هيلاري كلينتون المتحدثة الرسمية باسم المجلس العسكري المصري

أشرف حسن منصور
2011 / 10 / 17

هيلاري كلينتون المتحدثة الرسمية باسم المجلس العسكري المصري
د. أشرف حسن منصور
بعد أن كشف المجلس العسكري المصري في أحداث الأحد الدامي (مذبحة الأقباط) عن انعدام الرؤية وعدم قدرة على التعامل مع الأزمات وضعف شديد في خطابه السياسي والإعلامي، وبعد أخطاء عديدة وقع فيها في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد الأحداث وعدم استطاعة أعضائه عن السيطرة على انفعالاتهم أثناء المؤتمر، مما يتناقض تماماً مع شخصياتهم العسكرية المفترض فيها الانضباط ورباطة الجأش، أسرعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بإنقاذ المجلس من الورطة التي وضع نفسه فيها.
ومع عدم قدرة المجلس العسكري على الدفاع عن نفسه أو التعامل بحرفية سياسية مع الأحداث، تطوعت كلينتون للدفاع عنه، راسمة بذلك حدود الدور الذي يجب أن يقوم به المجلس العسكري في المرحلة الراهنة، وطبيعة هذا الدور، وقدمت مبررات كثيرة للحقيقة التي يعرفها معظم المصريين وهي الفشل الذريع للمجلس العسكري( ). والمثير للدهشة حقاً وضوح الرؤية الذي تكشف عنه تصريحات كلينتون مع عدم توافر هذا الوضوح لدى المجلس العسكري نفسه، مما يجعلني أقول إن الخارجبة الأمريكية هي التي ترسم للمجلس العسكري سياسته وهو مجرد منفذ لها، وذلك نظراً لطبيعته باعتباره مجلساً من الضباط، هؤلاء الذين تتمثل مهمتهم الأساسية في تنفيذ الأوامر.
لم تستخدم كلينتون في تصريحاتها كلمة "المجلس العسكري" بل كانت تستخدم دائماً كلمة "الجيش المصري". وكلنا يعرف الفرق بين المجلس والجيش، لكن حديث كلينتون عن الجيش وهي تقصد المجلس دليل على أنها تريد أن تنقذ المجلس نفسه وتقدمه على أنه هو الجيش المصري نفسه. وعلاوة على أن الخلط بين الجيش والمجلس هو في صالح المجلس العسكري دائماً، فإن هدف كلينتون من هذا الإبدال هو إنقاذ المجلس العسكري وتقديم مواقفه على أنه هي مواقف الجيش المصري كله، وهذا غير صحيح.
إن كلينتون تتكلم كما لو أنها المندوب السامي الأمريكي في مصر والممثل للسيطرة الإمبريالية الأمريكية على مصر بعد الثورة. وهذا ما سوف يتضح أكثر بتحليلنا للنقاط الأساسية التي وردت في تصريحاتها، هذه التصريحات التي تذكرنا بخطاب اللورد كرومر ممثل الاحتلال البريطاني لمصر في أوائل القرن العشرين، ومن بعده خطاب تشرشل وزير المستعمرات البريطانية حول مصر، فالمضامين السياسية لخطابات هؤلاء الثلاثة تكاد أن تكون واحدة.
قالت كلينتون:
• "الجيش المصري يسير وفق الجدول الزمني الذي وضعه لنقل السلطة".
لكن ما هو شأن كلينتون من الأصل بموضوع نقل السلطة هذا، إلا رغبة منها في طمأنة المصريين من خوفهم من تمسك المجلس العسكري بالسلطة؟ هذا التصريح دفاع عن المجلس ضد من شككوا في نواياه. وتأكيد كلينتون على أن الجيش يسير وفق جدول تسليم السلطة هو رسالة مبطنة إلى المجلس العسكري لينفذ ما وعد به.
• "الجيش لا يريد أن يعمل كقوة شرطية بعد أن تفككت قوة الشرطة. ولذلك فهو يحاول دائماً تحقيق التوازن بين ما يفترض أن يقوم به وما لا يفترض أن يقوم به".
إن كلينتون تدافع عن المجلس العسكري بكل ما أوتيت من حجة قوية ومنطق قوي. والواضح أن مصلحة أمريكا في مصر الآن هي الإبقاء على المجلس العسكري كما هو، ذلك المجلس الذي عينه مبارك قبل التنحي والذي ربما استجاب لنصيحة أمريكية بإجبار مبارك على التنحي. والدليل على ذلك أنه في مساء اليوم السابق على التنحي سمعنا خبراً من مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA مفاده أن المصريين سوف يسمعون خبراً مفرحاً في تلك الليلة.
وإلى جانب كشف هذه العبارة عن عمق التدخل الأمريكي في الشأن المصري، فإنها كذلك تكشف عن مدى استيعاب كلينتون للحالة القائمة في مصر، وعن وضع المجلس العسكري المأزوم المتورط في عمليات مضادة للثورة منذ موقعة الجمل التي سمح فيها بدخول الجمال والخيول إلى ميدان التحرير كما رأينا على كل القنوات، إلى يوم الأحد الدامي الذي كان مذبحة للأقباط. لقد ذاكرت كلينتون الملف المصري جيداً، بحيث نراها وهي أكثر استيعاباً لما يحدث في مصر وأفضل تقييماً له من المجلس العسكري نفسه.
تقول كلينتون إن الجيش، وهي تقصد المجلس العسكري بالطبع، يحاول تحقيق التوازن بين ما يجب أن يقوم به وما لا يجب أن يقوم به. لكنني أعتقد أن كلينتون مخطئة في ذلك. لأن الأحداث الأخيرة كشفت عن تخبط المجلس العسكري وعجزه عن التصرف بحكمة. لكن يبدو أن كلينتون أكثر علماً من المجلس العسكري بالفرق بين أن يعمل الجيش كقوة شرطة وأن يعمل كجيش محترف. ويبدو أن المجلس العسكري في حاجة إلى مزيد من التوجيه والإرشاد عن الفرق بينهما.
• قالت كلينتون بالحرف: "لا يوجد قانون ولا نظام للسيطرة على كثير من الأحياء".
إنني أشكرها على هذه الصراحة البريئة المعروفة عن الأمريكان، كما أشكرها على عمق معرفتها بالشارع المصري التي تفوق معرفة منصور العيسوى والداخلية كلها. ذلك لأن كلينتون الآن هي كما قلت المندوب السامي الأمريكي في مصر، المتولية بنفسها متابعة الشأن المصري يوماً بيوم منذ 25 يناير، وكأن مصر قد صارت المحمية السياسية لأمريكا.
والملفت للنظر أن تصريحات كلينتون عن مصر في الأسابيع الأخيرة تفوق كثيراً تصريحات الحكومة الأمريكية حول أحداث وول ستريت منذ أن بدأت، وكأن الحكومة الأمريكية تواجه الاحتجاجات الشعبية ضد الجشع الرأسمالي وسيطرة المال على السلطة في أراضيها بمؤامرة الصمت، وفي نفس الوقت تعطي لنفسها الحق في رسم سياسات الدول الأخرى بمنتهى الحرية. إن ما تقوله كلينتون عن "عدم وجود قانون ولا نظام للسيطرة على كثير من الأحياء" قاصدة أحياء المدن المصري ينطبق على حي وول ستريت كما ينطبق على أحياء بوسطن التي امتدت إليها موجة الاجتجاجات.
إن الحكومة الأمريكية والمجلس العسكري يمثلان القوى المضادة للثورة العالمية ضد الرأسمالية. ولا يخفى على الحكومة الأمريكية بالطبع أن ثورة 25 يناير المصرية كانت أحد إلهامات احتجاجات وول ستريت، بل كانت أحداث الثورة المصرية وتكتيكاتها وتحركاتها وطرق مقاومتها السلمية لقوات الأمن هي الدروس التي تعلمت منها الحركات الاحتجاجية الأمريكية، بل والأوروبية أيضاً. وفي ظل هذا الوضع من الانتشار العالمي للاحتجاجات الشعبية ضد الرأسمالية (مباشرة في أمريكا وأوروبا، أو بطريقة غير مباشرة ضد الممثلين المحليين للإمبريالية الرأسمالية مثل مبارك ومجلسه العسكري)، فمن الطبيعي أن يكون هناك تنسيق بين القوى المضادة للثورة، وهو الذي اتضح في دفاع كلينتون المستميت عن المجلس العسكري المصري، فهي تعرف جيداً أن حكومتها والمجلس العسكري يقفان في خندق واحد.
• واستمرت هيلاري في تبرير تصرفات المجلس العسكري قائلة: "هناك مشكلة حقيقة في مصر، ولذلك فإن الجيش كان في طريقه إلى رفع حالة الطوارئ، وهو يحاول التعرف على كيفية احتواء الوضع"؛ وأضافت أن الجيش كان مضطراً لاتخاذ قرار بعدم رفع حالة الطوارئ لحين التوصل إلى تحقيق الأمن في الشارع.
إن التصريح السابق كان من المفترض أن يصدر عن المجلس العسكري نفسه لا عن هيلاري كلينتون. لكن يبدو أن هيلاري أكثر دراية بحالة مصر وأكثر قدرة على الرد بالنيابة عن المجلس العسكري.
وفي العبارة السابقة شيئان ملفتان للنظر. الأول قول هيلاري إن المجلس "يحاول" التعرف على كيفية احتواء الوضع. مما يعني أن المجلس بالتعبير العامي "محتاس". فهو لا يمتلك رؤية واضحة وليست لديه خطة للتحرك ولا استراتيجية للتعامل مع الأزمات. فهو ينتظر المصائب لتحدث ثم يجلس ليفكر في كيفية التعامل معها، وبعد التفكير لا يبدأ في التعامل إلا ويجد مصيبة أخرى تحدث، فتسبقه الأحداث دائماً وتتراكم أخطاءه، مما يؤدي إلى تزايد الغضب الشعبي عليه. هذا علاوة على أن كل ما يسعى إليه المجلس هو كما قالت هيلاري "احتواء الوضع" وليس حل المشكلة من أساسها. وكيف يحل المشكلة وهو نفسه جزء منها؟ بل هو الجزء الأساسي منها لكون القوة الرئيسية التي تقف ضد الثورة الآن، بمعاونة أمريكا ودعمها الديبلوماسي والإعلامي له.
أما الشئ الثاني الملفت للنظر فهو قول هيلاري إن الجيش كان مضطراً لاتخاذ قرار بعدم رفع حالة الطوارئ لحين التوصل إلى تحقيق الأمن في الشارع. وتنطوي هذه العبارة على لوي للحقائق وتزييف للوقائع. ذلك لأن المجلس العسكري هو المسؤول عن افتقاد الأمن في الشارع، إذ كان يستطيع أن يضمن الأمن منذ الأيام الأولى بعد تنحي مبارك، لكن كيف يضمن المجلس العسكري الأمن لثورة لم يكن يريدها وتقبلها على مضد وهو مجلس مبارك في الأساس؟ لقد كانت المهمة الأولى للمجلس العسكري استعادة الأمن للشارع المصري، لكنه أبقى على الفوضى كمبرر لاستمراره في الحكم. ولذلك فإن تصريح هيلاري يوقع مصر في دوامة، ذلك لأن المجلس العسكري رفض رفع حالة الطوارئ بسبب انعدام الأمن الذي تسبب هو فيه. فنكون بذلك في دائرة شيطانية: استمرار المجلس العسكري في الحكم بسبب انعدام الأمن الذي سببه المجلس العسكري نفسه.
• لا تقف تصريحات كلينتون عند حد التوجيه المضمر للمجلس العسكري بل تصل إلى التدخل في السلطة التشريعية بقولها إن إصدار التشريعات المتعلقة ببناء المساجد والكنائس سيعمل على إنهاء أي شكل من أشكال التمييز ضد الأقباط. وهي تقصد بذلك قانون دور العبادة الموحد، قيد الإعداد. وبذلك توجه هيلاري والخارجبية الأمريكية مصر كلها من أعلى سلطتها التنفيذية إلى سلطاتها التشريعية، موحية بكيفية التعامل مع الحالة الأمنية في الشوارع.
والمثير للدهشة أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية لا تستطيع التدخل في شؤون أي ولاية من الولايات التي تتمتع كلها بدستور خاص بها وقوة شرطة خاصة بها داخل حدودها الجغرافية، ولا تستطيع إصدار أوامر مباشرة لحكومة أي ولاية بوضع تشريعات أو قوانين معينة خاصة بهذه الولاية. إن أمريكا تمارس على مصر سلطة إمبريالية لا تستطيع أن تمارسها على الداخل الأمريكي نفسه.
وكيف لا تمارس أمريكا هذا النوع من الإمبريالية على مصر وقد كانت مصر دولة تابعة لها منذ أواخر السبعينيات، وقد حكمها رئيس تابع لها منفذ لإرادتها طوال ثلاثين عاماً؟ ولم لا تتحدث هيلاري بالنيابة عن المجلس العسكري وكأنها هي القائد الأعلى للمجلس العسكري؟ ألا يعتمد الجيش المصري في تسليحه على السلاح الأمريكي والمعونة الأمريكية؟ ألا يعتمد على قطع الغيار الأمريكية والشركات الأمريكية في الإحلال والتبديل؟ ألا يعتمد على الخبراء الأمريكان في التدريب والصيانة والتطوير؟ ألا تعرف أمريكا بالضبط تفاصيل الجيش المصري كله وقدراته القتالية من مناورات النجم الساطع التي كان يجريها نظام مبارك مع الجيش الأمريكي في الساحل الشمالي؟ ألم يتدرب الجيش الأمريكي نفسه في هذه المناورات على كيفية الإنزال على الشواطئ الرملية للساحل الشمالي وعلى نشر القوات في الصحراء الغربية استعداداً لاحتمال احتلال أمريكي لمصر في المستقبل؟ إن معرفتنا لكل ذلك يجعلنا نفهم مغزى تصريحات هيلاري، والدور الأمريكي في مصر بعد الثورة، والطبيعة الحقيقة للمجلس العسكري، والطريق الذي يقودنا فيه هذا المجلس العسكري.
د.أشرف حسن منصور
1) تصريحات كلينتون مأخوذة من جريدة الأهرام، السبت 15 أكتوبر، من حوار مع وكالة رويترز، وزعت الخارجية الأمريكية نسخه منه.