كتاب القُرآن والنَّبيّ مُحمّد في الشّعر الرّوسي الكلاسيكي

ناظم الديراوي
2011 / 10 / 4

.1
يضم كتاب (القُرآن والنَّبيّ مُحمّد في الشّعر الرّوسي الكلاسيكي )* تصديراً ومقالات للدكتور ناظم مجيد الديراوي تفصح عن مواضيع ومؤثرات عربية-إسلامية جلية في قصائد نوابغ الشعر الروسي. نفذت إلى الرؤى الفلسفية للشعراء الروس،ولامست أبعادهم النفسية والروحانية والمعاني القيمية والإلهام الشعري والصياغات الفنية وجماليات التصوير.مهدنا بها لنحو أربعين قصيدة روسية مبكرة، تنتسب إلى القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، نظمها عباقرة الشعر الروسي الكلاسيكي،في عصريه الذهبي والفضي؛(ديرجافين، بوشكين، شيشكوف، فيلتمان، تيوتتشييف، ياكوبوفيتش، موروفيوف، ليرمونتوف، بولونسكي، بالمونت، بونين وغيرهم). اجتهدنا، بما هو متاح وممكن من كتب ودوريات روسية نادرة، في اختيار أشعارها والكشف عما تكنزه من آيات القُرآن الكريم المترجمة إلى اللغة الروسية نهاية القرن الثامن عشر- القرن التاسع عشر. ولعل أهم ميزة لهذه الأشعار الكلاسيكية تنحصر في ثراء الاقتباسات المباشرة، من آيات القُرآن الكريم وسيرة النَّبيِّ مُحَمّد(صلى الله عليه وسلم)،المستعارة من تراجم أنجزها دبلوماسيون ومستشرقون روس منهم؛ فيريوفكين، كولماكوف، نيكولاييف، بوغوسلافسكي، سابليكوف.
ولا شك أن هذه الاقتباسات أضفت فرادةً وبهاءً على موضوعات تلك القصائد وصيغها البلاغية وصورها الشعرية ومدها الروحاني والجغرافي. كما وهذبت تبليغ ما اهتدى إليه الشعراء الروس من الإيمان الورع وما فاهوا به من مناجاة وتأملات ومواعظ مستوحاة من كلام الله إلى جمهورهم، مفصحين وبجلاء عن ملامسة الوحي القُرآني لبابهم وأرواحهم التواقة إلى الإيمان والاطمئنان، وما انتابهم من ألفة حميمة وانشراح شريف بعقيدة القُرآن الكريم ورؤيته عن الإيمان والتقوى والحياة والفناء. لذا تراهم يستهلون قصائدهم الروحانية والوجدانية بآيات قُرآنية أو يُضمنون أبياتهم الشعرية نصوصاً من كلام الله، إما لأغراض الابتهال والتوسل إلى الغفور الرحيم كي(يجنبهم طريق الماكرين)،ويهديهم الصّراط المستقيم، و(يسلط عليهم نوره)،(ليمسحوا بالتوبة ذنوبهم)،بل تراهم يدعون إلى الصلاة؛(صَلِّ ما أن يمر اللّيل - وأذكر اسم الرَّبّ الله)،وأيضاً(صَلِّ، صَلِّ، صَلِّ بمثابرة - كي تكون وضاحاً في الساعة الأخيرة)أَ ليفوزوا(بجنات تحفها ورود زاهية)،وفي هذا إيمان وأمل ووعظ وتبشير. أو للارتقاء بعقيدتهم الإيمانية وتصوراتهم عن الخلق والوجود والحياة والفردوس والجحيم(الله، الله، الله - هو رَّبُّ المشرق والمغرب، - أمامهُ تتوهج الظلمة)،وتعظيم دلالتها ومغزاها لإضفاء بهرة وفتنة ونغمة على أخيلة القصيدة(وإذ قال؛" شعاري رهيبٌ - هو- سِر الأسرارِ : ألف، لام، ميم ") الشغوفة بالهام العقل واستفزاز العاطفة وإثارة الجسد.
2.
وآن محاكاة وشرح تلك الأشعار، الروحانية والوجدانية، حاولنا أن نؤلف، بنسق ما، نسيجاً من محاسن البيان الوصفي التعبيري وخطاب العرض والتحليل. ومن غير إصرار، انتهينا إلى قطعة نثرية-إيحائية، فيها من التحليل الاستقرائي ما فيها من أنيس الخطاب الصوفي التقي، المنشغل بابتهالات الحائر وهيام الدنيا وهمها الخالد، الرّاني من غير أجنحة إلى فضاء وجِنان الفردوس المتوجة بالطهر المُتسامي على أفعال البشر وأهوائهم !،التي وإن نُزهت وتكاملت في العفة لا تسلم من مُلامسة بريق الدنس الباهت، ذاك الذي لا حياة على الأرض دونه! بل هو مكنون وسر نبض ودفق الحياة الثرّة، بقطبيها المتضادين المتداخلين. فالدنس والعفة هما رافدا نطفة الصيرورة الأزلية لهوى دُنيا بني أدم وروحه العارمة وإغوائها الجارف. ومتى ما اضمحل أحدهما طغى الأخر بعنفوان، وكفت الحياة الدنيوية عن أن تكون مأوى لأهلها؛ العابد-التقي منهم والجاحد-اللاهي. فإن يبس رافدُ الدنس ارتقى البشر إلى مقام الملائكة، فأمست الطهارة والوجد والتسبيح بحمد الله ديدنهم والسعي إلى رضائه والفوز برحمته أسمى غاياتهم، وأضحى الفردوس مهاد أرواحهم البهية. وإن نضب رافد العفة استبد طغيان الإثم المتوج ببهارج المجون؛ مالك غراء انزلاق وهبوط الناس إلى قاع الهاوية، والانغماس في مستنقع الفجور الذي لا يغني الروح عن العوز والبؤس. وربما بشهوة وجحود ناكري الفضل تراهم ماكثين في متاع الغُرور، يزوغون عن الرضا بما وهِبوا ورزقوا وتمتعوا به من سلطان مديد ومال ياسر وجاه وافر، فارتدوا إلى شلةٍ غَيَّةٍ ضالةٍ(خاوية على عروشها)،(مُدّ لها من العذاب مَدّأً)،وليس لها من الرَّأفة والشفاعة بُدّاً.
وحتى يحل ذاك اليوم الموعود، يوم المساق العسير، يبقى ابن آدم في محنة وحيرة من أمره وأمر دنياه واغتنائها بالألم والرَّفاهة، يستنشق، دون غيره، من فضاء يقبض بصرامة على العفة والدنس. وكل روح هائمة بحالها تستلهم من زمانها ما أثمت به من ذنوب أثقلت سموها إلى العلياء وخيبت رجاءها المنشود، وما أوحي إليها من الإشراق الروحي وثبات اليقين في ذروة الصدقات والهبات التي لا يُراد منها(لا جزاءً ولا شكوراً).وما عليها إلا أن تميل إلى ما طاب لها من معشر ومقام!. إذ لا تقطن الروح في بهاء أنس السّكينة ورياض السّمو الناشد مهاد الطهر، العسير المنال، المتلألئ في فلك يعوم ليس بعيداً عن فضاء الروح. الروح التي لا تلامس في مسعاها السكون دون أن تمسك به لتبلغ مدار الخلود العائم في فضاء الوجد المُعرج على أجنحة الإيمان الزاهد بمغريات ملذات الهيام الدافق بالغرام. التي ليس دونها من حب وأمل يُرتجى!. وما أدراك ما فورة الإشكال والتعاشق بين طهارة الحب وشهوة الغرام الهادية إلى تَأَلف الروح التقية اللائذة في صومعة فردوس الرجاء الرّاني إلى الوجد الإلهي وفيضه الدائم التدفق، والجسد الفاني الهائم أبداً في فضاء لا يخلو من إغراء الجمال المتوج بالأنفة والاختيال، وسمر الخلق التي ترفل بمفاتن الحب-اللاهي، وتنضح بغرائز الغرام العصي على المقاد!. والذي لا مناص منهُ ! مادام العبادُ عباداً!.
3 .
تكشف روايات وقصائد الكسندر بوشكين، عن أنه استأنس وتأثر بقيم وعبر كتاب الله السميح وقصص الأنبياء والأقوام، التي تعرف عليها من الترجمات الفرنسية والروسية لمعاني القرآن الكريم وتفاسيره التي مدت قريحة الشاعر بوشكين ومخيلته بزاد الشعر اللذيذ. ويبدو أن هذا الاستئناس، الروحي-التقي، لامس وأثرى خطاب بوشكين الفلسفي-العقائدي ونحى نحو الشعري. ما تجسد وبان في إيقاع سجع القرآن الفريد، الذي لم يألف له شاعر روسيا الأكبر كفوا لا في إبداعاته الشعرية والنثرية ولا في قراءاته الأدبية والدينية. الأمر الذي تجلى وسطع في قصائد؛(من وحي القُرآن)1و(النَّبيّ)و(أغنية تترية)ومقطوعته الشعرية(المغارة السِّرية) التي نظمها بوشكين بوحي من سورة الكهف التي قرأها في موسم الشَّتاء بمنفاه في قرية ميخائيلوفسكي(في مدينة بسكوف).هذه السُّورة الكريمة بعثت وبقوة في ذاكرة الشاعر بوشكين مغارة القرم، الباردة والمكفهرة والمظلمة، وذكرته بحالة النَّفي والعزلة التي عانى منها إبان حقبة الملاحقة.، وفي أبيات(المغارة السِّرية)تبقى كلمات بوشكين، عند الناقد نيكراسوف، في ضيق بينما الأفكار في مدى رحب.، هذا ما تشيع به بلاغة الخطاب ورهافة وتدفق الإيقاع وعمق المدلول وصفاء المغزى في قصائد بوشكين الهادية من قبس القُرآن، التي تظهر تقديره العالي لكلام الله، المجسد في القُرآن الكريم، وانسجام معتقداته الروحية التي تبشر بثقافة التسامح والرحمة وعدم التمييز بين بني أدم إلا بالتقوى(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)،والانفتاح على المعارف والعلوم. وما برح سراج القُرآن المُنير منهل الإلهام الشعري والإيمان ومحاكاة الماضي والافتتان البلاغي في قصيدته(المغارة السِّرية) ؛ في المغارة السِّرية - في يوم العسف- قرأت القرآن العذب.

* ترجمة وتعليق د. ناظم مجيد الديراوي- يصدر باللغتين العربية والروسية(176 صفحة)،بداية أُكتوبر الجاري، عن مؤسسة دراسات الثقافة الإسلامية في روسيا.