الأبناء .... فلذات نكباتنا!

رانية مرجية
2011 / 10 / 12

الأبناء .... فلذات نكباتنا!
رانية مرجية

قررت ابنتي الفيسبوكية أن تترك الفيسبوك دون رجعة، ولاسيما أنه مليء بالذئاب البشرية، ولا يختلف عن عالمها المشوه. صديقتي هذه والتي أصرت أن أكون لها أما روحية على مدار أربعة أشهر ونيف. كانت قد طلبت مني أن أكتب قصتها بعد أن مضى أسبوعا على تعارفنا، ولكني تريثت، ربما لإيماني أنها ستحطم قيودها بيدها وتغادر بيت الذل والمهانة .
ولدت روزان نتيجة لعلاقة غير شرعية. نشأت بين شاب عربي وفتاة يهودية. عاشا والداها معا دون زواج لمدة خمس سنوات، ومن ثم قررت أمها أن تتركها وتترك والدها وتكفلت جدتها لوالدها وجدها بتربيتها. لم تعش طفولة سعيدة. فالكل كان حاقد عليها، يضربها لأتفه الأسباب ويعيرها بأنها ابنة حرام بخلاف ما كان يتم التعامل به مع بنات وأولاد أعمامها وعماتها الذين كانوا يغدقون عليهم الحب والهدايا والدلال. كان الجميع يعاملها بشكل قاس كحشرة متطفلة على حياتهم الملمعة كانوا يذكرونها كل حين بأنها ابنة حرام جاءت نتيجة لعلاقة غير شريفة ومدنسة، حتى أنهم نجحوا في جعلها تزدري نفسها وساعة ولادتها.
وحده ابن عمها كان يشعرها أنها أميرة، وكان يغدق عليها الحب والحنان، ويشجعها على الحياة واعدا إياها بالزواج تعويضها عما كان.
كبرت روزا ن إلا أن ابن عمها تراجع عن قراره! ولاسيما أن كل العائلة وقفت له بالمرصاد ليعود ويذكرها بأنها ابنة حرام ولا تصلح أن تكون زوجة له. الأدهى من هذا انه قام بخطبة أفضل صديقة لها!
باركت روزان الخطبة على مضض، وقررت أن تنظر إليه نظرة الأخ وأن تستمر بعلاقتها مع صديقتها رغم كل شيء.
استمرت في الدراسة، فتفوقت وكانت من الأوائل في الجامعة ولكن والدها الذي يعمل كطبيب نفسي لصالح جنود الاحتلال، كان يعاملها بقسوة، لا يفهم إلا لغة الضرب والتهديد وكثيرا ما كان يحقنها بإبر مهدئة لتنام لأنها كانت كثيرة الدخول إلى عالم الاكتئاب وأكثر من مرة حاولت الانتحار، فلم تورثها الحياة غير الذل والدموع. بدأت تشرب وتشرب لتنام وتنسى وتحلم بالتحرير. أحد لا يحبها لشخصها، لقبلها وضميرها. وعالمنا شرس، قاس، مزيف ومدنس. كل من عرفتهم من زملاء لها في الجامعة، أرادوها لجمالها الرباني وجسدها الممشوق، ولأنها إنسانة وتعرف التمييز قررت الابتعاد عن معظم الشباب إلا زميل وحيد كان بمثابة الأخ لها. كان يعاملها باحترام وتقدير واستضافها في بيته في المثلث بعد أن قررت الهرب من بيتها لتتنفس بحرية ولو لساعات قليلة، عاشت يومين في كنف عائلته ولاسيما أمه وأخواته وكانا هذان اليومان من أسعد أيام حياتها، فلطالما حلمت أن تكون لها أم محبة تتقي الله وتشعرها بقيمتها في الحياة. بعد هذا عادت إلي بيتها في حيفا فقام والدها بضربها ضربا مبرحا، وبنعتها بأبشع النعوت، ولم يهدأ له بال إلا بعد أن اصطحبها إلى طبيب ليطمئن إن كانت ابنته بكر رشيد أم ...
وعندما تأكد من أنها لا زالت طاهرة شريفة عفيفة حبسها في المنزل وأخذ منها هاتفها الجوال وراح يبحث لها عن عريس من معارفه ويرغمها على التعرف إليه، فتكتشف دونية الإنسان هذا وكل عقده النفسية وشكوكه وتعييره لها بلبسها وشفافيتها وأسئلته السخيفة كسؤالها إن كان قد حدث ولمسها رجل، ومنحها شعور
بأنه يريدها فقط لجسدها وليس لقلبها وروحها، فتتهرب من الاستمرار باللقاء به، وترفضه، فيزداد العنف المنتهج ضدها. المكان الوحيد الذي سمح لها بالمكوث به بيت عمتها في الناصرة للراحة كلما أصابتها نوبة اكتئاب ولأن كل من حولها يشعروها بدونيتها كإنسانة تختار أن تدخل عالم النت والماسنجر والفيس بوك. ولأنها إنسانة طيبة أو ربما ساذجة بعض الشيء، تظن أن عالم النت سينصفها أكثر من أهلها فتكون صداقات عديدة ولكنها تصدم بأن عالم النت مزيف والغالبية من معارفها مزيفين ولا يملكون مقدار حبة خردل من الأخلاق والرجال والشباب على وجه الخصوص، الذين اتخذتهم كإخوة لها ما إن يروها على الكاميرا حتى يطلبون منها أن تخلع ملابسها، فتصدم وتبكي وتحذفهم. والصنف الآخر هو صنف الفلاسفة والذين يعتقدون أن محبة الله مجرد شعار يرددونه متى يشاءون ويدينوا هذا وذلك متى يشاءون، بالجيد أو الفاسد، ويعلقون تعليقات سخيفة كأنهم أولياء الله على الأرض!
ووجود عدد قليل من الأصدقاء الدائمين ولكن هذا لا يكفي. الشيء الوحيد الذي يعزي صديقتي في الحياة هو أن والدها لن يمنعها من مواصلة دراستها الجامعية حتى وإن اضطر أن يراقبها في الذهاب والاستراحات والإياب.
ولكن السؤال هنا... هل مثل هذا الأب أو الأم أو أي من أقاربها ومعارفها الأنذال، يستحقون أن تمر ولو مرورا في حياتهم؟!
في قراره نفسي أعرف أنها في طريقها للتحرر من كل هؤلاء وأنها ستبدأ حياة جديدة وجميلة بعيدا عن كافة الذئاب والمنافقين وأنا مؤمنة بأنها ستصل بعيدا بعيدا، وسيلمع اسمها في مجال العلوم النفسية والإنسانية بعد عدة سنوات. فصبرا صديقتي الغالية.