الحرب الطبقية في مصر

أشرف حسن منصور
2011 / 10 / 6

إن ما يحدث في مصر منذ التسعينيات وحتى الآن (أواخر 2011) هو حرب طبقية بالمعنى الحرفي. وهي حرب تشنها فئة قليلة من الطبقة الرأسمالية المسيطرة على جهاز الدولة ومؤسساتها على باقي طبقات المجتمع المصري. وهي فئة الرأسمالية المالية التي استطاعت أن تحوز على جانب كبير من ثروة المجتمع المصري بفضل عمليات الخصخصة والتكيف الهيكلي وإطلاق العنان للاستثمارات الخاصة للسيطرة على جانب كبير من القوة العاملة ومن السوق المصري. والذي جعل الحرب الطبقية أكثر شراسة ووضوحاً في السنين العشر الأخيرة هو تحالف فئة الرأسمالية المالية، تلك التي يطلق عليها فئة رجال الأعمال، مع البيروقراطية الحاكمة، ذلك التحالف الذي وصل إلى حد الاندماج الكامل بين الفئتين والذي أطلق عليه البعض زواج المال والسلطة. هذا الاندماج الكامل جعل جهاز الدولة المصرية أداة قمعية في يد هذه الفئة المحدودة قليلة العدد من الرأسمالية. ولأن مصالح هذه الفئة تتناقض مع مصالح وحقوق كل الشرائح الأخرى في المجتمع المصري، فقد شهدت السنوات السابقة على الثورة تناقضاً حاداً بين سياسات الدولة التي أصبحت الذراع السياسية لفئة الرأسمالية المالية وباقي طبقات المجتمع المصري، بما فيها الرأسمالية الوطنية الصناعية، تلك التي وجدت السوق المحلي وقد سيطرت عليه التوكيلات الأجنبية والسلع المستوردة التي يتحكم في دخولها عدد قليل من رجال الأعمال المقربين من السلطة، أو الذين نجحوا في تولي مناصب في جهاز الدولة.
ليس شرطاً في الحرب الطبقية أن تكون موجهة من الطبقة الحاكمة المسيطرة إلى أفقر طبقات المجتمع، بل يمكن أن يشنها التحالف المالي والسياسي الحاكم على المجتمع كله. وهذه هي النقطة التي وصلت عندها الحرب الطبقية في مصر في السنتين السابقتين على الثورة، وهو ما يشكل أحد البواعث الرئيسية للثورة. ذلك لأن الجموع الغفيرة التي انطلقت إلى الميادين والشوارع في الثورة كانت مكونة في الأساس ومنذ الأيام الأولى من الطبقات الوسطى بكافة شرائحها.
كانت الطبقات الشعبية والفقيرة تعاني من العدوان الصريح للسلطة منذ زمن بعيد، لكن الانفجار حدث عندما طال القمع الطبقات الوسطى، ومقتل خالد سعيد على أيدي الشرطة خير دليل على ذلك. فإجرام السلطة وأجهزتها القمعية قبل الثورة هو جزء من الحرب الطبقية التي تشنها الفئة الحاكمة على المجتمع كله، مثل التعذيب المنهجي في أقسام الشرطة والسجون، والقمع الوحشي للحركات الاحتجاجية، والمحاكمات العسكرية للمدنيين قبل الثورة وبعدها أيضاً، وآلاف المعتقلين السياسيين في السجون.
وتزداد الحرب الطبقية عنفاً ودموية كلما توجهنا إلى أسف السلم الطبقي، حيث يزداد العنف كلما كانت الفئة الاجتماعية أفقر. وخير دليل على ذلك أن التعذيب في أقسام الشرطة أو على أيدي أمن الدولة لا يبدأ إلا بعد التأكد من أن الشخص المقبوض عليه ليس له ظهر وليس مهماً أو ذا شأن، وليست له اتصالات أو علاقات.
وكانت أحداث الثورة من قتل للمتظاهرين إلى سجن الآلاف من الثوار والنشطاء السياسيين بعد تنحي مبارك ومحاكمتهم عسكرياً مظاهر وعلامات على أن الحرب الطبقية مستمرة بعد الثورة ولم تنته، ويمارسها الآن المجلس العسكري الذي هو النواة الصلبة للدولة القمعية.
كشفت الدولة أثناء الثورة وبعدها عن طبيعتها الحقيقية باعتبارها جهازاً قمعياً يمارس العنف المنظم ضد الطبقات الشعبية، والوسطى ايضاً، والذي امتد في الثورة إلى أن أصبح حرباً صريحة على المجتمع كله. فقبل الثورة كانت الدولة تمارس شيئاً من التلطيف على طبيعتها القمعية باللجوء إلى آليات الهيمنة، عن طريق التعتيم والتزييف الإعلامي، وعمليات غسيل المخ بنظامها التعليمي وصحفها الرسمية، والهيمنة السياسية المصاحبة بخدع وأضاليل الحزب الوطني ولجنة السياسات، وهيمنة الحكومات السابقة كلها على جهاز الدولة الإداري وتحويله إلى مجرد سكرتارية لرئاسة الجمهورية؛ وفي الوقت نفسه اللجوء إلى شئ من العنف عن طريق جهاز الشرطة الذي كان يمارس التعذيب المنهجي المنظم. لقد وصل عدد جهاز الشرطة إلى مليون ونصف، وهو بذلك يزيد ثلاث مرات عن عدد الجيش النظامي، وهو بهذا العدد لم تكن له سوى وظيفة واحدة هي القمع الوحشي للشعب المصري كله. إلا أن هذا الجهاز الذي هُيئ لقمع مصر وكأنه جيش احتلال قد أثبت فشله في قمع الثورة الشعبية حتى عندما لجأ إلى الحرب الصريحة ضد هذا المجتمع.
والدليل على أن ما حدث في الثورة هو حرب شنها النظام السياسي على مصر كلها هو اتباع أساليب الحرب المعروفة، من قطع للاتصالات والمعاملة العسكرية للمظاهرات وإطلاق الرصاص على المتظاهرين واستخدام القناصة. ولا يقطع أي نظام سياسي الاتصالات عن شعبه إلا عندما يكون في حالة حرب صريحة معه. واللقطات التليفزيونية الشهيرة التي ظهر فيها مبارك مع المشير طنطاوي والفريق سامي عنان وهم يجلسون في غرفة العمليات المركزية يتابعون المظاهرات من شاشات متصلة بكاميرات مبثوثة في كل أنحاء مصر وكأنهم يديرون معركة عسكرية تقف دليلاً على الحرب الصريحة لهذا النظام على الشعب، حرب استعان فيها النظام بالجيش بعد أن فشلت الشرطة وقوات الأمن المركزي. لقد كان هذا المشهد معبراً عن إدارة عمليات عسكرية ضد المصريين.
وفي هذه اللحظات الثورية التي كشف فيها النظام الحاكم عن وجهه الحقيقي اتضحت صحة توصيف ماركس للدولة بأنها أداة قمع في يد الطبقة الحاكمة، وتوصيف ماكس فيبر لها بأنها جهاز سياسي يحتكر استخدام العنف الشرعي (وغير الشرعي أيضاً) في رقعة جغرافية معينة. فهذا هو التعريف الجوهري للدولة والذي اتفقت عليه الاتجاهات الماركسية وغير الماركسية على السواء. فعندما تفشل كل الأجهزة الأيديولوجية للدولة وتفشل كل آليات هيمنتها التقليدية تكشف عن جوهرها الحقيقي باعتبارها جهازاً قمعياً في الأساس، يلجأ إلى الحرب الصريحة على الج تمع في حالة فشل كل الخيارات الأخرى. وبما أن الدولة هي في الأساس جهاز قمعي عسكري، يكون الجيش هو نواتها الصلبة وخليتها الأولى والأساسية. وهذا هو السبب الذي جعل الجًلس العسكري هو المتولي للسلطة بعد انهيار النظام السابق، وهو الآن يقوم بمهمته القمعية الطبيعية، على استحياء في أحيان، وبصراحة في أحيان أخرى كثيرة.
د.أشرف حسن منصور