وهل بعد 1400سنة مازلنا نُصدق صحيح البخاري ؟

نهى سيلين الزبرقان
2011 / 10 / 10

صحيح البخاري هو أحد أصح الكتب في الإسلام بعد القرآن عند أهل السنة و هو أول مصنف في الحديث الصحيح، جمع البخاري هذه الاحاديث بعد 200 سنة من موت محمد، فبعد أن غربل ستمائة ألف ( 600,000 )حديث لم ير ماهو جدير بصفة الصحيح غير سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثًا بالمكرر(7397)، ومن غير المكرر أكثر من ألفين حديث. ورغم هذه الغربلة التي قام بها البخاري مازلنا نجد في هذه السنة الصحيحة أحاديث عجيبة وغريبة مثل "دلك الوجه ببصاق محمد" 1 و حديث القمر الذي انشق لمحمد2 . و حديث شرب بول الأبل (البعير)3 ، و حديث أرضاع الكبير4 الذي اختلف عليه كل الفقهاء، فمنهم من يقول تضع اللبن في كوب و منهم من يقول يجب ان يلتقم الثدي و منهم من يقول هذا كان خاص بسالم فقط. كما نجد ايضا في هذا الصحيح أن للأمر الواحد عدة روايات متخالفة ومتباينة ومتناقضة.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هل بعد 200 سنة يبقى كل ماقيل عن محمد صحيح ؟؟ خاصةً أننا نعلم أن هذه الاحاديث كان يتناقلها الرواة، لذا هي موضع خلطهم وسوء الحفظ والنسيان وملعب أهوائهم وتحزبتهم السياسية، وهذا كله يؤدي الى التغيير والتبديل والتحريف والزيادة والنقصان في الاحاديث و اختراع أحاديث لتخدم حزب ما.
ايضا السؤال الذي يتبادر الى ذهن كل عاقل هو كيف تم أختيار وتدوين هذه الاحاديث ؟ يٌقال أن البخاري أنتقى هذه الاحاديث على أساس صحة السند، والسند هو مايعرف في مصطلحات الحديث بالعنعنة أي قال فلان عن فلان وهلم جر حتى نصل الى القائل الرئيسي الا وهو محمد، يعنى السند هو سلسلة رواة الحديث. والسند عند البخاري وعند غيره هو من "قوائم الحديث"، أن سقط ، سقط الحديث ، وأن صح السند لابد من قبول الحديث مهما كان مضمون الحديث، لهذا نجد في كتب البخاري وغيره أحاديث غريبة وعجيبة وكارثية المضمون .
أيضا يقال أن قسماً من أحاديث البخاري قد رويت بالمعنى ، ولم ينقلها البخاري بنفس اللفظ حسب ما سمعها من ناقليها ، وهذا بشهادته هو نفسه فقال : "رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر" - نقله الخطيب في تاريخه والحافظ في مقدمته على الفتح وغيرهم عن البخاري نفسه-

فلو قمت بتحليل بسيط سأجد أن أحاديث البخاري لاتحمل أي مصداقية بمفهومنا العصري، لماذا ؟

أولا: لاشك أن الخبر اذا تداولته الرواة وطال سيره بينهم كان عرضة للتغيير والتحريف، وهناك في علم الاعلام مايسمى بتحريف المعلومة، ويستعملون "لعبة الهمس" للبرهنة على تحريف المعلومة عن الاصل، وهذه اللعبة هي: " تتألف اللعبة من عدة أشخاص يقوم الاول بايجاد جملة ويمررها للثاني همسا والثاني يمررها للثالث وهكذا حتى تعود الى الأول وحينها يكتشف الجميع مدى التحوير والتحريف الذي طرأ على الجملة " ولنا أحسن مثل في وسائل الاعلام و كل مانراه من تضارب الاخبار أحيانا من قناة لقناة. حتى لاتعرف أين هي الحقيقة و أين هي المعلومة الصحيحة من الخاطئة ؟


ثانيا: من هم أكثر الرواة عن محمد ؟ هم ابو هريرة و عبد الله بن عباس. ابو هريرة هذا فات باقي الصحابة في رواية الحديث (وتذهب الروايات إلى أن الرجل قد روى 5,374 حديثاً ) ، ولم يعاصر محمد سوى عامين. اما عبد الله بن عباس روى عن النبي 1,771 حديثاً، المشكلة أن بن عباس هذا كان مجرد صبي عندما مات محمد (يُقال أن سنه لم يتجاوز الثالثة عشر لما مات محمد). الذي استغربه أن واحد عاش سنتين فقط مع محمد والاخر كان صبي. فهل فعلا لهما كل هذه القدرة في تخزين هذه الكمية الهائلة من الاحاديث لفترة زمنية واستعادتها بعد موت محمد؟
نحن نعلم وحسب الدراسات العلمية الحديثة أن عملية التخزين والاستعادة غير كاملة في ذاكرة الانسان، فهي عرضة لقوى وعوامل مدمرة و تتأثر بعدة عوامل داخلية وخارجية. مثلا الأنسان يستطيع أن يخزن ذاكرته بالاحداث، لكن لما يريد ان يسترجعها يصعب عليه التمييز بين الوهم والحقيقية مما يؤدي الى فقدان بعض عناصر الذاكرة الحقيقية. وأشارت نتائج تجربة اجراها باحثون على 1600طالب ، الى أن 20% من الناس يحتفظون بذكريات لاتقوم على أساس واقعي بل على أحداث لم تقع أبدا، أي على الوهم. وأثبتت التجربة أن بعض من ذكريات خمس هؤولاء الطلاب لاتستند الى أمور وقعت بالفعل 5

ثالثا: لا أدري لماذا لم يُستبعد كل من ابي هريرة و عبد الله بن عباس من قائمة الرواة ؟ خاصة أن من بين شروط قبول الحديث هو أن يكون الراوي(السند) ذو سُمعة جيدة. لكن الذي نعرفه من كتب التاريخ أن ابو هريرة أختلس اموال البحرين و بن عباس أختلس اموال البصرة 6. فهل بعد أختلاس أموال العامة تبقى للانسان مصداقيته ؟ وكيف اذا نأمنه على حديث ؟؟ فلو سقطت روايتهما لوجدنا اليوم عدد قليل من الأحاديث

رابعا: أن كل علماء الحديث القدماء والمعاصرون يعرفون أن 99.9999% من هذه الاحاديث هي ظنية الثبوت اي بمعنى لايستطيع أحد أن يقطع قطعا جازما أن هذه الاحاديث نطق بها محمد حتى ولوكان سندها صحيح ولو تواتر عليها الجميع-وهذا لسبب بسيط أن محمد لم يدونها في عصره ولم تُدون في عصر الخلفاء الاوائل لهذا فهي ظنية-، أي لو حاولنا ان نحسب نسبة أن محمد يكون قد قال هذه الاحاديث فسنجد نسبة ضئيلة جدا (0.0001%) أن يكون هو قائلها .
ورغم هذا الاحتمال الضئيل احتلت الاحاديث المكانة المقدسة و أصبحت تنافس أحكام القرآن وتنسخها (مثل حكم الرجم الذي مصدره حديث أو حكم قتل اللوطي الذي مصدره حديث يقال ضعيف ! ). وحتى الاختلافات بين الجماعات الاسلامية سببها حديث. فأصبح الحديث يحكم في مظاهر وسلوك وحياة المجتمعات العربية والمسلمة. لذا أنا أتساءل هل من المعقول أن تُبنى أحكام وتُسير مجتمعات وتٌقنن قوانين على مبدأ الظن !
فهل بعد هذا كله تبقى أحاديث صحيح البخاري كلها صحيحة ؟ وهل بعد 1400 سنة مازلنا نصدق صحة هذه الاحاديث ؟


المصادر
الأحاديث الغريبة والعجيبة
1 "...فواللهِ ما تنخَّمَ رسول الله نخامةً إلاّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم فدلكَ وجهه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَهُ؛ وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفّضوا أصواتهم عندهُ وما يُحدّون النظر تعظيماً له." (بخاري مجلد 3 كتاب 50 ـ الشروط ـ فصل 13 عدد 891 صفحة 564 ـ 565)
2 "عن أنس قال إنّ أهل مكة سألوا رسول الله أن يريهم آيةً فأراهمُ انشقاق القمر." (بخاري، مجلد 4 كتاب 56 ـ المناقب ـ فصل 26 عدد 831 صفحة 533)
3 فيه أن قوماً جاءوا المدينة النبوية فمرضوا فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب من ألبان الإبل وأبوالها .....رواه البخاري ( 2855 ) ومسلم ( 1671 ) .
4 روى البخاري- فى كتاب:النكاح- باب الأكفاء في الدين - حديث رقم [4698].

حدثنا عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قال" حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْضِعِيهِ قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ. زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
http://www.room-alghadeer.net/vb/showthread.php?t=2949
http://www.akherakhbar.info/article.asp?id=6281 5
6 انظر في طبقات ابن سعد، أخبار عمر، عيون الأخبار(قصة ابي هريرة) ، و في الكامل في التاريخ لابن الأثير (قصة عبدالله بن العباس)
كتاب "دليل المسلم الحزين" حسين أحمد أمين