بالملك حسين، وتمول من قبله قد بدأت تعد لعملية اغتيال قاسم. هذه العملية من شأنها أن تطفئ ثورة 14 تموز، وتعيد العراق بشكل أكيد إلى القبضة الاستعمارية الرجعية من جديد) وجاء أيضا قوله (سيما وأننا علمنا بان الملك حسين كان في ذلك الوقت ينشط نشاطا محموما في العراق لأحداث تغيير فيه لصالحه) (الحل الأوحد لفؤاد الركابي ص65 وص72). ولم تكن الإذاعة إذ ذاك حين تذكره -حسين- إلا باسم ابن زين!
ومؤتمر الأدباء هل جاء بجديد؟ من يستمع لكلمات ممثلي الوفود يعرف أن ما قالوه عن مشاكل البلاد العربية، إنما هو ترديد لما قيل في المؤتمرات السابقة. ومن الطريف ما سمعته من المعلق في الراديو بقوله: نتمنى للمؤتمرين أن يعملوا بنصائح السيد رئيس الجمهورية!
يبدو في أفق السياسة الداخلية ما يهدد امن الوطن حيث صدر قرار من رئيس الجمهورية بموجب المادة 20 من قانون السلامة الوطنية رقم 4 في 24/4، احتجاجا على تحرشات إيران.
وفي الوقت الذي يفكر فيه الناس عما يتمخض عنه العالم من مواقف لصالح السلم أو تهديد له، يقوم في كربلاء مجموعة من المحسوبين على الدين بفتح جامع السنة، وعلقوا عليه عنوان -جامع السجاد- وصلوا فيه وكان أبرز هؤلاء المتحمسين الشيخ عبد الزهرة الكعبي وسعيد زيني، وآخرون يدعون حفاظ القرآن. ولكن وزارة الأوقاف ردتهم عن فعلتهم فغادروا الجامع بالسيارة المسلحة، ثم عين للجامع إمام ملائم! الحمد لله إننا نتنافس على الجوامع وهي كثيرة وكثير منها بلا إمام. ولكنا لا نتنافس على التوحد والوئام.
دُعيّ الشيخ عبد الزهرة الكعبي مرة للانضمام إلى حركة السلام، فرفض الدعوة، انه يعتبرها حركة شيوعية، وهو يعرف في الحقيقة معنى السلام وانه من أجل الجميع كما انه ليس حركة سياسية. لكنه أجاز لنفسه إثارة حركة طائفية. ولماذا لا تكون الجوامع للمصلين من أية طائفة؟ وكيف تتم وحدة أناس يتفرقون حتى في أداء عبادة ربهم الذين يعترف به الجميع انه رب الجميع، ونبيهم أيضا نبي الجميع! وقد اعتقل في 26/2/1969 بطلا هذا العمل وأخذا إلى بغداد، وحين عادا بعد أيام كانا يتبجحان بأنهما كانا بطلين وقد دافعا عن أنفسهما بشجاعة. ولكن ما الاتهام الذي صداه؟
وبسبب موقف إيران من قضية شط العرب فقد اتخذت الحكومة في 5/5/69 العراقية إجراء ترحيل -الإيرانيين- فانتصر لهم السيد محسن الحكيم. كان في كربلاء، فغادرها إلى النجف حين علم ببدء الترحيل، وزاره نائب رئيس الوزراء حردان التكريتي فصدرت برقية (أوقفنا الترحيل ريثما يصل ابن الشاه للتوسط في المسألة) بينما اخذ معظم الإيرانيين يبيعون أثاثهم وبيوتهم ويتهيأون للسفر. يحاول الحكيم أن يثيرها شعواء بتنقله بين الكاظمية وكربلاء والنجف. وتحمس بعض أتباعه لزيارته كوفود. كما إن آخرين -غير عرب- تراشقوا مع الشرطة، فهب سواق السيارات في النجف وطاردوهم بالقوة. ثم أصدرت الحكومة إشعار بعدم ترحيل الإيرانيين، وتجديد إقامة من انتهت إقامته، وقبول عودة من سافروا. والله اعلم ماذا في الأفق مستقبلاً. وليتذكر الحكيم موقفه يوم لعلع الرصاص في الصحن العلوي أيام نوري السعيد وصمته!
الحكومة القائمة في نشاط دائب. فقد سنت تشريعات جديدة. منها: 1- تعديل قانون الإصلاح الزراعي، خاصة ما يخص الناصرية والعمارة. 2- سن قانون جديد باسم -قانون الواجب-. 3- قانون الخدمة العسكرية. ولكن لماذا فوجئنا بارتفاع أسعار الشاي والسكر واختفيا من الوجود؟
وفي 20/5 عقد مؤتمر اتحاد الجمعيات الفلاحية ببغداد، وحضر المؤتمر وفود من جميع الأقطار والدول الاشتراكية. وحين خطب الرئيس أشار إلى حجز أموال بعض الكبار مثل، مدحت الحاج سري، رشيد مصلح، حسن ثامر، صديق شنشل، هؤلاء نعرف عنهم أنهم من السياسيين الذين حاربوا قاسم من أجل الفكر القومي. فما حدا مما بدا؟ حتى عرض يوم 7/5/69 العميد المتقاعد -مدحت- على شاشة التلفزيون، فأفاد عن اتصاله بالمخابرات الأمريكية منذ عام 1960، وذكر أمثاله -مهدي الحكيم-. وانه يرأس جماعة وأنهم حضروا عدة جلسات لتنظيم حركتهم. وذُكر أن البزاز سيعرض عن قريب، كرد على خبر نشرته جريدة الرأي العام الكويتية، بأنه مات في أحد سجون بغداد بشكل غامض.
ومن الصدف النادرة عندي أن أقوم بجولة، وحب التجول عندي من أحب الأمور. فالمرء في رأيي يجب أن يكون على علم بسائر شؤون بلاده، وما فيها من آثار الأجداد، وما ضمت من روائع، وما يجب أن يعرف ساكنوها عن تأريخ البلد. ولكني مُعرض للبلاء من جهة ومن جهة أخرى إني احرص أن أوفي العائلة ما يلزم لها عليّ. فراتبي المحدود، والديون تراكمت عليّ بسبب ما تعرضت له من مواقف وسجون، سبب تأخر ترفيعي، بل حرماني، حتى أن بعض المعلمين ممن درسته في الابتدائية قد بلغ مرتبه التقاعدي ضعف راتبي أو يزيد.
جولتي هذه حين سافرت إلى محافظة الكوت. زرت الحي، وزرت فيه قبر الصحابي سعيد بن جبير وقد سعى لتشييد قبره السيد محسن الحكيم. وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد عرف بالشدة والفتك بالعلويين من أهل البيت ومن والاهم. كادت الدموع تنهمر من عيني، فانا أمام مرقد مضطهد وقيل استشهد بسبب معتقده، وقد ترك الحجاج سمعة عن بطشه ضرب بها المثل.
وعن العامة عندنا في النجف حين يضيع لهم -مال- أو حاجة ثمينة خارج البيت، يخرج منادٍ يعلن ويسائل السامعين بقوله: يا سامعين الصوت، أولكم محمد وثانيكم علي على الشاف وسمع أو لقي ... يسلمها إلى ....! وقرأت ذات مرة تحقيقاً لأحد أدباء النجف في الأمثال والعادات. فكان يصحح هذا الإعلان بقوله: يقولون يا سامعين -الصوت- وهو في الأصل يا سامعين -السوط- ذلك لأن الأسلوب في الإعلان عرف أيام الحجاج الذي كما عرف بقسوته ضد من لا يوالي بني أمية عرف أيضاً بالحكم الصارم تجاه اللصوص والمجرمين. فكان الناس إذا فقدوا حاجة يعلن عنها معلن يذكرهم بسوط الحجاج! لكن الناس المتأخرين بدلوا جهلا منهم السوط بالصوت ينبهون من وجدها فيعيد الحاجة. مع ذلك فالتأريخ يذكرنا أيضاً انه كان يقدر الظَرف والأدب والشجاعة في الرأي.
ومما يروى أن الحرس الليلي ألقى القبض على ثلاثة من الشباب. رغم علمهم أن الحجاج قد منع الخروج ليلا في وقت متأخر. ولما سألهم الحرس من أنتم؟
أجاب الأول:
أنا ابن الذي دانت الرقاب له ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقــاب صاغــرة يأخذ من مالهـا ومن دمهـا
وأجاب الثاني:
أنا ابن الذي لا تنزل الدهـــر قدره وان نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره فمنهم قيــام حـولهــا وقعــود
وأجاب الثالث:
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه وقوّمها بالسيف حتى اسـتقامت
ركابــاه لا تنفــك رجـلاه عنهمــــــا إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
وقد أمسك الحارس عن قتلهم ضناً منه، أن الأول ابن كبير ذي سلطة، والثاني ابن كريم من أجواد العرب، والثالث ابن فارس شجاع! وترك أمرهم إلى الصباح ليسلمهم للحجاج ليبت بأمرهم. وحين مثلوا أمام الحجاج صباحا، سألهم من أنتم؟ ولما استمع لإجاباتهم، عرف أن الأول ابن حجام، والثاني ابن صاحب مطعم والثالث ابن حائك. فعفى عنهم لظرفهم وحسن أدبهم وفصاحتهم، وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب ، فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم . ثم أطلقهم وانشد
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محمــوده عن النســب
إن الفتى من يقـــــول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
وكذا يذكر أن شابا أو قارب سن الشباب دخل مجلسه ولم يسلم، وقف كأنه جاء ليهزأ من سلطة غاشمة، ويسخر من جبار وهو في مقر حكمه. وحوله وجهاء البلد. وجرى بينه وبين الحجاج حوار كان في غاية الجرأة والتحدي. ولما سأل الحجاج جلاسه: ماذا ترون من أمره؟ حرضوه على البطش به! فردّ الشاب بجرأة، وقال: جلساء أخيك خير من جلسائك، يا حجاج!" قال الحجاج: تعني أخي محمد بن يوسف؟ قال الشاب: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنما أعني فرعون مصر، حين قال لجلسائه، ما ترون أن أفعل بموسى؟ قالوا: أرجه وأخاه. أما جلساؤك فحرضوك على قتلي. وخرج الشاب بسلام. الحوار بين الشاب والحجاج طويل مروي في كتاب -العقد المفصل- للسيد حيدر الحلي.
في كل العصور والأزمان يحتل رجال كالحجاج سُدة الحكم. يبدون ذوي مروءة مع من يتملقهم ويخشاهم، ويصيب بولائه وخدمته عيشاً ورفاهاً. وأولئك الحكام سواءاً كانوا ولاة بدرجة الحجاج أو باسم خليفة أو ملك أو رئيس. يكون كريما ومثال السماحة، ولكن مع من يواليه ويذود عنه. أما من له في أمره رأي يستمده من دينه أو من عهد قطعه ذلك الوالي أو الخليفة أو الملك، لكنه بعد ما ثبت أقدامه، وكوّن حاشيته، ورجالا اشترى ذممهم بالمال والعطاء. فانه لا يعود يستعمل إلا الشدة، والعنف، فلا يرى ذو الدين، وذو الشعور بالكرامة، والعارفون بأصول الحكم ، والذائدون عن مصلحة الرعية، وما للإنسانية هؤلاء نصيبهم الموت أو السجون، أو أن ينكمشوا على أنفسهم متمسكين برأي الحق، ولكن مع السر والخوف. والتأريخ مليء بمختلف الأمثال ونماذج للحاكم والمحكوم. وسيبقى كذلك مادام المجتمع طبقات. مستغَل ومستغِل، وكادح متعب ومالك في النعيم، سيد وعبد. ولكن سيرة البشرية، وتبدل أساليب المعيشة، والنظم، من أيام الرق ثم إلى النهضة الصناعية، كل هذه التبدلات علمتنا، أن حكم الرأسمال، وملوك الكرم والبترول والحديد، ومناجم الفحم، وحماتهم الذين يحتلون مراكز الحكم بتأييدهم ويسيطرون على الشعوب في الشرق والغرب، بتسلط المغرمين بالحكم عن طريق عشاق الحكم والزعامة، فيسندهم المستعمر -حسب قواعد الاستعمار الحديث- ثورة من أجل الشعب!
نحن نعرف إن للثورة معنى واحداً. الثورة الفرنسية قضت على الإقطاع، والثورة البلشفية قضت على القيصرية والرأسمالية في بلاد الروس وما يتبعها. وفي الشعوب الأوربية التي ما تزال، تحكمها حكومات رجعية، حكمها لصالح الطبقة الرأسمالية. نسمع عن نضال الطبقة العاملة فيها ووثباتها، وحققت الطبقة العاملة في -تشيلي- حكما ديمقراطيا وجبهة وطنية، وبمساندة الاستعمار العالمي برئاسة أمريكة حدث فيها انقلاب رجعي، وقاومت الطبقة العاملة مقاومة صارمة شجاعة، لكنها لم تنجح إذ كانت في بداية أمرها وسُفكت دماء، وأزهقت أرواح. وأخذت الطبقة العاملة والشعب التشيلي يتحرك من جديد ولابد أن ينتصر. الثورة إذن: هي التي تهدف إلى التحول من حكم الأقلية المستغِلة إلى الفئة المستغَلة بقيادة البروليتاريا، وبنور الفكر الاشتراكي حسب. وهذه القيادة لا تنافي أبداً والمصلحة القومية، شرط أن لا تكون مبنية على التعصب البرجوازي.
لقد جربت كثير من الحكومات وما ادعته من تقدمية ومن اجل الطبقة العاملة، وضد الاستغلال. إلى كثير من هذه الادعاءات. لكنها تشتري الذمم لتأييدها، فمن لا يرقص تأييدا وثقة، وان لم يكن يعلن عداءً يصبح هدفاً للتهم والشكوك. ولا حاجة أن اضرب المثل بما لقيت، وأنا ابعد من يكون عن ساحات النضال، وهذا ما يؤسفني ، لأني لم أعد أثق بالكثير الكثير .... وقد وجدت الأكثرين يقفزون من فئة إلى فئة.
أمس 9/4/1969 بُلغت بواسطة تربية الحلة بلزوم الحضور إلى محكمة أمن الدولة. مع أن قرار مجلس قيادة الثورة قد أعلن غلق كافة الدعاوى السياسية. فهلا سمعت بهذا مديرية تربية بابل؟ ومع هذا فقد راجعت المحكمة العسكرية. أجابوا: اُغلقت، وتنفست الصعداء. الحكومة الحالية ما تزال تشرع قوانين وتصدر قرارات، تبشر بخير، وعسى أن تستمر، فالبلد الطيب يخرج نباته وما خبث لا يخرج إلا نكداً.
ويبدو إني قد أدرج اسمي عام 1971 ضمن من بلغ من العمر ستين عاماً ومدة سنيّ الوظيفة ثلاثين عاماً، ذلك بسبب خطأ في سن ميلادي، سجل ميلادي 1908 والصواب 1913. ذلك لأني إنما عدت إلى الوظيفة لأستوفي حقي الذي ضاع بين فصلي وحرماني منه حتى وأنا في الوظيفة. ولكن بعض ذوي المحضر الطيب، طلب تأجيلي فانا لم أستوف حقي في الخدمة من الدرجات التي فاتتني، إذ فصلت في العهد الملكي، وحين عدت حرمت من الترقية. ثم سحبت يدي بعد انقلاب شباط 1963 ومن ثم فصلت عام 1964 ولم اعد كسواي إلا في بداية العام الدراسي 1968/1969. وطالبت باعتبار مدة الفصل خدمة لأغراض التقاعد والترقية والعلاوة فلم اُجبْ! بينما أعيد الذين حكموا معي وأدينوا باعترافهم، واعتبرت لهم مدة الفصل خدمة. وقدمت كثير من العرائض فلم الق استجابة ولا رداً وكأن الجهات المعنية متأكدة من صحة الاتهام. ولا يحزنني الأمر لو أن للاتهام صحة.
أنا فرح أيضا بمناسبة حصول ولدي محمد على زمالة إلى بولونيا وتهيأ لعمل ما يلزم من جواز سفر وغيره. اثنان من إخوته وصلا إلى مبتغاهما. الكبير تخرج من كلية التربية، وتخرج الأخر منها أيضاً، ولكن شتان بينهما. الأول على جهودي ومتاعبي، أما الثاني فبنشاطه وهمته ومساندتي له للنجاح بمراجعة الدائرة الخاصة لأمور التعيين -معلما مسائيا- ليكون في النهار طالبا جامعيا. أخوهم هذا الأصغر، صار عاملا في معمل التعليب، وعمل بسكينة وصبر لـ 16 ساعة في اليوم من أجل أن يجمع ما يمكنه للسفر الذي كان ينتظره بعد عدة محاولات فاشلة.
أنا في هذه الساعة كنت في المستشفى. كاتب الطابعة يضحك. قلت مالك؟ قال: أنظر. تأملت على الطابعة أمر إداري مفاده إن المستخدم يضاف إلى راتبه 150 فلساً. وأثناء الطبع أوعز إلي الآن مفاجأة انه عين بوظيفة براتب قدره مئة وخمسين دينارا. قلت لابأس. احذف فلسا واكتب بدلا منها -دينار-. بينما لو جرد راتبي من الزوائد والإضافات التي تفضلت بها الحكومة -حسب نسب معينة- لما كان أكثر من سبعة وثلاثين دينارا. عن خدمة قدرها ثلاثون عاما إلا أربعة شهور. حكمتك يا رب!